توقع عودة الاضطرابات الأمنية إلى لبنان عبر جماعات فلسطينية الهوية،
سورية التوجيه، إيرانية التمويل
المحرر العربي 21/6/2008
كشفت مصادر أمنية أُردنية متخصصة في تتبع أثر الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، عن عودة قريبة للاضطرابات اللبنانية عبر أتباع شاكر العبسي، وذلك نتيجة للانشقاقات التي حصلت أخيراً داخل المنظمات الفلسطينية (الإسلامية والعلمانية) التي تتخذ من دمشق وعمان وبيروت مقرات لها. ومن تلك التنظيمات المنشقة هي:
1- النصرة والجهاد في بلاد الشام.
2- المناضلون من أجل وحدة وحرية بلاد الشام.
3- منظمة الشباب الثوري.
4- وحدة المسلمين ونصرتهم.
المصادر الأُردنية المستندة الى معلومات جديدة وقديمة عن هذه التنظيمات تفيد بالتالي: إن هذه التنظيمات وأُخريات مثلها وهمية وغير موجودة على أرض الواقع، وهي فلسطينية المنشأ، وسورية التسمية والتوجيه، وإيرانية التمويل. جميعها مرتبط بتنظيم «فتح الإسلام»، الذي اتخذ من التنظيمات المذكورة آنفاً غطاء للتحرك خارج وداخل لبنان وسورية والأُردن، بسبب انكشاف خيوط «فتح الإسلام» وعلاقته ومن يقف خلفه - تمويلاً وتدريباً -، وللضربة التي وجهت له من قبل الجيش اللبناني، بالتعاون مع المخابرات السعودية، حسب معلومات المصادر الخاصة. «فتح الإسلام» والتنظيمات الوهمية الأخرى، تتعاطف مع تنظيم القاعدة، وتتمنى أن تنال رضاه من أجل اختراقه وكشف أسراره من جهة، وكي تتحرك تحت مظلته في المنطقة عموماً وسورية ولبنان والأُردن خصوصاً من جهةٍ أُخرى. لكن أيمن الظواهري يرفض التعامل مع هذه التنظيمات و«فتح الإسلام» تحديداً، لتيقنه من وقوف جهازي المخابرات السورية والإيرانية وراء تنظيمها وتكوينها الأولي.
بداية الانشقاق
بعد الانطلاقة الثانية لحركة فتح الفلسطينية في 28/8/1967، بدأت الساحة الفلسطينية تزدحم بمنظمات فدائية بعضها وجوده محدود، والبعض الآخر لم يكن أكثر من مجرد آلة كاتبة وطابع بيانات وهمية. ومن المؤسف حقاً أن هذا الأمر وصل إلى قمة الهرم السياسي الرسمي في منظمة التحرير الفلسطينية التي رغم تحفظات حركة فتح على طريقة إنشائها ومحدودية استقلاليتها العسكرية والسياسية. إلا إنها كانت تعتبرها قيمة يمكن توظيفها لإنعاش الوحدة الوطنية وتحقيق الكيان الفلسطيني. دمشق وطهران استثمرتا الدعم العربي- الخليجي لحركة فتح منذ نشأتها العلمانية، فقامتا بتأسيس «فتح الانتفاضة» المنشقة عن فتح الأُم التي يتزعمها محمود عباس بعد ياسر عرفات. «فتح الانتفاضة» وفتح الأُم تستخدمان نفس الاسم (حركـة التحرير الوطني الفلسطيني). وهي تنظيم فلسطيني شكله سنة 1983 نائب قائد قوات العاصفة أبو صالح، والعقيدان أبو موسى، وأبو خالد العملة، وأبو فاخر عدلي الخطيب، إثر إنشقاقهم عن حركة فتح الأُم. أدى الانشقاق الذي أيدته سورية وإيران إلى نشوب معارك عدة في البقاع وطرابلس ضد الموالين لياسر عرفات. ثم انتقل الصراع في ما بعد إلى المخيمات حيث شاركت «فتح الإنتفاضة» وحركة أمل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، وقوات الصاعقة، في حرب المخيمات بين عامي 1985 و1988. بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان انحسر دور وحضور «فتح الانتفاضة» تقريباً في سورية، وفي المخيمات الفلسطينية في لبنان والأُردن. فوضعت واشنطن هذه الحركة على لائحة التنظيمات الإرهابية لقيامها الى جانب تنظيم أحمد جبريل بتهريب المخدرات وغسيل أموال «حزب الله» اللبناني ومساندته في شراء الأسلحة من السوق السوداء.
فصل العملة
في 11/12/2006 فَصَلَ أمين سر الحركة العقيد أبو موسى (مقيم في دمشق) مساعده أبو خالد العملة على خلفية اتهامه بالارتباط بـ«فتح الإسلام». فيما قامت السلطات السورية باحتجاز العملة. أصدرت الحركة بياناً قالت فيه إن سبب فصل العملة هو «تصرفه الفردي المسيء لسمعة الحركة بإدخاله في قواعدها من دون علم القيادة، تنظيمات تكفيرية مشبوهة وإمدادها بالسلاح وبطاقات الحركة وتمكينهم من السيطرة على بعض مواقعها، مما ترتب على ذلك نتائج مسيئة للحركة ومقاتليها وتحالفاتها». ثارت احتجاجات واسعة في صفوف الحركة على خلفية هذا الفصل، وما تبعه من فصل أمين سر إقليم الأردن إبراهيم عجوة الملقب أبو يافا، لرفض الأخير وأبو العملة «نشر التشيع» داخل أوساط فتح الانتفاضة بتمويل إيراني ودعم سوري وتوجيه ومساندة من خالد مشعل، وموسى أبو مرزوق. بالإضافة لسعي مشعل وأبو مرزوق ودمشق وطهران لإمداد «فتح الإسلام» بالمال والسلاح عن طريق فتح الانتفاضة - فرع لبنان، على أن يتبنى أبو العملة وأبو يافا تلك العملية. يذكر أن أبو يافا هو عضو مجلس ثوري في فتح الانتفاضة، ومن المقربين من أبو خالد العملة وكلاهما يميلان للإسلام المعتدل على خلاف مشعل وأبو مرزوق. تراجع أمين سر فتح الانتفاضة أبو موسى لاحقاً عن عملية الفصل المتخذه بحق أبو يافا تحت ضغط الاحتجاج الواسع. وعلى خلفية الإقالات القسرية قدم القيادي البارز في فتح الانتفاضة أبو فاخر عدلي الخطيب استقالته، تضامناً مع رفيقيه أبو العملة وأبو يافا، ما أثار غضب الحركة وإعلانها رفض قرار الاستقالة لأن الخطيب يعتبر عِماد الحركة السياسي والإعلامي والتنظيمي. عاد أمين سر فتح الانتفاضة أبو موسى بعد استتباب الوضع إلى عمليات فصل واسعة وإعادة تشكيل أدت إلى إعلان أعضاء الحركة في فلسطين بياناً يدين قيادة الحركة ويعتبر أنها تسعى إلى تدميرها. وكان قد صدر قبل ذلك بيان باسم كوادر وعناصر الحركة في فلسطين يخالف موقف القيادة حول تصورها لأحداث غزة، واعتبر أن أبناء الحركة في الداخل هم أعرف بالوضع من القيادة في الخارج. وأشار بيان قواعد الحركة الشعبية في فلسطين إلى أنهم سيفضحون المستور والمؤامرة على الحركة، وأن صمتهم فقط هو للحفاظ على سمعة الحركة وبعض الحلفاء. في إشارة توحي بأن كل الموضوع هو مؤامرة كان أبو موسى مجرد أداة فيها بتوجيه من دمشق وطهران والدوحة. نكايةً بكادر فتح الانتفاضة- المفصول-، ولرفض الأخير مسألة نشر التشيع الفارسي داخلها على غرار تشيع غالبية كوادر حركتي «حماس» و«الجهاد» الفلسطينيتين، ورفض المفصولين الخصومة المفرطة مع محمود عباس تلبيةً لتوجيهات طهران ودمشق والدوحة. كما اتهم البيان قيادة أبو موسى بحجب الأموال ومستحقات معتقلي فلسطين في مناطق الـ48؛ واتهم أيضاً القيادة في دمشق، بأنها تبتز مناضلي ومعتقلي فتح الانتفاضة بلقمة العيش من أجل إجبارهم على عدم انتقاد الوضع الحركي السيئ والخطوات غير الشرعية التي تم اتخاذها في الحركة. ü ذريعة أبو موسى بفصل أبو يافا أنه يسعى مع أبو خالد العملة لتأسيس تنظيم قومي، بينما السبب هو رفضهما القيام بدور الجسر لعبور الأسلحة والتمويل من سورية والأردن الى لبنان وتحديداً الى تنظيم «فتح الإسلام» المنضوي تحت لواء فتح الانتفاضة شكلاً ومضموناً. وقد أصبحت أوضاع فتح الانتفاضة في مستوى عالٍ من السوء والضعف بعد فصل إثنين من أهم قادتها المؤسسين (أبو خالد العملة وإبراهيم عجوة) ومن ثم انفصال الداخل والأردن عن الحركة، حيث تم استبدال أبو يافا بعضو مغمور وضعيف من الموالين لدمشق وطهران والدوحة يدعى راشد وادي الرمحي، وهو عنصر سابق في «الجبهة الديموقراطية» التي يتزعم مكتبها في دمشق اللواء الركن أبو أحمد فؤاد. وتؤكد معلومات المصادر الأُردنية أن حركة فتح (المنظمة الأُم) التي يتزعمها محمود عباس دعت رداً على قيام دمشق وطهران بتلك الإجراءات ومنها الإقالات المفتوحة بحق قيادات فتح الانتفاضة، بدعوة جميع القوى الوطنية الفلسطينية إلى التعاون، ومنها: «منظمة التحرير الفلسطينية»، «جبهة تحرير فلسطين»، «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، «طلائع حرب التحرير الشعبية»، «الجبهة الشعبية الفلسطينية»، «الهيئة العامة لدعم الثورة الفلسطينية»، «منظمة طلائع الفداء الفلسطينية»، «جبهة ثوار فلسطين»، «جبهة النضال الشعبي»، «الشباب الثوري الفلسطيني» و«جبهة التحرير الفلسطينية - طريق العودة». بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الفلسطينية المستقلة. وقد تم اللقاء بثمانية من المنظمات المدعوة، وامتنعت بقية التنظيمات عن المشاركة.
الدور الايراني الخطر
السفير الإيراني السابق في دمشق حسن أكبر أختري اتفق مع اللواء محمد ناصيف على تشكيل فصائل فلسطينية تشبيهية تدعي العلمانية لكنها تحمل النزعة التكفيرية حيال حركة فتح الأُم، وهذه الفصائل المنسوخة عن الفصائل الحقيقية المنتشرة داخل وخارج فلسطين، اتخذت من دمشق وطهران والدوحة عواصم ومقرات لها، بهدف تشتيت متابعتها استخباراتياً من جهة، ولحصر ولائها بدمشق وطهران والدوحة، من أجل إبعاد شبهة ولاء «حماس» و«الجهاد» الفلسطينيتين لسورية وإيران وقطر حصراً. وذلك لانكشاف تشيع غالبية قادة «حماس» و«الجهاد» بسبب حجم وضخامة التمويل الإيراني، وحجم الجهد الاستخباراتي السوري- القطري. كما اتفق السفير أختري مع ناصيف بحضور رئيس وزراء قطر وزير الخارجية حمد بن جاسم آل ثاني، قبل عام ونيف في دمشق سراً، على جذب واستقطاب القادة والعناصر والمقاتلين الفلسطينيين العلمانيين الموالين سابقاً لعباس ودحلان، والذين انشقوا عنهما، الى التشكيلات الجديدة، بسبب اضمحلال تمويل فتح في فلسطين، قياساً للأموال الإيرانية التي تلقتها القيادات الفلسطينية المنشقة، والموجودة داخل وخارج فلسطين. ولهذا السبب اتفق اختري وناصيف وآل ثاني على الخطوات التالية:
1- تشكيل مجلس عسكري (مقره دمشق) للمنظمات المنشقة المجتمعة، مهمته الإشراف على جميع الشؤون العسكرية تخطيطاً وتنسيقاً.
2- تتوحد مرحلياً كل من الفرق العسكرية المنشقة، تحت مظلة دمشق وطهران والدوحة، ومن تلك الفصائل المنشقة: أ- الجناح العسكري في جبهة تحرير فلسطين (ج.ت.ف)،
ب- الجناح العسكري في حركة الشباب الثوري الفلسطيني،
ج- الجناح العسكري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح الانتفاضة). وتصدر كل البلاغات العسكرية باسم «قوات فتح الانتفاضة». كما أتفق على أن تتوحد مرحلياً الفرق العسكرية التالية: «جبهة ثوار فلسطين»، «طلائع حرب التحرير الشعبية» و«جبهة التحرير الشعبية الفلسطينية». وتصدر كل البلاغات الرسمية وبيانات تبني العمليات المسلحة داخل الأرض المحتلة عن «قوات العاصفة» المنسوخة عن قوات العاصفة التي يقودها محمد دحلان. كما اتفق أن تصدر البلاغات العسكرية مرحلياً لـ«منظمة طلائع الفداء» تحت اسم «منظمة الشباب الثوري». وتعتبر هذه الخطوة مقدمة لتوحيد كل الفرق تحت اسم واحد. ومن الناحية السياسية، تقرر تشكيل أمانة تنفيذية عامة ينبثق عنها مكتب دائم لمباشرة المهام الموكلة اليه، ويكون مقره دمشق. وأبدى المجلس العسكري بالاتفاق مع أختري وناصيف وآل ثاني، استعداده التنسيق ودعم أي فرد أو منظمة فلسطينية منشقة عن قيادة محمود عباس ومحمد دحلان في مجال العمل المسلح
سيناريو اعتقال العملة
قبل عام ونيف وتحديداً في نهاية شهر كانون الأول 2006، طالبت تركيا سورية بفتح تحقيق للوقوف على أسباب قيام بعض العناصر الفلسطينية المتواجدة في دمشق والتي تحمل جنسيتها، والمنضوية تحت لواء فتح الانتفاضة، بنقل الأسلحة والمؤن العسكرية من تركيا الى سورية بواسطة القطارات، ونقل التمويل السري من شركات الاستثمار والصيرفة غير الرسمية التابعة لجبريل من إسطنبول الى سورية، بواسطة أحد قادة حركة فتح الانتفاضة المدعو موسى محمود العملة الملقب بـ«أبو خالد العملة». فسارع ناصيف والسفير أختري إلى تلافي الخطأ الحاصل وقاما باستدعاء أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة (أبو موسى)، وطلبا منه الإسراع بإصدار بيان طرد أبو العملة وتعميمه داخل وخارج سورية، وتأريخ كتاب طرده وملاحقته قانونياً بتاريخ يسبق عملية القبض عليه في تركيا بأسبوعين، ومطالبة أنقرة بترحيله الى دمشق لمحاكمته بتهم سرقة أموال شهداء فتح الانتفاضة، وإدخال عناصر تكفيرية مشبوهة الى مقرات فتح الانتفاضة في دمشق، وإمدادهم بالسلاح والمال وبطاقات هوية صادرة عن فتح الانتفاضة. من أجل السيطرة على مكاتب الحركة في دمشق . بينما كان أبو العملة ينفذ مهمة رسمية بتوجيه من أبو موسى الذي تخلى عنه ونسب إليه تهمة التعامل مع التكفيريين. وقد اعتقلت السلطات السورية العملة فور ترحيله من أنقرة، بتهمة ممارسة نشاطات مشبوهة لصالح خلايا تنظيم «فتح الإسلام». علماً أن أبو خالد العملة رفض سابقاً وبشدة قيامه بتوجيه من دمشق وطهران قيادة 300 من رجاله العلمانيين الذين تحولوا الى متشددين، وقاموا بتشكيل نواة «فتح الإسلام» في لبنان، بعدما كانوا وبتوجيه من دمشق وطهران قبل بضعة أعوام قد أعلنوا انشقاقهم في لبنان وسورية عن حركة فتح الأُم. وأعلن أبو موسى، على هامش اجتماع الفصائل الفلسطينية في دمشق مطلع 2007، أن الحركة فصلت أبو خالد العملة من عضويتها بسبب ثلاث قضايا رئيسية: أمنية وتنظيمية ومالية. ثم أعلن أبو موسى، حسب توجيهات دمشق وطهران، «أن المسلحين المذكورين الذين تعامل معهم أبو العملة، يحملون جنسيات مختلفة من الجزائر وتونس والسعودية والأردن وسورية، وهم أعلنوا عن أنفسهم تحت اسمي «جند الشام» و«فتح الإسلام» بهدف «إنشاء تيار سُني سلفي في لبنان»، وأشار إلى أن العملة ليس سلفياً، متسائلاً عن طبيعة الشيء الذي جمعه مع سلفيين لهم أهداف غير أهداف الحركة. وأكد أن المال هو أساس العلاقة، كاشفاً أن العملة «يمتلك 12 عقاراً في دمشق لا يقل ثمنها عن 100 مليون ليرة سورية، لذلك قررنا أن يفصل من الحركة حمايةً لسمعتها».
العراق.. ودور أبو القعقاع
بعد انكشاف علاقة فتح الانتفاضة بتنظيمي «فتح الإسلام» و«جند الشام» ووقوف دمشق وطهران والدوحة خلفهما، تعمدت السلطات السورية التغطية على تلك العلاقة وسبب الانشقاقات والإقالات الجماعية في فتح الانتفاضة، خصوصاً بعد خروج العملة من سجن المخابرات السورية، وقيامه بفضح قيادته المتمثلة بأبو موسى وعلاقته وأحمد جبريل ودمشق وطهران والدوحة بـ«فتح الإسلام» و«جند الشام» ومن تلك الأحداث السورية المفتعلة: - تخوف دمشق وطهران اللتان مولتا «فتح الإسلام» و«جند الشام» من غزو أميركا للعراق، تحت عنوان إنهاء الديكتاتورية وبناء ديموقراطية فيه تكون مثالاً للمنطقة، وأن تستمر واشنطن في عملية نشر الديموقراطية ضمن مخطط الشرق الأوسط الكبير، ما يعني ترتيب الأوضاع في العراق والانتقال في ما بعد الى سورية وإيران. ولذلك اتخذت السلطات الأمنية في سورية وإيران قرار عرقلة وإفشال مهمة القوات الأميركية في العراق، من خلال تطويع الشبان العرب الراغبين لدوافع إسلامية بالجهاد ضد القوات الأميركية في العراق. - أُلقيت مهمة تجنيد وإرسال الشباب السوري والعربي والخليجي من سورية الى العراق، على الداعية السوري الكردي الأصل الشيخ الدكتور محمود قول بن محمد آغاسي (أبو القعقاع)، لتميزه بالحماسة والجرأة، ولحصوله على شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية من جامعة دمشق، وهو من مواليد منطقة أعزاز 1973، وأدى الخدمة الإلزامية في اللواء 33 مدرعات، وتم التحقيق معه في فروع الأمن السورية وتجنيده من قبلها، بعد عودته من باكستان التي سافر إليها عام 2000، بهدف اللقاء بعناصر من حركة «طالبان»، وعند عودته تم إيقافه في القاهرة والتحقيق معه قبل أن يُعاد لسورية. وقد تم الاتفاق بين المخابرات الجوية السورية وأبو القعقاع، أن يفسح المجال لنشاطه في تجنيد الانتحاريين المرسلين الى العراق عبر تمويلهم وتسليحهم، والاجتماع بهم في معسكر تدريبي (نشرت صوره عمداً على موقع «مؤسسة غرباء الشام» الألكتروني، والتابعة لأبو القعقاع)، مجاور لمسجد التوابين في حلب، وكان ضابط الارتباط معه العميد محمد بكور (رئيس فرع المخابرات الجوية في حلب). - بدأ نشاط أبو القعقاع بشكل قوي ما بين عامي 2005 و2007، حيث بدأ يستقطب الشباب العرب والخليجيين القادمين الى سورية ويلحقهم بمعسكرات تدريب ويزودهم بالسلاح ويؤمن لهم وسائل النقل للوصول الى الحدود العراقية، حيث يتم تهريبهم من هناك بمعرفته وبالتعاون مع الدكتور مثنى حارث الضاري. وقد نشطت زوجة أبو القعقاع (نجود كور) أيضاً في ميدان تجنيد النساء الانتحاريات ، وارسالهن الى العراق. وبعد افتضاح العملية، ومطالبة السفارة الأميركية بدمشق وزارة الخارجية السورية بتسليم أبو القعقاع لترحيله الى «غوانتنامو»، مُنح الأخير سيارتي حماية وعدة مسلحين خوفاً من خطفه على يد المخابرات الأميركية. - حين تقاعد اللواء عز الدين إسماعيل (مدير مخابرات الجوية العام) سارع البديل اللواء عبد الفتاح قدسية باستدعاء أبو القعقاع لإبلاغه إنهاء التعاقد معه، فما كان من الأخير إلا أن بدأ ارتداء البدلة وربطات العنق وارتياد الملاهي الليلية بعد تشذيب لحيته ، معلناً انتهاء المرحلة الجهادية. كما أوصى اللواء قدسية بعدم التجديد للعميد محمد بكور وإبعاده عن الصورة، رغم خبرته الكبيرة. وبالفعل تقاعد بكور، وتكريماً له تم تعيينه عضواً في مجلس الشعب في نيسان/ أبريل 2007. - المخابرات الأميركية لم توقف مراقبتها تحركات أبو القعقاع داخل سورية، حيث أرسلت مجموعة تسللت من كردستان العراق الى القامشلي بتنسيق مع زعيم حزب الـ«يه كه تي» الكردي السوري عبد الحميد درويش، بهدف خطف أبو القعقاع وانتزاع الاعترافات منه عن دور المخابرات السورية في مسألة تجنيد انتحاريي «القاعدة» وكيفية إرسالهم إلى العراق لضرب القوات الأميركية. وتحديداً لمعرفة كيفية تنفيذ عملية قاعدة الغزلاني في الموصل عام 2005 التي قتل فيها أكثر من 200 أميركي، حين اقتحمت شاحنة مفخخة يقودها سوري قاعة المطعم. وقد علمت المخابرات السورية بالتنسيق الحاصل بين الأميركيين ودرويش فقامت باعتقال الأخير واضطرت الى إطلاق سراحه بعد أيام لكبر سنه وإصابته بأمراض عدة، وبعدما توسط الرئيس العراقي جلال طالباني له. وبالتزامن مع ذلك أبلغ الأمن العسكري السوري أبو القعقاع بضروة عدم مغادرة دمشق خوفاً من خطفه على يد الأميركيين الذين تسللوا الى القامشلي حيث منزل زوجة أبو القعقاع الثانية المنحدرة من عشيرة العكَيدات العربية. - بعد تشديد التهديدات الأميركية لسورية بضرورة إغلاق الحدود مع العراق وعدم إرسال مجندين، خضع النظام السوري وبدأ ينظم رحلات استطلاعية للصحافيين والسفراء العرب والأجانب العاملين في دمشق، كي يشاهدوا ويلتقطوا صوراً فوتوغرافية للسواتر الترابية التي وضعتها سورية والدوريات التي تراقب الحدود
مبررات إنشاء «فتح الإسلام» و«جند الشام»
هنا برزت أمام السلطات السورية مشكلة الإسلاميين المتطرفين الذين قامت بتجنيدهم والذين ما زالوا موجودين فوق أراضي سورية، وكذلك الذين يعودون من العراق. فاتخذت المخابرات السورية قراراً بتشكيل مجموعات مهمتها الاستفادة من الطاقات الجهادية لهؤلاء الشباب وتفريغها خارج سورية، بدلاً من أن يستخدموها داخلها ضد النظام، فتم تقسيم هؤلاء ضمن فئات، حسب أولياتهم الجهادية، اعتماداً على تقارير شيوخهم الذين جندوهم ودربوهم (وهم عملاء للمخابرات السورية) وبرزت أولويات عدة وتم التعامل معها بطرق مختلفة:
أ- المجموعة التي برز لديها مبدأ «تحرير القدس الشريف وفلسطين المحتلة من إسرائيل» كأولوية تم ضمها تحت قيادة مرشد روحي واحد، وتم العمل على إقناع قيادات بعض الفصائل الفلسطينية في دمشق باستضافة هذه المجموعة ضمن المخيمات الموجودة فيها في لبنان والأُردن. عند انتهاء إعداد أماكن الاستضافة في المخيمات الفلسطينية بدأت المرحلة الثانية من العملية، حيث قامت المخابرات السورية بالقبض على المرشد الروحي للمجموعة وبعض عناصرها بالاتفاق معهم، وكذلك تم نشر أخبار بأنهم أصبحوا ملاحقين ومطلوبين للمخابرات السورية التي ستقوم بتعذيبهم وسجنهم إذا كانوا سوريين وتسليمهم لبلادهم الأصلية إذا كانوا عرباً. وكان من يقوم بنشر تلك الأخبار يُعلَم أعضاء المجموعة بأن هناك حركة جديدة تريد تحرير القدس الشريف وطابعها إسلامي جهادي قد انشقت عن حركة «فتح الانتفاضة» وإسمها «فتح الإسلام»، ويمكن أن يقوم بتعريفهم على شخص يقوم بنقلهم خارج الحدود السورية الى مكان وجود تلك المجموعة المؤمنة حيث سيتلقون التدريب والسلاح استعداداً ليوم النصر. وبهذه الطريقة تم نقل أعضاء المجموعة الى مخيم نهر البارد في شمال لبنان كي تبدو وكأنها عملية هروب من المخابرات السورية. كما تم في تلك الأثناء إطلاق سراح شاكر العبسي، المسجون لدى المخابرات السورية منذ 2004 وإرساله للبنان وتجهيز البنية التحتية له في المخيمات كي يطلق مجموعة «فتح الإسلام».
ب- المجموعة التي برزت لديها أولوية «إنشاء دولة الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة ونصرة أهل السُنة في العراق»، وتم ضم أفراد هذه المجموعة تحت قيادة مرشد روحي واحد (على الطريقة السابقة الذكر) وتم اعتقاله مع بعض عناصر المجموعة (بالاتفاق معهم) ونشر أخبار بأن الجميع باتوا مطلوبين للقبض عليهم، وكان من ينشر تلك الأخبار يدعوهم الى تشكيل مجموعة «جُند الشام» التي هدفها إقامة دولة الخلافة الإسلامية، ويسهل هروبهم الى لبنان واستضافتهم من قبل جماعات إسلامية متطرفة ممولة ومدعومة من سورية، بحيث يبدو كامل الأمر وكأن هذه المجموعة تشكلت بسبب الهروب من ملاحقة المخابرات السورية، لا أن العملية مدبرة ومعد لها سلفاً. وبعدما تم تشكيل المجموعات في لبنان بدأ تدريبها ومدها بالسلاح لتكون جاهزة للعمل بتوجيهات المخابرات السورية وبطريقة تبين أن القرار صادر عنهم ولا دخل للسوريين بأي موضوع وتحديداً «زعزعة استقرار لبنان، ونسف موضوع المحكمة الدولية». وبدأ العمل لربطها ببعض القيادات السُنية في لبنان من خلال إقناعها بأنه يمكن من خلال تمويل هذه المجموعات أن تقوم باستثمارها لصالحها في موضوع توازن الرعب مع «حزب الله»، ويمكن أن يكون البعض تورط في هذه اللعبة المخابراتية. وبدأت بعد ذلك التحضيرات للتفجير وفتح «فتح الإسلام» المعركة مع الجيش اللبناني.
الإرهاب الممسوك في دمشق
ثم عادت الى سورية عناصر من «جند الشام»، بعد هروبها من لبنان وقامت بتنظيم نفسها وتنفيذ عمليات إرهابية عدة، منها تفجيرات حي المزه، والسفارة الأميركية، والتلفزيون السوري- ساحة الأمويين، لكن جميع تلك العمليات كانت ممسوكة من المخابرات السورية، حيث أن أسماء أفراد المجموعة وهوياتهم معروفة بدقة، وكذلك منازلهم وتحركاتهم، لذلك تمت مراقبتهم عند التخطيط وتم انتظارهم أو تعطيل بعض قنابلهم عند المباشرة بالتنفيذ من أجل الاستفادة من هذه العمليات بالإعلان عن أن سورية هي هدف أيضاً للإرهاب. بدليل عدم وجود أي ناجي من أي عملية إرهابية تمت في بسورية لأنهم سيعترفون عن كل الفضائح الأمنية التي يعرفونها. ويمكن بسهولة كشف علاقة المخابرات السورية بكامل العملية من خلال التحقيق مع العناصر المعتقلة التي كانت مسجونة في سورية وتم إخلاء سبيلها وكذلك الذين ما زالوا في السجون ومطابقة معلوماتهم مع الذين هربوا الى لبنان والعراق والأردن. في هذه الفترة بدأت الضغوط السورية على أبو القعقاع من خلال قناة العربية التي بث مراسلها في دمشق زياد حيدر (شيعي وهو نجل حيدر الحيدر مدير عام الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام السورية)، تقريراً سرب عن عمد من قبل المخابرات العسكرية السورية يتهم أبو القعقاع بالوقوف خلف تفجيرات العراق الانتحارية وخلف تفجيرات ساحة الأمويين في دمشق قرب مبنى الإذاعة والتلفزيون السوري. وعندما اتصل محامي أبو القعقاع بـ«العربية»، وأبلغها رفعه دعوى قضائية ضدها ستكلفها ملايين الدولارات كتعويض، اعتذرت «العربية» وقامت بطرد زياد حيدر من العمل، وأكدت أن التقرير الذي بثته سرب من دمشق. ثم قامت وعلى سبيل تصحيح الخطأ باستضافة أبو القعقاع في برنامج «ضيف وحوار» الذي يقدمه حسن معوض. وحين استشعر ابو القعقاع قرب موعد تصفيته من قبل المخابرات السورية التي بدأت تضايقه وسحبت منه طاقم الحماية المسلح، قام بمراسلة عشرات الصحف والفضائيات والسفارات العربية والغربية في دمشق كاشفاً لها علاقته بانتحاريي «القاعدة» في العراق ولبنان، وكيفية تجنيده لهم بدعم من المخابرات الجوية والعسكرية السورية. يُذكر أخيراً أنه تمت تصفية أبو القعقاع عام 2007، ونسبت تهمة تصفيته الى أحد أتباعه المدعو أحمد عزوز إثر عودته من العراق.