جولة الصحافة\العدد الواحد الستون رجب 1429هـ
غيض من فيض الفروق بين جماعتين شيعيتين
الأحد 6 يوليو 2008
أنظر ايضــاً...
غيض من فيض الفروق بين جماعتين شيعيتين
حازم الأمين     الحياة     22/6/2008
 
غالباً ما يًستحضر شيعة العراق وتجاربهم القديمة والجديدة في سياق الحديث عن شيعة لبنان. ويقترن الحضور المُقَارن بخلط للمعاني يستبعد التفاوتات الكبيرة في أحوال الجماعتين وفي نوع علاقتهما بالدولة وبالجماعات التي تجاورهما، فيُطالب شيعة العراق من «الممانعين» بالاحتذاء بحزب الله وبانخراطهم في «مقاومة المشروع الأميركي»، فيما يُطالب شيعة لبنان من بعض النخب «المعتدلة» بالاحتذاء بـ «اعتدال» النخب الشيعية العراقية وبواقعيتها. وفي ذروة الأزمات تستحضر كل من الجماعتين الشيعيتين العراقية واللبنانية بصفتهما مدخلاً للنفوذ الإيراني المستجد في المنطقة.
وقائع الشهر الفائت (أيار 2008) سواء في العراق أو في لبنان تُضعف قيمة هذا الاستحضار، على رغم أنها تبقي على العامل الإيراني بصفته عنصراً «جديداً» وفاعلاً سواء لجهة مقاومته أو لجهة استدخاله. ولكن قبل هذه الوقائع ثمة تعسف كبير وتجاوز للحقائق في معظم هذه الافتراضات. ثمة فارق جوهري بين نوعي التشيع يجب أن يُبنى عليه أي فهم لموقعي الجماعتين، وهو سياسي واجتماعي وليس فقهياً، ويتمثل في أن التشيع العراقي هو تشيع مؤسِس ومكتفٍ وناجز، في حين يبقى التشيع اللبناني طرفياً وملحقاً دائماً بمصادر من خارجه مثلته مدينة النجف العراقية لعقود طويلة، وتولته قم الإيرانية بعد ضمور المدينة العراقية.
طرفية التشيع اللبناني أملت طوال فترة الانخراط الشيعي في التجربة اللبنانية علاقات متفاوتة بالمصدر سواء كان النجف أو قم، تبعاً لطموحات هذا المصدر ولنوع تطلباته. فالمرجعية النجفية التقليدية التي مثلها في العقود الفائتة السيد الخوئي وورثه عنها السيد السيستاني وقبلهما السيد محسن الحكيم وغيره من المراجع النجفية أبقت على صلة «ثقافية» وفقهية وتقليدية بالشيعة اللبنانيين، ولم «تفتِ» لهم بعلاقتهم بالدولة وبالجماعات الأخرى، واستمر هذا الأمر إلى أن ورثت قم النجف، حيث باشرت المدينة الإيرانية تطلباً مختلفاً من الشيعة اللبنانيين وترافق ذلك مع سعي حثيث لتثبيت العلاقة بدعائم اقتصادية وسياسية واجتماعية بدأ بتأسيس حزب الله ووصل اليوم إلى ذروته، وتخلل ذلك انتشار أفقي واسع لـ «ثقافة» التشيع القمّي تعدى حزب الله ليشمل علاقات مع مراجع وأوساط شيعية لبنانية خارج هذا الحزب. وربما كان المثال البديهي الأبرز على الفارق بين اثري نوعي التشيع على الجماعة اللبنانية، هو ذلك المتمثل بالفارق بين الولاية العامة وبين الولاية الخاصة، أي ولاية الفقيه المطلقة، وولاية الفقيه المقيدة بموضوع محدد.
لا تشكل «ولاية الفقيه» هماً شيعياً عراقياً، فهي بنسختها الإيرانية على الأقل، لا تهدد بنقل التشيع العراقي إلى سوية أخرى، علماً أن لـ «ولاية الفقيه» نسخة عراقية وهي ليست جزءاً من الانقسام الشيعي الراهن في ذلك البلد. فالتيار الصدري يؤمن بها، من دون أن نسارع طبعاً إلى تفسير علاقة هذا الأخير بإيران من خلالها. فولاية الفقيه «الصدرية» كانت حددت السيد محمد صادق الصدر، والد مقتدى، ولياً فقيهاً، وورثه عنها بعد اغتياله السيد كاظم الحائري المقيم اليوم في قم مع احتفاظه بعمق نجفي. والصدر ومن بعده الحائري قاما بتخفيف الولاية المطلقة للفقيه من خلال قولهم بـ «تعدد الفقهاء». وهذا سبب لتوتر العلاقة الصدرية مع إيران في فترات كثيرة، لأن تعيين فقيه غير السيد الخامنئي (الحائري) فقيهاً يعني عدم خضوع لسلطته، ولأن الدعوة إلى تعدد المراجع يعني تشتيتاً للسلطة الدينية.
ليس هذا الفارق الوحيد بين موقعي الجماعتين. فشيعة العراق بصفتهم مصدر التشيع ووجدانه راسخون في موقعهم الذي لا تهزه دعوات من خارجه، والدعوات من خارجه إن وصلت إليه، لا تصل بهدف إطاحته، إنما من باب محاولة كسب شرعية المصدر وادعاء انتسابها إليه، وهو غالباً ما يهملها من دون أن يقاتلها، إذ انه لا يشعر بأنها تهدده. هذا ما يفسر تصدر التشيع النجفي فقهاء من أصول إيرانية جاءوا إلى المدينة العراقية وانتسبوا إلى فقهها وتحولوا إلى قادته في مواجهة حوزة قم (الخوئي والسيستاني وقبلهما كثيرون). في حين لم يسبق لمرجع عربي، عراقي تحديداً، أن قصد قم بهدف الانتساب إليها، والأرجح انه إذا أراد ذلك فلن يتمكن من التصدر.
ثمة فروقات أخرى في علاقة الجماعتين العراقية واللبنانية مع إيران. فشيعة العراق قبل سقوط النظام البعثي فيه، لا بل قبل وصول هذا النظام إلى السلطة، لم يكونوا يوماً بحاجة إلى دعم مادي من النظام في إيران، سواء كان هذا النظام إسلامياً أو قبله شاهنشاهياً. الأموال الإيرانية تصل إلى النجف حتى اليوم من قنوات أخرى. فنفوذ مراجع النجف في أوساط المؤمنين الإيرانيين يكاد يفوق نفوذ مراجع قم، وأموال الزكاة والخمس وعائدات السياحة الدينية الإيرانية إلى مدن العتبات العراقية تصل إلى النجف من دون إرادة السلطة في إيران. أما بعد سقوط النظام البعثي فقد تعزز الاستقلال المادي هذا، إذ أن الشيعة في العراق اليوم هم الشريك الأكبر في السلطة، وحاجتهم إلى دعم مادي إيراني منعدمة.
في الحالة اللبنانية يشكل هذا الفارق علامة كبيرة في طبيعة العلاقة مع إيران. فالدعم المادي الإيراني لحزب الله يعتبر علامة نوعية ما كان يمكن الحزب أن يتفوق على الجماعات اللبنانية الأخرى من دونه على صعد مختلفة، عسكرية واقتصادية و «عملانية». وفي حين كانت النجف في سنوات نفوذها في لبنان مستقبِلاً لأموال الزكاة والخمس الشيعية اللبنانية، صارت قم بعد تصدرها مرسلاً لهذه الأموال إلى لبنان.
لكن ما الذي يمكن البناء عليه وفقاً لهذه الفروق:
أولاً: تُفسر هذه الفروق التخبط الشيعي العراقي بين مقاومة النفوذ الإيراني في العراق وبين الانخراط فيه، لكن لمصلحة الانتصار عليه كما جرى أخيراً في مدينة البصرة وفي مدينة الصدر وفي محافظة ميسان. وتُفسر أيضاً انعدام مقاومته في لبنان والانسجام معه، من دون أن يلغي ذلك أن بين الشيعة اللبنانيين رجال دين نافذين غير معادين للنفوذ الإيراني لكنهم غير منخرطين فيه.
وتُفسر أيضاً هذه الفروق تفاوت علاقة أحزاب شيعية عراقية بإيران، فالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بقيادة السيد عبد العزيز الحكيم من المفترض أن يكون من أكثر الأحزاب العراقية قرباً من إيران، وهو يلتقي معها مثلاً في الدعوة إلى فيديرالية شيعية في الجنوب، إلا انه كان داعماً رئيساً للحملة على جيش المهدي، تلك الحملة التي اعتُبرت أنها تستهدف النفوذ الإيراني بالدرجة الأولى. أما التيار الصدري الذي يعتبره الجميع في العراق المدخل الرئيس للنفوذ الإيراني، وهو أمر صحيح إلى حد بعيد، فبينه وبين هذا النفوذ مشكلات هائلة، تبدأ بالفارق بين نوعي ولاية الفقيه، وتمر بالحساسية العراقية في مواجهة الحساسية «الفارسية»، ولا تنتهي عند حدود الشقاق حول مصلحة إيران في فيديرالية شيعية في الجنوب ورفض التيار الصدري المطلق لهذه الفيديرالية. انه غيض من فيض الفروقات بين الجماعتين اللبنانية والعراقية.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: