ازدواجية التيار الصدري ونفاقه
عريب الرنتاوي – الدستور 13/7/2006
نجح الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر في تقديم صورته كزعيم "عروبي" ، مقاوم للاحتلال الأمريكي للعراق ، محتفظ بمسافة عن طهران ، أبعد من تلك التي تحتفظ بها التيارات الشيعية الأخرى ، ومتخط لاتجاهات التقسيم والتفتيت التي تفعل فعلها في بلاد الرافدين. ومن آيات نجاح الرجل ، حصوله على "جوائز تقدير" من عراقيين مقاومين ورجال دين وزعامات سياسية سنية ، إلى جانب الحفاوة التي استقبل بها في جولاته النادرة في العالم العربي ، كما تجلت قصة نجاحه في الإشادات المتكررة التي حظي بها الرجل وتياره في الصحافة ووسائل الإعلام العربية.
على أننا ، ونحن نراقب باهتمام ، ازدواجية الخطاب والممارسة وانفصامهما عند التيار الصدري ، لا يسعنا إلا أن "نقدر عاليا" مهارة هذا التيار في قول الشيء وفعل نقيضه.. فالصدر مقاوم للاحتلال الأمريكي ومتصد له بالسلاح ، وهو في الوقت ذاته ، شريك أساسي في العملية السياسية التي جرت واستكملت تحت رعاية الاحتلال من بريمر إلى زاد.
و"العروبي الأول" في الصف الشيعي العراقي، نجح في كسب تأييد إيران وتسليحها وتدريبها ، حتى أصبحت الميليشيا التابعة له ، بمثابة جيش مواز للجيش العراقي ، وأقوى ميليشيا منفردة في العراق برمته ، فيما ارتباطات "التيار" السياسية والمالية وغيرها مع مرجعياتها الإيرانية لم تعد تخفى على أحد.
و"الوطني الأول" المتخطي لانقسامات العراقيين المذهبية ، والداعية لرص الصفوف ووحدة الشعب والتضامن السني ـ الشيعي ، تتقدم ميليشياته المسلحة الصفوف في حروب التطهير والإبادة التي تمارس ضد العرب السنة ، برموزهم ومساجدهم وسياسييهم ، بمواطنيهم وأبريائهم الآمنين كما تقول كافة المصادر والتقارير.
حتى الرمق الأخير ، دعم التيار الصدري حكومة الجعفري التي فعلت ما فعلت في سجون الداخلية ، وأطلقت العنان للميليشيات المذهبية لابتلاع الدولة والأجهزة ، ومارست "بالبزة الرسمية" عمليات قتل واعتقال وتصفيات جسدية ، لم تأت بمثل بشاعتها ، قوى الجريمة المنظمة.
واليوم ، تواصل هذه الميليشيات ، وفي مقدمها ميليشيا المهدي ، حملات القتل المتنقل على الهوية ، وتدخل في رهانات مع مليشيات أخرى لتحديد الفائز في مسابقة قتل 250" عراقيا سنيا" في غضون أسبوع واحد.
والحقيقة أننا لم نعد نصغ لتصريحات الرجل وأقوال أتباعه من قادة التيار ، فما تفعله ميليشياتهم على الأرض هو أصدق إنباء من الكتب.. وما يفعله ساستهم في المجلس الوطني والحكومة ، ينهض كشاهد على "اللعبة الزدوجة" التي يمارسها هذا التيار ، مثلما تظهر قدرته الفائقة على ممارسة "التقية" وباحتراف مذهبي وسياسي على حد سواء. لسنا هنا بصدد وضع اللائمة كلها على كاهل هذا التيار ، بل ولا نحمل الميليشيات الشيعية المنفلتة من عقالها ، الوزر وحدها ، فثمة قتلة وتكفيريين وإرهابيين في أوساط العرب السنة ، وثمة قتل مقابل على الهوية واستهداف للأبرياء من العرب الشعية وبالجملة في حرب المفخخات والانتحاريين ، بيد أننا في الحقيقة ، لم نعثر على تيار عراقي واحد ، ديني أو علماني ، سني أم شيعي ، قادر على إتقان هذه اللعبة المزدوجة مثلما فعل التيار الصدري.
لكن حبال النفاق والازدواج ، قصيرة على ما يبدو ، مهما طالت واستطالت ، فاللعبة باتت مكشوفة تماما والأقنعة سقطت عن الوجوه ، والخطابات الرزينة المطروحة للاستهلاك ، لم تعد تنفع في التغطية على الجرائم التي تمارس يوميا على الأرض.