أحداث العنف في المدن الإيرانية
عصر نو- ترجمة: يوسف عزيزي العرب القطرية 27/6/2008
يوم السبت 12 أبريل الماضي، وقع انفجار دام في مركز «رهبويان وصال» الديني في مدينة شيراز، أسفر عن سقوط 14 قتيلا وأكثر من 200 جريح. وفيما وصف حجة الإسلام إنجوي نجاد، مدير المركز (والحسينية التي وقع فيها الحادث)، الحادث بأنه انفجار وعمل تخريبي، أعلن المساعد الأمني لوزير الداخلية عباس محتاج «أن انفجار شيراز لم يكن بسبب زرع قنبلة»، مؤكدا «أن هذا الانفجار هو حادث عرضي حتما». وبعد بضعة أيام أصدرت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي بيانا قالت فيه إن الحادث ناجم عن بعض الأدوات العسكرية المتبقية من الحرب العراقية–الإيرانية والمعروضة في معرض بحسينية الشهداء في مدينة شيراز، رافضا (فرضية) نقل مواد متفجرة من الخارج إلى داخل الحسينية من قبل العناصر الداخلية أو الخارجية المعادية للثورة. كما نشرت الوكالات القريبة من حكومة أحمدي نجاد، مثل وكالة مهر للأنباء، أخبارا تؤيد ذلك البيان.
وبعد وقوع انفجار آخر في فندق «جيهان» في طهران ومصرع شخص واحد، قالت بعض المصادر القريبة من الحكومة إن المجموعات الموالية للملكية (الموالين لنجل الشاه السابق) هي التي تقف وراء الحادث. لكن، وبعيد لقاء وزيري الداخلية والاستخبارات مع مرشد الثورة آية الله خامنئي ومحادثاتهما معه حول حادث التفجير في شيراز، طرحت وسائل الإعلام الإيرانية الموضوع وأسبابه بشكل مختلف تماما. وفي هذا المجال، اتهم موقع «رجاء نيوز» المؤيد للحكومة عددا من العناصر الملكية بأنها تقف وراء تفجير شيراز. وبعد اعتقال 7 من البهائيين يوم 14 مايو عزت بعض المواقع القريبة من الحكومة، ومنها «قدس ديلي»، اعتقال هؤلاء إلى علاقتهم بهذا التفجير.
وفي تلك الأيام، أي يوم 8 مايو، وصف وزير الاستخبارات محسني ايجئي «مجموعة تابعة للدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا» بالضلوع في حادث الانفجار في مدينة شيراز. وأضاف الوزير أنه تم اعتقال ضابط الارتباط الرئيس للمجموعة في محافظة مازندران (شمال)، وصودرت كميات من الذخيرة والمتفجرات ومادة السيانور من هذه المجموعة. كما أكد السيد محسني ايجئي أن المجموعة كانت تنوي القيام بتفجيرات أخرى، منها تفجير السفارة الروسية وأنابيب للنفط في الخليج.. إلخ (نقلا عن وكالة البورز 8/5/08).
وفي نفس الوقت، أعلن وزير الداخلية السيد مصطفى بور محمدي أن التفجير في شيراز كان عملا تخريبيا ومؤامرة قام بها أعداء الشعب الإيراني العظيم والمنبوذون إلهيا، وذلك باسم الملكية وبدعم من الدول التي تدعي الحفاظ على حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق الشعوب ومعاداة الإرهاب (نقلا عن وكالة الأنباء الإيرانية 8/5/08).
ومع الأخذ بعين الاعتبار التصريحات الآنفة الذكر، لم يعد يعرف هل الذين قاموا بتفجيرات شيراز هم من البهائيين أو من أنصار الملكية، أو عملاء الإنجليز وأميركا والبلدان الغربية.
ونلاحظ أيضا أنه خلال الشهرين الماضيين وجهت أصابع الاتهام إلى العديد من التيارات والتنظيمات، إلا أنه حتى الآن لم يقدم لنا المسؤولون أية وثيقة تثبت صحة هذه الاتهامات، وهنا يبقى التساؤل موجودا: لماذا نفت الحكومة وقوع أي نوع من التفجير والتخريب؟ ولم يقتصر هذا النفي على مسؤول واحد أو عدة وكالات أنباء، وإنما شمل مجلس الأمن القومي للبلاد. وإذا كان الهدف من وراء هذا النفي هو تضليل القائمين على التفجير وخداعهم، فلم يكن ضروريا أن يتبنى المسؤولون الأمنيون الكبار مثل هذا المواقف.
إن هذا التناقض في التصريحات سيفقد ما تبقى من ميراث الثقة الوطنية. وإذا تحول هذا السلوك، لا سمح الله، إلى عادة، فسوف يصبح بعض المسؤولين بعد مدة أضحوكة القاصي والداني. وفي الحقيقة إن عملية من هذا النوع تخص التنظيمات الأيديولوجية، وبما أن التفجير الأخير قد تم في «حسينية»، فإنه تتعزز لدينا هذه الفرضية، بأن هناك دوافع سياسية وعقائدية لدى منفذي هذا العمل.
لقد أثبتت التجارب المتعلقة بالأعمال التخريبية والتفجيرات التي حدثت بعد قيام الثورة هذه الحقيقة، وهي أن أعمالا من هذا القبيل تم تنفيذها من قبل مثل هذه التنظيمات، وليس مجموعات عميلة مرتبطة كليا بالأجانب. وإذن، يجب تحليل مثل هذه الأمور بشكل أعمق، وإذا وجد أن تنظيما مخربا له هذه الماهية، فيجب معرفة الظروف الاجتماعية-السياسية التي أدت إلى تحريكه ونشاطه، ومن ثم القضاء عليها. وإذا كان مسؤولو الأمن يدّعون أن من قام بمثل هذه التفجيرات هم عملاء البلدان الغربية، وخاصة أميركا وبريطانيا، من زمر البهائيين وأنصار الملكية، فيجب عليهم إثبات ذلك بالدليل القاطع حتى لا تتمكن تلك البلدان من نكران ذلك، وتقديم شكاوى ضدها.
وعلى الحكومة أن تعمل بأية وسيلة لمحاكمة الأعضاء الأساسيين لتلك العصابة التخريبية ومعاقبتها. وبغير ذلك فإن وقوع أي عمل تخريبي في المستقبل سوف تلقى المسؤولية عنه على العديد من التنظيمات المعارضة. وإذا استمر هذا الأسلوب وعلى هذا المنوال، فمن المحتمل -وبعد مدة- أن تلقى مسؤولية الجرائم على المعارضة القانونية في البلاد، دون تحديد المتسبب الأساس بهذه الجرائم. وبالنتيجة، فإن وقوع أي حادث من هذا القبيل سوف يؤدي إلى تصفية الكثير من الأفراد الذين يعتبرهم تيارا خاصا بأنهم عناصر غير موالية للحكومة، وسيكون مماتهم أفضل من حياتهم حتى لو لم يشكلوا خطرا على النظام. وهذا يعني إحياء الأساليب التي تم تنفيذها في عهد سعيد إمامي.
وإذا اعتقد مسؤولو أمن النظام أن العوامل الخارجية هي السبب الأساس للاضطرابات الأخيرة، أفلا يدركون أن الممارسات التي تتم من قبلهم أحيانا سيكون أثرها مشابها بل وأكثر كارثية من ممارسات الأجانب؟ من جملة ذلك حادثة مدينة إيلام التي أودت بحياة ثلاثة شبان، والتي وقعت عقب الاحتجاجات التي جرت أمام قائمقام هذه المدينة بتاريخ 28 أبريل الماضي على إثر إلغاء فوز المرشح الأول في هذه المقاطعة. فما الذي حصل حتى يصدر القائمقام أمرا بإطلاق النار على المواطنين الآمنين؟ كذلك حدثت أمور مشابهة في مدينة لردكان، عندما حصلت اشتباكات بشأن الحملة الانتخابية وإلغاء فوز أحد المرشحين. وقد أدت تصرفات مسؤولي الأمن إلى لجوء المتظاهرين إلى إضرام النار في الإطارات وسط الشوارع، وتخريب المؤسسات الحكومية والبنوك، وهي مبادرات لا نجد مثيلا لها إلا في الانتفاضات والثورات.
وللأسف، تتم جميع هذه الاضطرابات –وهي حصيلة السياسات غير الحكيمة للحكام الفعليين، والممارسات المغلوطة للمؤسسات الأمنية– أثناء الانتخابات، حيث يجب أن يستمد النظام شرعيته من أصوات المواطنين. فهل تقل هذه الأمور خطورة عن أعمال التفجير التي تقوم بها التنظيمات المرتبطة بالأجانب؟
يبدو، ومن خلال الأدلة آنفة الذكر، أن موهبة الاستحواذ على السلطة من قبل تيار معين لا يلحق الضرر بالأوضاع الاقتصادية والمكانة الدولية للبلاد وحسب، وإنما ستحل نطاق بركاتها، رويدا رويدا، لتطال وضع الأمن القومي أيضا.