المرجعيات الشيعية المعاصرة في العراق
مقابلة مع المؤرخ د. محمد الحساني .
الوطن العربي – 28/6/2007
س : ماذا عن واقع المرجعيات اليوم ؟
ج : اليوم يتربع على عرش المرجعية السيد علي السيستاني الذي لعب دوراً مميزاً منذ سقوط النظام ودعمه للفعالية السياسية وأسهمت فتواه بإنجاح الانتخابات والدستور، ولذا يرى فيه البعض الاعتدال وآخرون يعتقدون بأنه أقل ثورية من أركان الحوزة الآخرين من كبار الآيات وهم بشير النجفي، ومحمد إسحاق الفياض، ومحمد سعيد الحكيم، ولهؤلاء ملايين المقلدين داخل العراق وخارجه، لكن بعض الشيعة خاصة الشباب المتحمسين والمعدمين من فقراء الشيعة اتبعوا الحوزة الناطقة التي ورثها السيد مقتدى عن والده .. لكن البعض استمروا بتقليد الصدر الأول أو الصدر الثاني، وهناك من يعتقد أن الصدر أوصى بقيادة الحوزة للسيد علي الحائري الذي هرب إلى إيران وأقام في قم ويصدر من هناك الفتاوى وهو على خلاف مع السيد مقتدى .. بينما فضل السيد محمود الحسني الصرخي – وهو من تلاميذ الصدر الثاني – أن يعلن نفسه مجتهداً وله مقلدوه وتياره السياسي الخاص المناهض للاحتلال وقد صدرت أوامر بالقبض على الصرخي واتهامه بالإرهاب، وتظاهر أتباعه وهاجموا القنصلية الإيرانية في البصرة في ردة فعل على تصريحات إيرانية لا تعترف بمرجعية الصرخي ..
ويقف السيد محمد تقي المدرسي على رأس حوزة مستقلة باجتهادها ومقلديها لكن نشاطها الفكري أوسع من حضورها السياسي، بالعكس من مرجعية أخرى أثبتت حضوراً سياساً ويقودها السيد محمد اليعقوبي ويطلق على تيارها حزب الفضيلة، ورغم تواضع حجمه لكنه دخل بقوة ضمن الائتلاف الشيعي واستقطب بعض الشخصيات الأكاديمية، وللشيخ جواد الخالصي تيار خاص يوصف بالاعتدال ويقترب من أهل السنة ويرفض الغلو في ممارسة بعض الطقوس الشيعية وله أتباع في الكاظمية ومناطق أخرى.
ويبدو أن أغلب المرجعيات تفرعت عنها تيارات سياسية خاصة الحوزة الأم التي أفرزت منتصف الخمسينات من القرن الماضي قيادات حزب الدعوة الإسلامية وهو من أهم الحركات التي واجهت نظام صدام حسين ولجأت قياداتها إلى إيران لكنها عارضت النظام الإيراني وحوزته التي تدعو لولاية الفقيه وهذا المبدأ لا تقره المرجعيات العراقية التي لم تعترف بخميني أو خامئني مرشداً أعلى لشيعة العراق، واستمرت الوكالة لمرجعيات النجف الأشرف .. وخرج منها أيضاً المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وهو أكثر قرباً لإيران لكنه أيضاً لا يخضع لمرجعيات إيران.
وخلال السنوات الأخيرة انشطر حزب الدعوة إلى أقسام متعددة أهما التيار الذي يضم الجعفري ونوري المالكي وعلي الأديب، وهذا التيار يشارك بقوة في العملية السياسية ويبدو أنه سيدخل في مواجهة مع التيارات الأخرى خاصة الصدري والمجلس الأعلى لتشديد المالكي على نزع سلاح الميليشيات وفي مقدمتها جيش المهدي ومنظمة بدر، وسيواجه أيضاً أتباع إيران لأنه تعهد للأميركيين وللكتل السنة بإيقاف نفوذ الدولة الفارسية في شؤون العراق وتصفية جيوبها المخابراتية التي اخترقت أجهزة الحكومة والأحزاب العراقية .. ويعاني هذا التيار من ظهور عناصر داخل الحزب تطالب بالديمقراطية الحزبية والتحديث والانفتاح على الأفكار المعاصرة تحت شعار دمقرطة الإسلام، وابرز قادة هذا الاتجاه ضياء الشكرجي ..
أما فرع الدعوة الثاني فيقوده الحاج العنزي ويسمى تنظيم العراق لحزب الدعوة .. وهناك جناح ثالث كان يتزعمه عز الدين سليم الذي اغتيل حين كان رئيساً لمجلس الحكم وهذه التيارات قليلة الفعالية .. وخرجت أيضاً تنظيمات متعددة من تحت عباءة المرجعيات بينها منظمة العمل الإسلامي والتي انشطرت أيضاً لتيارات عديدة .
وهنالك تنظيمات شيعية مهمة بين الكرد الفيلية الذين هجر أغلبهم صدام إلى غيران إضافة لوجود تيارات سياسية بين الشيعة التركمان في كركوك وهؤلاء يتوزعون الولاء بين المرجعيات الأساسية التقليدية والثورية العلمانية.
س : وكيف نفسر اصطفاف الليبرالين مع المرجعيات الدينية ؟
ج : دخل تحت خيمة المرجعيات الدينية الكثير من الشخصيات العلمانية لأسباب الاستمالة العاطفية للشارع العراقي وكسب أصواته في الانتخابات .. وفي المقابل ظهرت عمائم ليبرالية تحاول أن تضفي على الإسلام الروح العصرية على طريقة رواد النهضة العربية الإسلامية أمثال الكواكبي، ومحمد عبده، والطهطاوي، والأفغاني، والخولي، ومحمد أمين .. وتحاول هذه الشخصات العراقية تقليد هؤلاء الرواد وفي مقدمتهم الشيخ إياد جمال الدين والشيخ ضياء الشكرجي وعبد المجيد الخوئي الذي قتل قرب ضريح الإمام علي مع الأيام الأولى لسقوط النظام، وكذلك حسين الصدر والشيخ محمد بحر العلوم.
وتجمع المصادر على أن تولي التيارات الشيعية لزمام السلطة في العراق وحالة الانفلات الأمني والفكري وترسيخ الشعور بالإحباط بين ملايين الفقراء من الشيعة الذين يعانون من عقدة الاضطهاد والحرمان الطبقي وفشل الحكومة في توفير الأمن والخدمات وتفاقم المشاكل الاقتصادية سيحفز هذا الوحش المليوني الكاسر للاستجابة لنداء الانتفاضة والثورة والتمرد على كل أشكال السلطة الشيعية المتمثلة في الحكومات وكذلك المرجعيات وبات موعد الثورة في الجنوب والوسط وبغداد قاب قوسين أو أدنى وستكون لهذه الثورة العديد من الحاضنات أولها الاتجاهات المعادية لأميركا وأتباع النظام السابق الذين نجحوا في شن حرب نفسية لإثارة نقمة الشعب وفي مقدمتهم الشيعة ضد الحكومة والاحتلال.