دور الميليشيات ومستقبلها في العراق
الخميس 27 يوليو 2006
دور الميليشيات ومستقبلها في العراق
 الآلية العملية لإشعال نار الفتنة الطائفية
عمر عبد الرحمن الجبوري
حِوار العَرب ـ يونيو (حزيران) 2006
تشكلت الميليشيات العراقية، بحسب الكاتب، وفق اعتبارات طائفية وعرقية وإثنية، وبعضها تشكل لحاجة أميركية ضمن الإعداد المسبق لغزو العراق واحتلاله. وإذا كان بعض الميليشيات موجوداً قبل الاحتلال مثل البيشمركة الكردية، وفيلق بدر، فإن بعض الميليشيات أُعد على عجل لحاجة أميركية مثل ميليشيا المؤتمر الوطني الموحد الذي يتزعمه أحمد الجلبي.
وثمة ميليشيات تشكلت خلال الاحتلال مثل جيش المهدي التابع للتيار الصدري وميليشيا حزب الفضيلة الشيعي.. وميليشيا الحزب الإسلامي السني وميليشيا هيئة علماء المسلمين.
هذه الميليشيا جميعها ترفض أن تحل نفسها لتدمج في القوات المسلحة العراقية، كما طالب بذلك رئيس الوزراء نوري المالكي. فقد قال مثلاً الرئيس جلال طالباني إن (البيشمركة ليست ميليشيا.. إنها قوات نظامية ولا يجوز حلها". أما مسعود البارزاني فقال: "إن البشيمركة لم تتشكل بأمر من الدولة ولن تحل بأمر منها".
قال صحافي زار بغداد مؤخراً في وصفه للشارع المؤدي من المطار إلى قلب العاصمة: وما أن تنتهي من هذا الشارع وتدلف إلى الشوارع الأخرى المؤدية إلى قلب العاصمة الخربة، حتى تتفاجأ بعشرات من نقاط التفتيش والسيطرة التي لا تعرف تابعيتها بالضبط، وفيما إذا كانت تابعة لواحدة من الميليشيات المسلحة أم لقوات الجيش والشرطة، علق (علي) سائق السيارة حاسماً الموضوع: "كلهم نفس الشيء ولا فرق بينهم وإذا قرر أحدهم إيقافنا الآن واعتقالنا فسوف نذهب في خبر كان ولا أحد يشفع لنا".
وفي أول تصريح له بعد تكليفه بتشكيل الوزارة العراقية قال نوري المالكي: إنه يتعين دمج الميليشيات في القوات المسلحة العراقية، مضيفاً أن الأسلحة يجب أن تكون في أيدي الحكومة وأن هناك قانوناً يدعو إلى دمج الميليشيات في القوات المسلحة.
وبعد بضعة أيام وخلال مؤتمر صحافي مشترك بين السفير الأميركي زلماي خليل زادة ورئيس هيئة الرئاسة جلال الطالباني الذي هو في الوقت نفسه رئيس الاتحاد الوطني الكردي، أحد الحزبين الكرديين اللذين تتحكم ميليشياتهما في شمال العراق، رفض الأخير اعتبار المسلحين الأكراد (البيش مركه) ميليشيات، مؤكدا على أنها قوات نظامية ولا يجوز حلها.
وفي أحد المؤتمرات الإعلامية والثقافية التي أقامها الأكراد مؤخراً في شمال العراق من أجل تلميع صورتهم أمام الإعلاميين العرب، قال مسعود البارزاني تعليقاً على موضوع الميليشيات الكردية، إن البيشمركة الكردية ليست ميليشيا، مضيفاَ "أنهم قوة منظمة وأسهموا في تحرير العراق". وأوضح: لم تتشكل البيشمركة بأمر من الدولة ولن تحل بأمر منها، راداً بذلك على التصريح الذي أدلى به رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي الذي أشرنا إليه في مستهل الكتابة، والذي قال فيه إنه يجب حل جميع الميليشيات بما فيها البيشمركة.
من جهته قال السفير الأميركي الذي زار شمال العراق واجتمع بالبارزاني والطالباني خلال المؤتمر المذكور، إن الولايات المتحدة تعتبر كل الميليشيات تحدياً كبيراً لعمل الحكومة العراقية، وإن القوا ت غير المسموح بها غير قانونية وتشكل خطراً أساسياً على البنية التحتية للدولة.
وكان رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي أعلن في حزيران/ يونيو العام 2004 عن اتفاق لتفكيك الميليشيات، التي كان من المفترض أن يلتحق مائة ألف من أفراده بقوات الأمن أو العودة إلى الحياة المدنية بداية العام 2005.
خلفيات قيام وتشكيل الميليشيات
من المفيد أن نذكر من الاستهلال الآنف أن الميليشيات العراقية تشكلت وفق اعتبارات طائفية وعرقية وآنية، وبعضها تشكل لحاجة أميركية ضمن الإعداد المسبق لغزو واحتلال العراق، وإذا كان بعض الميليشيات موجوداً قبل الاحتلال مثل الميليشيات الكردية (البيشمركة) وميليشيات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (فيلق بدر)، فهناك ميليشيات أُعدت على عجل لحاجة أميركية مثلما أسلفنا، مثل ميليشيات المؤتمر الوطني الموحد الذي يتزعمه أحمد الجلبي والتي دخلت بالتزامن مع دخول القوات الأميركية إلى العراق، إلا أن الميليشيات الأخيرة تلاشت مع جراء انحسار دور أحمد الجلبي أميركياً في العراق مما رفع الدعم عن تلك الميليشيات، وتدخل في إطار هذا الجانب الميليشيات التي تشكلت خلال الاحتلال مثل الميليشيات جيش المهدي التابعة للتيار الصدري، والتي بدأت باكورة نشاطها في التصادم مع القوات الأميركية والتحالفية إلى حين انخراط التيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر في الفعاليات السياسية، ليتحول البعد الطائفي عملاً لتلك الميليشيات التي راحت تتدخل في أصغر تفاصيل النسيج الاجتماعي للشعب العراقي .
وفي سياق الميليشيات الشيعية كان لحزب الفضيلة أحد قوى الائتلاف الشيعي أيضاً ميليشياته التي كادت تدخل في احتراب مع ميليشيات فيلق بدر في مدينة الناصرية الجنوبية، بعد تنازع حزب الفضيلة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية على قطعة أرض كان كل طرف منهما يريد إنشاء مبنى لمستشفى عليها خاص به، وحتى الأحزاب الشيعية الصغيرة قامت بتشكيل ميليشيات لها مثل "حزب الله"، وتأتي في هذا السياق الميليشيات السنية التي تشكلت هي الأخرى إبان الاحتلال مثل ميليشيات الحزب الإسلامي وميليشيات هيئة علماء المسلمين التي تأخذ صفة حماية وحراسة المساجد، على الرغم من أن مخازن العتاد والأسلحة الصاروخية ومدافع الهاون التي اكتشفت في بعض المساجد التابعة للهيئة المذكورة، تعطي مدلولاً على أنها ميليشيات أعدت لحسابات طائفية ولا تقتصر على عناصر للحراسة وحماية المساجد[1]. وقد اتضح دور تلك الميليشيات في المصادمات التي وقعت في منطقة الأعظمية في بغداد، وقبل ذلك عندما أطلقت تلك الميليشيات النار على المشيعين لجنازة الصحافية أطوار بهجت السامرائي، خلال مرورهم في منطقة أبو غريب في اعتقاد من عناصر تلك الميليشيات أن أفراد الشرطة والحرس الوطني الذين كانوا يرافقون موكب التشييع، جاؤوا بقصد مهاجمة منزل حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين والواقع في المنطقة المذكورة.
إن الجماعات السنية، بما فيها التي تقاوم الاحتلال، أو التي مازالت خارج الفعاليات السياسية، تندرج هي الأخرى في إطار الميليشيات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر جيش محمد وكتائب ثورة العشرين، وكان جلال الطالباني قد صرح أخيراً أن الأميركيين يجرون حواراً مع ممثلين من المقاومة بحضوره، وأكد الطالباني قائلاً: أنا شخصياً التقيت بعدد من الذين يقولون إنهم المقاومة الشريفة، وكانت اللقاءات جيدة وإنهم على استعداد للانخراط في العملية السياسية، ولهم مفاوضات مع الحكومة الأميركية.
من تعداد الميليشيات الطائفية أعلاه يتضح الغرض الحقيقي للدور المنوط بها ، ومع ذلك فالقوات الأمريكية والتحالفية المحتلة استخدمت بعض الميليشيات في عملياتها وبخاصة الميليشيات الكردية، ولاسيما في معارك الفلوجة، وكذلك في الفترة الأخيرة عندما هاجمت الميليشيات الكردية مليشيات التيار الصدري في حسينية المصطفى في بغداد وبدعم من القوات الأميركية، ولا يستبعد المراقبون أن الهدف من وراء استخدام القوات الأميركية للميليشيات الكردية في مهاجمة ميليشيات شيعية، هو السيناريو الأميركي المكشوف في إثارة الحرب الأهلية بين الطوائف وفئات الشعب العراقي، في وقت تزامن مع انفراط عقد التحالف الشيعي الكردي على أثر "أزمة الجعفري" إذا صح القول.
وللتذكير إن القوات الأميركية والبريطانية كان لها دور في انضمام ميليشيات فيلق بدر إلى أجهزة الحكومة الأمنية، سواء في قوات الشرطة أم الحرس الوطني، وفي هذا الجانب ذكرت صحيفة التايمز البريطانية أن بريطانيا جندت بصورة متعمدة ميليشيات تحظى بدعم إيران للانضمام إلى قوات الأمن العراقية بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، ونقلت الصحيفة عن وزير الدفاع البريطاني، جون ريد قوله: إن قوات التحالف أعطت الضوء الأخضر لانضمام أعضاء ميليشيات بدر إلى قوات الأمن العراقية بعد سقوط نظام صدام، وأوضحت الصحيفة أن اعتراف الحكومة البريطانية بهذا التجنيد جاء في إجابة خطية في مجلس العموم عن سؤال النائب آدم برايس، بأنه من السياسة الرسمية للحكومة الترحيب بميليشيات شيعية مسلحة في الأجهزة الأمنية العراقية، وتضم هذه الميليشيات أعضاء لمنظمة بدر الذين تولى الحرس الثوري الإيراني تدريبهم في المنفى.
وعلى منوال الموضوع كشفت لجنة "رصد أموال العراق" في المنظمة العراقية للمتابعة والرصد أن 11 شركة تملكها الميليشيات والأحزاب في العراق، تعمل في بعض بلدان المنطقة بعدما استولت أو قدمت لها من قبل حكومة الجعفري أموالاً للعمل لحساب هذه الميليشيات والأحزاب حيث بلغت قيمتها 700 مليون دولار، وقالت اللجنة في تقرير أعدته عن "أموال العراق والميليشيات" أن هذه الميليشيات تمكنت من زج هذه الأموال في العمل التجاري من خلال هذه الشركات التي لديها مهام استخبارية، إضافة إلى المهام التجارية الأخرى، وبعد نشاطها نوعاً من الاستثمار المزدوج الأهداف.
إن تشجيع قيام الميليشيات وتسهيل مهمتها في اختراق التشكيلات الأمنية لم يكن وليد المصادفة، وإنما هو عمل مدبر من قبل الاحتلال الذي كان يعد تلك الميليشيات لمهمات تتعلق بزجها في عملياته العسكرية ضد الجماعات المقاومة للاحتلال، وكان القرار (91) الذي أصدره الحاكم الأميركي السفير بريمر في 7/6/2004 والخاص بدمج 9 ميليشيات في التشكيلات الأمنية والعسكرية، علامة واضحة على التوجه الذي تبناه الاحتلال والذي كانت آثاره السلبية تتفاعل إلى أن وصلت إلى المرحلة الراهنة التي كان فيها دور الميليشيات واضحاً في أن تكون الآلية العملية في إشعال نار الفتنة الطائفية بعدما تغذت من التوجيهات والممارسات السياسية في حقيقتها التي اتبعتها المرجعية الاجتماعية والدينية لمريديها وأنصارها، ومن منطلق مذهبي وطائفي أدت بالتالي إلى فرز طائفي وإثارة النوازع الطائفية.
سلاح الفوضى
إن جعل الوضع في العراق في حالة فوضى هو من عمل الاحتلال الذي لم يدخر جهداً وإعلاناً في الإشادة فيتلك الفوضى، حيث اعتبرتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بـ "فوضى بناءة"، وكي نتعرف إلى هذه الفوضى نستعين باستطلاع أُجري في أحد أسواق بغداد وفق التالي: لن يكلفك الأمر كثيراً كي تشكل فرقة إعدام خاصة بك في العراق، فالزي العسكري والأسلحة وحتى سيارات الشرطة متوافرة بسهولة لكل من يجيئون إلى الأسواق في بغداد، وفي مدينة يرتدي فيها رجال العصابات زي الشرطة ويقتلون عشرات الأشخاص ويسرقون عشرات الآلاف من الدولارات، فكل من معه مبلغ متواضع من المال بمقدوره إنشاء فرقته المزيفة الخاصة به، وفي سوق الباب الشرقي، وهو ملاذ للمجرمين، فإن أي شخص بمقدوره أن يدخل واحداً من نحو 15 متجراً تبيع متعلقات الشرطة والجيش، وأن يشتري زي القوات الخاصة التابعة للشرطة بمبلغ 35 ألف دينار (24دولاراً)، أو أن يشتري زي الشرطة العادي لقاء 15 دولاراً.
ويتم ذلك من دون طرح أي أسئلة أو تحقق من بطاقات الهوية، وبدولارين يمكنك شراء أي شارة رتبة، وقال طارق الذي يدير أحد هذه المتاجر: جاء شخص بالأمس وأخذ 12 زياً كاملاً للقوات الخاصة، وأخذ 15 زياً آخر للجيش وأقنعة بها ثقوب للرؤية، وأضاف لا يمهني من يأتي لشرائها.. ما دام يعطيني المال، فأنا أعطيه المنتجات.
وتابع أن أكثر المنتجات رواجاً زي القوات الخاصة التابعة للشرطة، وعلى الرغم من أن بعض الأزياء الرسمية مثل قمصان الشرطة الزرقاء هي أزياء يسهل على أي خياط عملها، فإنه ليس من الواضح من أين يحصل طارق وغيره من التجار على الأزياء فيها نقوش للتمويه، وهناك العديد من السلع الأصغر مثل مؤشرات التصويب الخاصة بالأسلحة والأقنعة التي تخفي الوجوه والقيود.
وفي بلد مملوء بالأسلحة، فإن كل أسرة تقريباً لديها على الأقل بندقية كلاشينكوف ، فالأسلحة رخيصة ويسهل الحصول عليها، ويشير ذلك إلى المهمة الضخمة الملقاة على عاتق رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يعكف على تشكيل حكومة للتعامل مع العنف وإراقة الدماء والجريمة التي تحيق بالعراق بعد الحرب، ويطالب الكثيرون بحل الميليشيات العراقية وهو ما تعهد المالكي بجعله أولوية من خلال ضمها إلى القوات المسلحة، ولكن السهولة التي يمكن بها الحصول على أسلحة وأزياء رسمية يمكن أن تشير إلى مدى صعوبة القضاء عليها، وفي العام الماضي على سبيل المثال، أعلنت جماعة تطلق على نفسها اسم "جيش الطائفة المنصورة" المسؤولية عن هجوم في بغداد باستخدام العشرات من أزياء الشرطة والسيارات في الهجوم الذي قالت الجماعة، إنه استهدف العشرات من ضباط وزارة الداخلية.
واستخدمت العصابات الإجرامية أيضاً زي قوات الأمن العراقية في أعمال قتل أو خطف، وقال اللواء مهدي الغراوي إن المجرمين يستعملون هذه الأزياء لتلطيخ صورة قوات الوزارة، وأضاف أن الملابس التي تباع تجلب على الوزارة تهماً غير حقيقية، وأشار إلى أن الوزارة قررت مداهمة المتاجر التي تبيع ملابس قوات الأمن لأن ذلك يجب أن يتوقف، وتابع أنه في غضون أسبوعين ستغير الشرطة والقوات الخاصة أزياءها إلى شكل يصعب تقليده.
وهذا تعهد لم ينفذ في الماضي، وعلى بعد كيلومترات قليلة عن سوق الباب الشرقي وتحديداً في معارض النهضة، فإنه بالإمكان شراء سيارات مماثلة لسيارات الشرطة أو القوات الخاصة التابعة لها مقابل 12 ألف دولار، ومع بعض مئات إضافية من الدولارات يمكن شراء صفارات إنذار وشعارات الشرطة في سوق قريب.
وبالإمكان بعدها التوجه إلى سوق مريدي في حي فقير بمدينة الصدر [2]للحصول على بطاقات هوية، وسيبيعك أبو محمد الذي يعمل بالأساس بائعاً للسيارات أي شيء تريده، بما في ذلك سيارات مضادة للرصاص تصل قيمتها إلى 340 ألف دولار.
ويقول أبو محمد إن هناك احتمالاً أن يشتري بعض الناس هذه السيارات بغرض شن أعمال عنف ولكن ليس بمقدورنا أن نتحرى وراءهم.. مهنتنا هي بيع السيارات وكسب المال.. يمكنني أن آتي لك بأي شيء تريده.. وحتى سيارة همفي أميركية إذا كان السعر ملائماً.
من الاستطلاع الآنف يتضح أن الساحة العراقية في ظل الاحتلال أصبحت مرتعاً خصباً لتشكيل وقيام الميليشيات والعصابات، من خلال توافر الأسلحة والمعدات والمستلزمات التي تساعدها وتتيح لها القيام بعملياتها المسلحة والإجرامية، إذ إن هذه الأسواق ما كان يتاح لها عرض الأسلحة والمعدات والمستلزمات، والحماية أيضاً، لو لم تكن هناك جهات محلية وإقليمية وأجنبية تقوم بتزويد تلك الأسواق، بما تعرضه وتطرحه للعرض وتأمين الطلب الخاص بهذا الغرض أو تلك المعدات.
وقد يتساءل الناس في العراق عن دور الجهات والتشكيلات الأمنية وكذلك قوات الاحتلال باعتبارها مسؤولية عن ملف الأمن في العراق، في الحد من تلك الظاهرة أو منع تلك الأسواق من بيع تلك الأسلحة والمعدات والتحري عن مصادرها، لكن من الواضح أن الجهات التي تزود الأسواق المذكورة لا تكمن مصلحتها في المال فحسب، وإنما تتعدى ذلك إلى إشاعة الفوضى وتكريسها من أجل تحقيق أجندتها التي تصب في خدمة الاحتلال، ولاسيما في إثارة الاحتراب الداخلي وفق ما يدور حالياً في العراق من استهداف مكشوف لنسيج المجتمع العراقي ووحدته.
دمج أم حل؟
أثارت تصريحات رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي حول دمج الميليشيات المسلحة بالقوات المسلحة العراقية جملة من ردود الأفعال المتباينة، ففي الوقت الذي أيدت فيه بعض الأحزاب السياسية الشيعية هذه الخطوة، عارضتها قوى سياسية سنية، لأنها رأت فيها محاولة لتعزيز نفوذ الميليشيات المسلحة في أجهزة الدولة، على اعتبار أن أكثر الميليشيات عدداً هي تلك التابعة لأحزاب شيعية مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (فيلق أو منظمة بدر) وحزب الله وحركة حزب الله والفضيلة والتيار الصدري (جيش المهدي).
وكشفت أوساط رفيعة في هيئة أركان الجيش العراقي أن القوات الأميركية تقوم بمراقبة عناصر جيش المهدي التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، ما اعتبر خطوة وقائية لأن هذا الجيش يرفض إلقاء سلاحه والخضوع لسلطة الدولة، كما برزت هذه المخاوف بسبب إصرار قادته على فكرة أنه يمثل جيشاً عقائدياً لا جيشاً مسلحاً في مؤشر إلى أنه سيعارض أي عملية دمج له بالقوات العراقية الرسمية، وكان تقرير لحزب الوفاق الوطني العراقي (بزعامة أياد علاوي) كشف عن أن جيش المهدي يشكل دولة داخل دولة في مناطق جنوب العراق. وأشار تقرير الوفاق إلى أن أكثر من 80 في المائة من عناصر قوات الشرطة هي من عناصر جيش المهدي أو المؤيدين له وهو أمر يقلق الحكومة العراقية والأميركيين على حد سواء.
بينما من جهتها، طالبت جبهة التوافق السنية المالكي بعدم دمج الميليشيات الشيعية المسلحة في المؤسسات العسكرية والأمنية في الدولة، معتبرةً أن الأمر يخفي بداخله تعزيزاً لنفوذ وسيطرة هذه الميليشيات على هذه المؤسسات، ورأت أن أنجع الحلول لوجود الميليشيات الشيعية، هو دمج عناصرها في الوزارات الخدمية للدولة وفي قطاعات زراعية وصناعية.
وشددت أوساط عسكرية عراقية أن الأميركيين يعتقدون أن جيش المهدي سيكون اليد الطويلة الإيرانيين، في حال قرروا الرد على أي ضربة جوية أو صاروخية أميركية ضد أهداف نووية داخل الأراضي الإيرانية. وأفادت الأوساط ذاتها أن بعض خلايا جيش المهدي تلقت تدريبات عسكرية خاصة على شن عمليات خاصة من بينها عمليات انتحارية ضد القوات الأميركية.
على صعيد متصل قال مسؤول أميركي كبير إن الولايات المتحدة تعتقد أنه ينبغي السماح لأعضاء الميليشيات العراقية بالانضمام إلى الجيش الذي تدربه الولايات المتحدة، ولكن على أساس فردي فقط وليس كمجموعات. وقال المسؤول الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه أن أحد الأمثلة على الميليشيات غير المنضبطة، هو جيش المهدي الذي يدين بالولاء لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر ويسيطر بشكل كبير على ضاحية مدينة الصدر في بغداد ومناطق أخرى.
وقالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس للصحفيين وهي في طريقها إلى اليونان أن التعامل مع الميليشيات أولوية ملحة، مضيفة أن تشكيل حكومة عراقية جديدة ربما يفتح طريقاً جديدة للتعامل مع هذه التحدي.
غير أن المحلل السياسي أنتوني كودسمان قال إنه لا فائدة من دمج الميليشيات المستقطبة بشكل كبير في القوات العسكرية التي تدربها الولايات المتحدة. وقال كوردسمان عضو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهي مؤسسة بحثية مقرها واشنطن، سيكون أمراً ساذجاً يصل إلى حد الغباء الذي يتسم بالخطورة. إنهم أشخاص يصعب أن ترغب في دمجهم في قوة وطنية، هذا سيتمخض ببساطة عن قوات طائفية أو عرقية أو يثير انقسامات داخل القوات الموجودة بالفعل.
لذلك، تقف بوجه الجهود الرامية إلى معالجة وضع الميليشيات إشكالية أو معضلة حقيقية تتمثل في أن هناك خيارين لا ثالث لهما: هما الدمج أو الحل، وإذا كان رئيس الوزراء نوري المالكي قد أشار في تصريحه إلى عملية دمج لتلك الميليشيات استناداً إلى قرار بريمر الذي سبق الإشارة إليه، وقد أيده في ذلك بيان صادر عن مكتب المرجع الشيعي علي السيستاني بعد زيارة المالكي للأخير، فإن هذه العملية أثبتت عملياً من خلال دمج ميليشيات فيلق بدر في وزارة الداخلية عدم صوابها نظراً لانعكاساتها السلبية، والأمر نفسه ينطبق على وزارة الدفاع التي انخرطت فيها الميليشيات السنية، التي أخذت كل جماعة تمنح اسمها للفوج الذي يتشكل من أغلبية عناصرها، ومن ممارسات هذه الميليشيات وهي تحمل شارة قوات الداخلية والدفاع، طغت في الشارع العراقي حالة غير ودية بين تلك القوات والجمهور العراقي، من منطلق أن تلك القوات حافظت على ولائها الحزبي والطائفي، وأخذت تتصرف على هذا النحو في تعاملها مع العراقيين أثناء وجودها في حواجز ونقاط التفتيش، وخلال عمليات الدهم للبيوت وأماكن العبادة وحتى اعتراض الرحلات المدرسية والجامعية والاعتداء بالضرب على الطلاب والطالبات بحجة الاختلاط الحاصل في تلك الرحلات.
ولهذا، فإن عملية الدمج تواجهها تعقيدات وتداعيات عدة قد تلحق ضرراً كبيراً بالنظام العام والأداء المطلوب وخصوصاً في إطاعة الأوامر من القيادات والانضباط العسكري، أظهرت الأحداث التي أعقبت عملية تفجير مرقدي العسكريين في سامراء، أن الكثير من عناصر قوات الداخلية والدفاع رفض الأوامر وانجر مع العنف الطائفي، وهو ما يعني أن ولاء عناصر الحكومية، هذا بالنسبة إلى الميليشيات الشيعية والسنية التي تم دمجها في قوات وزارتي الداخلية والدفاع اللتين عمدتا في عملية الدمج إلى سياقات آنية وغير مدروسة والمتمثلة في الاعتماد، وخصوصاً في المناطق الحدودية على العشائر، وجعل التشكيلات العسكرية الحدودية منوطة بهذه العشيرة أو تلك، وهو ما أدى إلى حدوث فوضى وغياب التنسيق في تلك المناطق الحدودية، حيث أصبح هذا الفوج مقروناً باسم هذه العشيرة وذاك الفوج مقروناً بتلك العشيرة، وعندما يأتي أمر من القيادات العليا بضرورة مساندة الفوج الأول من قبل الفوج الثاني يكون رد الأخير، بأن القاطع الذي بحاجة إلى إسناد هو من مسؤولية العشيرة الفلانية وهم بالتالي لا يتدخلون في شؤونها، أي أن الفوج المقرون بهذه العشيرة رفض الأوامر الخاصة بتقديم الإسناد إلى الفوج الآخر لكونه يمثل عشيرة أخرى، وهذا يعني أيضاً أن الولاء لعناصر لتلك القوات الحدودية بقي للعشيرة.
ويدخل في هذا الجانب أن الفساد هو الآخر تغلغل في قوات الشرطة والجيش من ناحية الأجور والرواتب، وقد اتضح أن تعداد القوات وهي في الخدمة الفعلية كثيراً عن عديدها الذي يتقاضى الأجور والرواتب، وهو جانب واحد من جوانب الفساد المستشرية في الأجهزة الحكومية الرسمية التي بات الشارع العراقي يتحدث بصوت عال عن فسادها ويبدي حيالها كرهاً وخشية في آن.
عقدة الميليشيات الكردية
وأما بالنسبة إلى الميليشيات الكردية (البيشمركة) والتي تتبع الحزبين الكرديين المهيمنين على شمال العراق، الحزب الديمقراطي بقيادة مسعود البارزاني وحزب الاتحاد بقيادة جلال الطالباني، فإن هذه الميليشيات وفق ما صرح به الزعيمان الكرديان تظل خارج نطاق الدمج والحل، وهو أمر سوف يعرل دمج أو حل الميليشيات الفئوية الأخرى، بل والأنكى من ذلك أن ميليشيات الحزبين المذكورين غير موحدتين ولا تسمح ميلشيا كل حزب منهما بدخول ميلشيا الحزب الآخر إلى منطقتها، كما أن الميليشيات الكردية عموماً لا تسمح لعناصر الجيش العراقي دخول منطقة الشمال التي تسيطر عليها، وبالتالي كيف سيتم دمجها مع تشكيلات الجيش العراقي الأخرى على افتراضها أو اعتبارها قوات نظامية على حد زعم المسؤولين الأكراد، لأن الميليشيات الكردية مازالت لديها ترسبات العداء للجيش العراقي حتى لو تغيرت الظروف وتغيّر الجيش الذي كانت تقاتله لعقود خلت؟
وضمن تصريحات المسؤولين الأكراد الرافضة لدمج أو حل ميليشياتهم، رفض حميد أفندي (وزير البيشمركة) في أربيل وهو بالأحرى مسؤول ميليشيات حزب البارزاني، اعتبار البيشمركة ميليشيات عسكرية، وعن سبب عدم دمج ميليشيات الحزبين الكرديين في ميليشيا واحدة من منطلق أن الأكراد يدعون أن لديهم حكومة واحدة في شمال العراق منذ سنوات عدة، أجاب المسؤول الكردي مبرراً: أن دمجهما في وزارة واحدة يحتاج إلى المزيد من التنظيم والتخلص من الحساسيات لدى قوات البيشمركة العائدة للحزبين، التي خلفها الاحتراب الداخلي بين الحزبين العام 1994.
من الواضح أن عقدة الميليشيات الكردية سوف تعرقل أي جهود لحل هذه المشكلة، فإذا كان الزعماء الأكراد يقولون عن ميليشياتهم أنها قوات مناضلة من جراء قتالها ضد قوات النظام العراقي السابق، فإن بمقدور زعماء الميليشيات الشيعية أن يتشدقوا بمثل هذه الحجة، من بداهة معارضتهم للنظام العراقي السابق، وأن ميليشياتهم قامت بعمليات عسكرية قتالية ضد قوات النظام العراقي في منطقة الأهوار (المسطحات المائية في الجنوب)، وهي أيضاً مشمولة بصفة النضال التي لا تقتصر على الميليشيات الكردية وحدها، ومن المؤكد أن زعماء الميليشيات الشيعية يراهنون على الممانعة الكردية ويعتبرونها حجة ما بعدها حجة، وقد استشرفنا ردود الفعل الأولى لمسؤولي التيار الصدري بخصوص وضع ميليشيات "جيش المهدي" حيث تباروا في أحاديثهم وتصريحاتهم على أن "جيش المهدي" ليس ميليشيا تابعة لحزب، وإنما هو يعود لمؤسسة دينية إرشادية، وينحصر دوره في توفير الأمن غير المستتب في مناطق وجوده التي تخلو من قوات الشرطة.
كما رفض حازم الأعرجي أحد مساعدي مقتدى الصدر وصف الحكومة وبعض الجماعات السياسية "جيش المهدي" بأنه ميليشيات، وقال إن الجناح العسكري للتيار "جيش عقائدي غير مسلح".
بينما برر الشيخ محمد كاظم الحميداوي ممثل الشيخ اليعقوبي المرجع الروحي لحزب الفضيلة، أحد الأحزاب الشيعية المنضوية في قائمة الائتلاف الشيعي، إلى أن تشكيل الفرق الشعبية والميليشيات المسلحة يعود إلى ضعف الحكومة، معتبراً أن تشكيل هذه الميليشيات المسلحة والفرق الشعبية يصب في خدمة القضاء على العناصر الإرهابية التي عاثت في الأرض فساداً.
ومع ذلك، يظل خيار الدمج هو المرغوب به أميركياً، وهو ما صرح به مسؤول أميركي كبير لوكالة رويترز قائلاً: إن الولايات المتحدة تعتقد أنه ينبغي السماح لأعضاء الميليشيات العراقية بالانضمام إلى الجيش الذي تدربه الولايات المتحدة، ولكن على أساس فردي فقط وليس كمجموعات، وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قال: إنه ينبغي حل الميليشيات الطائفية القوية ودمجها في الجيش العراقي، وستكون خطوة من هذه النوع شديدة الحساسية، حيث إن كلاً من تلك الميليشيات مرتبط بجماعات عرقية وأحزاب سياسية مختلفة، وأضاف المسؤول الأميركي، إنه اقتراح جيد من حيث المبدأ، لكن المشكلة تكمن دائماً في التفاصيل، كيف ستقوم بدمجهم، أمر مهم، يجب أن يكون الدمج مركزاً على أفراد وليس وحدات، وقال المسؤول الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه، إنه لا يرغب في إثارة جدل أن دمج كل الميليشيات في الجيش يمكن أن يتسبب في مشكلات جديدة. وقال إذا تم بشكل غير سليم فسينتهي الحال باختراق وليس اندماجاً" بعضها (جماعات الميليشيات) منضبط، والبعض الآخر غي منضبط، ومضى المسؤول بالقول: إن أحد الأمثلة على الميليشيات غير المنضبطة، هو جيش المهدي الذي يدين بالولاء لعالم الدين الشيعي مقتدى الصدر، ويسيطر بشكل كبير على ضاحية مدينة الصدر في بغداد ومناطق أخرى، ويعتقد بعض المحللين العسكريين أن الجيش والشرطة العراقيين اللذين تدربهما الولايات المتحدة، يضمان بالفعل نسبة متطوعين كبيرة تدين أولاً بالولاء لجماعاتها العرقية وليس للحكومة الوطنية والدولة.
ويبقى الخيار وهو حل الميليشيات الذي تميل إليه القوى والجماعات السنية وفق ما صرح به سليم عبد الله عضو مجلس النواب عن جبهة التوافق السنية والذي قال، نحن نتفق مع حل الميليشيات التي كان لها أثر سلبي في الشارع العراقي، ونتفق على معالجة هذه الظاهرة ولكن لا نتفق على آلية معالجتها.
وأضاف، أن القرار 91 شرع لحل هذه الميليشيات وليس لدمجها بالمؤسسات العسكرية، مشيراً إلى أن حفظ الأمن والأمان يبقى مزدهراً بالمؤسسات العسكرية والأمنية.
وحل الميليشيات بالإضافة إلى عدم عمليته في هذه الظروف التي يمر بها العراق، هو في حقيقته مكلف اقتصادياً ليس بوسع الاقتصاد العراقي تحمل أعبائه، لأن الميليشيات هي واقع مفتوح وليس منضبطاً من ناحية التنظيم والتوثيق،ولأن حل الميليشيات يتطلب تخصيص راتب تقاعدي لعناصرها، الأمر الذي يفتح الباب أمام كل القوى والجماعات للادعاء بوجود ميليشيات لديها وتقديم كل ما يمكن تقديمه من أسماء، لغرض الحصول على راتب تقاعدي لأعضائها الحقيقيين أو لغير أعضائها.
صحيح أن خيار الحل يستوعب الكثير من التفاصيل والاجتهادات التي تحدد الراتب التقاعدي وفق معايير تصنيفية، وهو ما خاض فيه حسين الشهرستاني من قائمة الائتلاف الشيعية بالقول، إن موضوع حل الميليشيات أمر دستوري يشمل الجميع، ونرى أن عملية حل الميليشيات دستوري يشمل الجميع، ونرى أن عملية حل الميليشيات ودمجها بمؤسسات الدلة يجب أن يتم على شكل أفراد وليس على شكل مجاميع ويوزعون كل على حسب درجته. وأشار الشهرستاني إلى أن ذوي الأعمار الكبيرة تتم إحالتهم على التقاعد. وأوضح أن جميع الميليشيات يجب أن تخضع للدستور وللقانون وأن الجميع متفق على ضرورة بناء قوات مسلحة قوية تابعة للحكومة، وأن قرار حل الميليشيات يشمل الجميع ومن دون تمييز.
وعلى كل حال، إن قيام الميليشيات أو استمرارها هو أحد تداعيات الاحتلال الذي يرفض المسؤولون الأميركيون تحديد زمن لإنهائه، بل على العكس إن المعطيات على الأرض وفق ما يجري من إنشاء قواعد عسكرية أميركية لاستخدامات بعيدة المدى، تعطي مدلولاً على أن هذا الاحتلال يعمل على تكريس واقعه إلى أجل مفتوح وبعيد، وبهذا الحال، فإن الميليشيات سوف ترفض وتقاوم أمر حلها، ومن يدري، فلربما تتحول مقاومة الاحتلال حالة ميليشياوية تتعدى حدود وإطار الوطنية، وهي حالة أيضاً تصب في خانة مصلحة الاحتلال، من منطلق أنه منشئ ومغذي هذه الحالة التي تعيد خلط الأوراق بالنسبة إلى صفة مقاومة الاحتلال: هل هي حالة وطنية مجردة أم حالة ميليشياوية وفئوية؟
 
 

[1] - لا حظ أنه يحاسب على النوايا المجهولة والمواقف الدفاعية ، ويساويها بالميلشيات التي تمارس يوميا القتل والإرهاب مستغلة مواقعها الرسمية و الحكومية . الراصد .
[2] - لاحظ أن هذه المعدات تتواجد في مناطق تيار الصدر !! الراصد .
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: