المفتي قباني: دار الفتوى لن تقبل بعد اليوم بفتح ملفات لأهل السنّة في لبنان
مجلة الأمان اللبنانية 30/6/2006
أطلق مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني نداء شديد اللهجة قال فيه: «إن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية لن تقبل بعد اليوم بالتنكيل بأهل السنة في لبنان»، وأضاف أنه «لن نقبل باستمرار فتح ملفات الموقوفين لأهل السنة في لبنان وباستمرار التأجيل والمماطلة فيها»، وقال إنه «سيأخذ على عاتقه قيادة هذه المسيرة لمواجهة الإرهاب الأمني في لبنان».
وأطلق قباني نداءه بعدما استقبل في دار الفتوى أهالي الموقوفين في القضايا الإسلامية، بحضور النائب عمار الحوري ومفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو ورئيس هيئة رعاية السجناء وأسرهم في دار الفتوى القاضي الشيخ محمد عساف، ومحامي الدفاع عن الموقوفين.
بعد تلاوة من القرآن الكريم للشيخ خالد العارفي، طلب المفتي قباني من أهالي الموقوفين أن يشرحوا المعاناة التي تعرضوا لها والظلم الذي حاق بأبنائهم.
شهادات ذوي الموقوفين
هدى (زوجة الشيخ محمد الأنصاري) تساءلت: «هل يعقل أن تتم إهانة رجل دين (زوجها) يتبع لدار الفتوى بهذا الشكل، فالأجهزة الأمنية اتصلت بزوجها طالبة منه المجيء لسؤاله عن بعض الشباب الذين يعرفهم، فإذا بهم يعتقلونه بتهمة لا نعلم عنها شيئاً. وأشارت هدى إلى أن زوجها أقرّ لدى الأجهزة الأمنية بأنه يحوز سلاحاً في منزله، وهو سلاح يخدم العمل المقاوم في الجماعة الإسلامية، وقد أقرّت الجماعة الإسلامية بذلك. وأضافت هدى أن زوجها لم يتعرض لتعذيب جسدي، وإنما تعرض لتعذيب نفسي يفوق التصور، فقد كان يتم تعذيب رفاقه «بالفرّوج» و«البلانكو» سعياً لنزع اعترافات زائفة منه.
عبير (شقيقة الموقوف المقعد خليل السودا) سردت على الحاضرين قصة شقيقها فقالت إن شقيقها انضم إلى صفوف المقاومة الإسلامية في الجماعة الإسلامية خلال فترة تحرير شرق صيدا، وقد أصيب خليل منذ عشرين عاماً بإصابة أقعدته، وقد أمضى سنوات طويلة يعاني من الإصابة، وسافر إلى فرنسا للمعالجة. وتساءلت عبير: هل يعقل لشخص مقعد أن يكون قائداً وأميراً لتنظيم القاعدة، وهل بات قارئ القرآن خبير متفجرات؟ وأضافت عبير أن المحققين مارسوا ساديّتهم وجرائمهم على خليل، وكانوا يغضبون لأنه لم يكن يشعر في أطرافه السفلية مما فوّت عليهم فرصة التمتع بتعذيبه، وقالت بأن شقيقها تمّ تعذيبه بالكهرباء وتمّ نقله إلى مستشفى الحياة للمعالجة من تسمّم الدم.
والدة الموقوف يوسف القبرصلي (المتهم بمحاولة اغتيال السيد حسن نصرالله) قالت إن ابنها مريض نفسياً منذ سنوات، وكان يقضي الأسابيع الطوال وهو نائم نتيجة الأدوية التي وصفها له الأطباء، وأشارت إلى أن ابنها حاول الانتحار أكثر من مرة، وهو الآن موقوف في سجن رومية دون أكل أو نوم، ويسألني في كل زيارة له: «لماذا أنا موقوف هنا؟» فلا أعرف بماذا أجيبه، وأنا أسألك يا سماحة المفتي هل يعقل لمريض نفسياً أن يخطط لاغتيال من عجزت عن اغتياله إسرائيل؟
أحمد نبعة (شقيق حسن ومالك وخضر نبعة الموقوفون بتهمة تأليف شبكة للقاعدة) أشار إلى أن شقيقه حسن رجل دين تخرج من المدينة المنورة، وهو تعرض لتعذيب شديد كتكبيله من الخلف لمدة أربعة أيام متواصلة، ومازال يعاني من أوجاع يديه حتى الآن. وقال «نبعة» إن التهمة على أشقائه إن صحت فيجب أن تكون فقط للتواجد في سوريا لمساندة ومساعدة المجاهدين في العراق، وقال نبعة بأن شقيقه الأكبر «خضر» اتصل بإخوته الموقوفين وسألهم إن كانوا بحاجة إلى طعام، فأجابته العناصر الأمنية بالإيجاب، فلما جلب الطعام تمّ توقيفه معهم، وهو لم يغادر لبنان مطلقاً، وهو موقوف ظلماً منذ أكثر من ستة أشهر. ويضيف نبعة فيقول: إن كان لأحد الحق بالمقاومة فهو أنا وإخوتي الموقوفين لأننا من مزارع شبعا.
والدة الموقوف عامر حلاق (نجل الشيخ عبد الله الحلاق) قالت بأن ابنها تخرج مهندساً من جامعة بيروت العربية، فإذا بالأجهزة الأمنية تعتقله وتقوم بتعذيبه، وهو الآن فاقد للسمع نتيجة التعذيب.
أحد الذين تمّ توقيفهم بتهمة الضلوع بأحداث 5 شباط بالأشرفية قال: دهمت الأجهزة الأمنية منزلي بعد منتصف الليل حيث استيقظت على صراخ أبنائي الستة، وحاولت القوى الأمنية تحطيم باب المنزل، طلبوا مني مرافقتهم، استمهلتهم حتى الصباح فرفضوا، نقلوني إلى فرع المخابرات، سألتهم عن التهمة فأجابوا ممنوع، أريد الاتصال بأهلي.. ممنوع، أمضيت إضافة إلى باقي الموقوفين عدة أيام نأكل ونشرب ونقضي حاجتنا أمام بعضنا، بعدها نقلونا إلى وزارة الدفاع، حيث تمّ عصب أعيننا ولم نكن نسمع إلا الشتائم والإهانات والصراخ، وبعد أن أمضينا عدة أيام نقلونا إلى المسلخ البشري في الفياضية، حيث تمّت تعريتنا كما خُلقنا أمام أعين بعضنا البعض، وتمّ وضعنا لساعات عدة تحت المطر... وهنا تساءل المتحدث: هل نحن بهائم حتى نُعامل بهذه الطريقة؟!
نداء مفتي الجمهورية
بعد الشهادات التي أدلى بها الأهالي والموقوفون المخلى سبيلهم طلب مفتي الجمهورية من وسائل الإعلام تسجيل نداء سيوجهه، فقال في ندائه:
«هذا نداء موجّه من مفتي الجمهورية اللبنانية ومن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية إلى رئيس الحكومة أولاً فؤاد السنيورة ثم إلى وزير الداخلية (بالوكالة) أحمد فتفت، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ومخابرات الجيش والمحكمة العسكرية والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والأمن العام وكل المسؤولين، كلمة موجزة وقصيرة، حازمة وحاسمة، وهي أن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية لن تقبل بعد اليوم باستمرار فتح ملفات الموقوفين (لأهل السنّة) في لبنان، ولن تقبل باستمرار التأجيل والمماطلة فيها. منذ شهور طويلة نتكلم ونتخذ المواقف ونصرّح ولا حياة لمن تنادي. آمل من جميع المسؤولين اللبنانيين ألا يتوصّل مفتي الجمهورية إلى اتهام المسؤولين جميعاً بأن هناك إرهاباً أمنياً في لبنان على جميع المستويات. لقد اطلعنا على أساليب التعذيب الإرهابية التي لم نسمع بمثلها في سجن أبو غريب على أيدي الأميركيين المحتلين في العراق.. الكهرباء، الضرب، التصرفات الداعرة اللاأخلاقية، كلها تمارس مع الموقوفين في لبنان. أنا أطلب طلباً واحداً من جميع المسؤولين، لا بد من أن يأتي أي مسؤول إلى دار الفتوى ليتكلم مع مفتي الجمهورية حتى نرفع الظلم عن المظلومين، إذ ما زالت بقايا الجهاز الأمني السابق في لبنان تعيث فساداً في أكثر الإدارات».
أضاف أنه «منذ هذه اللحظة سآخذ على عاتقي قيادة هذه المسيرة لمواجهة الإرهاب الأمني في لبنان، وكل من يقف حجر عثرة في التباطؤ أو المماطلة في استمرار فتح ملفات الموقوفين.. لقد أحوجني المسؤولون لأن أقول لأول مرة إننا لن نقبل بعد اليوم بالتنكيل بأهل السنة في لبنان. أقول ذلك وليكن ما يكون، وبعد أيام إن لم يتحقق شيء مما طالبت به فسوف أدعو أهالي الموقوفين إلى اعتصام مستمر في دار الفتوى ليلاً ونهاراً، وفي مرحلة ثانية إن لم يتحقق شيء من ذلك فسوف أدعو جميع المسلمين إلى الاعتصام في دار الفتوى».