العرب والخيار النووي
علي حسين باكير - الغد الأردنية 12/6/2008
في سياق رتيب وممل، تراوح الأزمة النووية الإيرانية مكانها منذ العام 2003، فيما تتقدم إيران ميدانياً نحو الحصول على الطاقة النووية ببطء، لكن بثبات، من دون مواجهة أي رادع حقيقي وجدّي يدفعها إلى مراجعة حساباتها وإيقاف برنامجها النووي. فلا روسيا والصين مستعدتان لقطع علاقاتهما ذات الصلة بالمشاريع النووية والإستراتيجية مع إيران، ولا الاتحاد الأوروبي وفي مقدمته ألمانيا وفرنسا، على استعداد لتطبيق العقوبات الاقتصادية الصارمة التي تمّ الاتفاق عليها، نظراً لحجم الاستفادة الكبير من التجارة الاقتصادية مع إيران.
في المقابل، نسمع منذ فترة طويلة أنّ هناك هجوماً وشيكاً ستشنّه أميركا أو إسرائيل، أو الدولتان معاً، على المنشآت النووية الإيرانية، لتعطيل برنامجها النووي نهائياً أو تأخيره بضعة سنوات إلى الوراء، على أسوأ تقدير، بهدف كسب المزيد من الوقت في المواجهة. وقد أصبح الترويج لهذا الخيار "تجارة" عند جميع الأطراف، بمن فيها إيران نفسها.
فروسيا تستخدم فزّاعة "سيناريو الحرب" كلّما أرادت من إيران أن تسدد لها فواتير التعاون النووي المالية من دون تأخير، والولايات المتّحدة تقوم بتسريب سيناريوهات ضخمة كلّما أرادت التفاوض مع إيران حول مواضيع المنطقة ولا سيما العراق، وإيران نفسها تقوم بالترويج لفرضية أنها ستتعرض لضربة، وأنها مستعدة لصدّها، كلما أرادت دعماً شعبياً عربياً وإسلامياً يُغطيّ أفعالها التخريبية في المنطقة.
ولا يبدو أنّ هناك مؤشرات جديّة توحي بإمكانية إيقاف الدول الكبرى للبرنامج النووي الإيراني، خاصّة أنّ إيران ما تزال تتلقى دعماً مباشراً أو غير مباشر (عبر السماح أو التغاضي أو عدم تطبيق العقوبات بشكل صارم)، من جميع الأطراف، بما فيها الأطراف التي تعارض علناً المشروع النووي الإيراني، وآخرها ما كشفته صحيفة الأوبزيرفر البريطانية حول إمكانية أن يكون البرنامج النووي الإيراني "قد تلقى دعماً هاماً من مصادر بريطانية" عبر تورط مجموعة من رجال الأعمال وتجّار الأسلحة، وهو ما يذكرنا بمعلومة مفادها أن الاستخبارات الأميركية أرسلت عبر وسيط إلى الإيرانيين، مسودة نووية، من أجل خداعهم وتأخير البرنامج النووي، وتبيّن فيما بعد أنّ هذه المسودة ساعدت على تسريع العمل بالبرنامج النووي الإيراني! إضافة إلى العثور على أجهزة طرد مركزية ملوّثة بالإشعاعات النووية ومصدرها الولايات المتّحدة الأميركية.
إن استمرت هذه الحلقة بهذا الشكل، فإن ذلك قد يشير إلى وجود اتجاه مفاده أنّ لا بأس من اقتناء إيران قنبلة نووية، إذا كان ذلك سيدفع العرب والأتراك للحصول على برامج نووية سلمية "مدجّنة"، تكون بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهباً للغرب، الذي سيكون مشرفاً بشكل كليّ وكامل على هذه البرامج، وهي تكلّف عشرات المليارات من الدولارات في كل منطقة، سواء في منطقة الخليج العربي، أو تركيا، أو مصر، أو الأردن، أو منطقة المغرب العربي (الجزائر، المغرب، ليبيا).
وإذا أخذنا بعين الاعتبار الفورة المالية الضخمة التي تشهدها البلدان النفطية العربية الخليجية وغير الخليجية، التي تدر بلايين الدولارات إلى خزائن هذه الدول، فإن هذه الفرضية ستكتسب مزيداً من المصداقية، إذ يشير تقرير حديث لمعهد "ماكينزي" العالمي، على سبيل المثال، إلى أن عوائد صادرات دول مجلس التعاون الخليجي من النفط الخام وحده، ستتراوح بين 5 و9 تريليونات دولار بين الأعوام 2007 و2020 (التريليون يساوي ألف بليون). وقد درجت العادة أن يقوم النظام العالمي بامتصاص ما يسمّيه "فوائض"، عبر حروب تدميرية شهدت منطقة الخليج العربي 3 منها خلال 3 عقود، وعبر إجبار هذه الدول على عقد صفقات تسلّح بمليارات الدولارات، من دون أن يكون لها أي تأثير في ميزان القوى الإقليمي، على الصعيد الدفاعي أو الهجومي.
صحيح أنّ الطلب على الطاقة ارتفع لدى الدول العربية، وبخاصة الخليجية منها، في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يدفعها إلى دراسة الخيار النووي السلمي، وصحيح أيضاً أنّ دولاً عربية أخرى باتت غير قادرة على تحمّل تكاليف فاتورة الطاقة المرتفعة التي تعتمد على البترول، مثل الأردن، لكن من الصحيح أيضاً أنّ هناك عدداً من الملاحظات المهمة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن الطاقة النووية، الهادفة لتوفير الكهرباء، منها:
1- أن الطاقة النووية لم تثبت جدارتها بشكل كامل في العالم، بدليل أنّها لا تساهم بأكثر من 16% من الاستهلاك العالمي للطاقة، ولو كانت خياراً مفضّلاً لاعتمدته الدول الكبرى واستغنت به عمّا تسمّيه "الارتهان" للنفط العربي.
2- على عكس ما يشاع من أنّها رخيصة، فإن الرخص هنا يتعلق بفترة الاستخدام فقط، أمّا مراحل الإنشاء والمراقبة والوقود النووي والصيانة والتخلص من النفايات النووية وتفكيك المُنشأة عندما ينتهي أجلها العملي، فهي أمور مكلفة وباهظة جداً، إذ تشير التقديرات إلى أنّ تكلفة إنشاء محطة توليد نووية بسعة 1000 ميغاواط، تبلغ 4 مليار دولار على الأقل، عدا عن التكاليف الأخرى كما ذكرنا.
3- أن إنشاء وإدارة مفاعل نووي، يتطلب أيدي عاملة خبيرة وكفؤة، وقدرات بشرية على مستوى عال، يلزمها على أقل تقدير عقد ونصف من الزمان، لتدريبها، وهي أمور غير متوافرة حالياً في معظم الدول العربية.
4- أن هناك مخاطر كبيرة مصاحبة للطاقة النووية، أقلّها مشكلة التخلص من النفايات النووية، وأكبرها إمكانية حصول تسرّب إشعاعي. ومعظم الدول الخليجية، ومعها عدد من الدول العربية، لا تستطيع تحمّل حصول خطأ نووي أو تسرب إشعاعي، لصغر حجمها الجغرافي وقلّة عدد سكانها، وهو الأمر الذي يعني كارثة حقيقية في حال حصوله، فهل تستحق توليد الكهرباء كل هذه المخاطرة؟!
ولا يعني كلامنا أن نستغني عن الخيار النووي، خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا النووية والكفاءات العلمية والبشرية القادرة، ولكن يجب دراسة هذا الخيار بجدّية، واستعراض ما فيه من إيجابيات وسلبيات. كما يمكن أن توزّع الأدوار على جميع الدول العربية، كأن تقوم دول معينة بالتمويل، وأخرى بتدريب وتأهيل الكوادر العلمية والتقنية المتخصصة، وثالثة بتوفير اليورانيوم، ورابعة باستضافة وحماية المنشأة أو المنشآت النووية.
كاتب أردني مقيم في لبنان