جولة الصحافة\العدد الواحد الستون رجب 1429هـ
السياسة الإيرانية بين الخطاب والفعل
الأحد 6 يوليو 2008
أنظر ايضــاً...
السياسة الإيرانية بين الخطاب والفعل
د. أحمد عجاج - صحيفة المصريون 22/6/2008
 
يؤمن كثيرون في عالمنا العربي والإسلامي على نطاق أوسع بأن إيران هي دولة المواجهة الحقيقية مع العدو الإسرائيلي والاستكبار الأمريكي، وأنها تدفع لوحدها ثمن المواجهة بينما ترضى دول عربية وإسلامية أخرى بالتقاعس عن واجبها المقدس في الدفاع عن الأرض والدين. وقد عزز تلك القناعة في العقول بالذات سياسة الخطاب المتصاعد الذي أتقنته القيادة الإيرانية منذ بدء الثورة الإسلامية على يد الإمام الخميني، ورأت انه أداة فاعلة من أدوات السياسة الخارجية الإيرانية في مواجهة من يريد أن ينال من مصالح إيران أو أن يحد من طموحاتها الخارجية.
وبالفعل فإن للخطاب تأثير فاعل في تفعيل الجماهير وتثويرها، ولقد استطاع قادة كثيرون عبر التاريخ في حمل شعوبهم على الاستنفار وراءهم من خلال خطاب حماسي ناري ينمي الحواس الفطرية الغريزية على حساب العقل والتروي والتحليل والمنطق.
لقد استطاعت إيران بحق أن تتقن صناعة الخطاب لدرجة أن هذا الخطاب قد تحول إلى مكون رئيسي من مكونات الإستراتيجية الإيرانية في صراعها مع إسرائيل وأمريكا. وهذا الاستخدام للخطاب ليس بجديد على من يجلسون في مبنى الخارجية الإيرانية، لأن الراحل الشاه قد استخدمه أيضا في استراتيجيته الهادفة إلى السيطرة ليس فقط على منطقة الشرق الأوسط بل أيضا على المحيط الهندي بموافقة أمريكية ورضي إسرائيلي ضمني. فالشاه كان يطمح بأن تكون بلاده دولة عظمى وان تكون هي الحارس الأكبر في المنطقة الذي يضمن المصالح الأمريكية ولكن بالوقت ذاته توفر لإيران مبتغاها. لكن الشاه كان يدرك أن العامل الإسرائيلي كان عنصرا حساسا في استراتيجيته، فهو لا يريد إسرائيل أن تكون قريبة منه كثيرا لما قد تحمله من أضرار على الإستراتيجية، ولا يريدها بعيدة جدا عنه لما يجر ذلك من مخاطر على إيران التي تدرك أن العالم العربي مهما اقتربت منه لا يزال يشكل خطرا عليها، وبالذات العراق، الذي كان الشاه مهووسا به لدرجة انه كان مقتنعا أن العراق تحت حكم صدام يخطط لشن حرب على إيران في غضون خمس سنوات. وبالفعل فإن المراجع لفترة الشاه سيجد انه كان يلعب على خط إسرائيل فيصعِّد الخطاب ضدها ويطالبها كلاميا بقبول قرارات الأمم المتحدة، ويعمد بالوقت ذاته إلى إقامة علاقات سرية معها من اجل تطمينها بأنه لا يزال يرى فيها حليفا في مواجهة الخطر العربي. فالراحل الشاه كان يعرف أن لدى إسرائيل نظرية تدعى " الدول البعيدة" وتقوم على ضرورة إقامة تحالفات مع الدول البعيدة مثل تركيا وإيران والهند من اجل موازنة الخطر العربي القريب من إسرائيل.
رحل الشاه وجاء الخميني على رأس ثورة إسلامية غيرت الكثير من معالم الشرق الأوسط، وقلبت الكثير من الموازين، باستثناء قناعة إسرائيلية بأن إيران قد تلتزم بنظرية " الدول البعيدة" على اعتبار أن العرب يشكلون خطرا عليها وأنها قد تجد في إسرائيل حليفا ونصيرا. لكن إسرائيل اكتشفت أن الخميني لا يفكر بتلك النظرية ولكنه بالوقت ذاته لا يطمح لأن يضرب جذورها، ويحول بلاده إلى خطر حقيقي على إسرائيل. فالخميني كان يرى أن العالم الإسلامي اكبر وأهم من إسرائيل، وان تقاربه من تلك الدولة الإسرائيلية من شأنه أن يضعف نفوذه ويلطخ سمعة ثورته، فكان القرار التصعيد الخطابي الحماسي ضد الكيان الإسرائيلي من اجل ضمان تأييد العرب والمسلمين. كان الخميني يرى أن إيران ستغير العالم العربي والإسلامي وستتمكن من التحول إلى قوة عظمى يحسب لها حساب في المنطقة، وان الراية الإسلامية الشيعية ستكون هي المظلة التي ستجمع العالم الإسلامي؛ بعبارة أخرى، كان الخميني يطمح لأن يجعل من إيران خلافة عثمانية إنما بثوب إيراني شيعي. يقول الوزير هادي نجاد حسيني الذي كان وزيرا في حكومة رفسنجاني: " يجب أن نكون القوة الأكبر في المنطقة ونلعب دورنا وفق ذلك؛ نحن لدينا الإمكانية ويجب أن نحقق ذلك على ارض الواقع".
هذا الطموح الإيراني كان من مستلزماته تصعيد الخطاب الحماسي ضد إسرائيل، لأن التجارب أثبتت انه كلما اشتد الخطاب حدة كلما زاد التأييد في الشارع العربي والإسلامي. لكن الخميني اكتشف مؤخرا أن الخطاب لا يكفي وحده لتحقيق المكاسب بل لا بد من فعل يصدقه فكانت مرارته الشديدة بعد حرب السنوات الثمان، واكتشافه أن الشارعين العربي والإسلامي لم يثورا ضد الحكام لا بل أيدا صدام حسين في حربه، وكانت النهاية أن قبل الخميني وقف الحرب وقال آنذاك عبارته الشهيرة: "إن تجرع السم أهون عليه من قبول وقف الحرب مع العراق".
لم يستطع الخميني أن يحقق ما يريد ولكنه استطاع أن يحدد لمن يخلفه معالم إستراتيجية كان قد طبقها الشاه وطبقها نظامه وإن ببراعة اكبر، ومهارة لا تنكر. هذه الإستراتيجية تقوم على مضلعين: خطاب حماسي ضد إسرائيل وتفاهم ضمني معها لتحقيق تقارب أمريكي وضمان مصالح الشعب الإيراني. لقد أدرك الساسة الإيرانيون انه من الصعب عليهم لعب دور المهيمن في المنطقة من دون مباركة أمريكية، ولا يمكن أن تتحقق تلك المباركة إلا برغبة إسرائيلية.
حاولت إيران أن تبقى على اتصالات سرية مع إسرائيل مباشرة وغير مباشرة لا من اجل توثيق التعاون معها بل من اجل الحصول على ما تحتاجه إيران من أسلحة ومن اجل فتح قنوات مع الأمريكان. فإسرائيل كانت تعرف من خلال تلك القنوات أن الخطاب المتصاعد ضدها من إيران ليس إلا خطابا كلاميا وأنها لا تنوي البتة إلحاق الضرر أو الأذى بإسرائيل، وأنها رغم الخطاب تابعت الحوار والتجارة غير المباشرة مع تلك الدولة التي تحاول تدميرها خطابيا. فقد زار في بداية الثماننيات وفي عز الثورة الإيرانية السيد احمد كشاني وهو النجل الأصغر لآية الله أبو القاسم كشاني إسرائيل من اجل بحث شراء أسلحة والتعاون من اجل تدمير المفاعل النووي العراقي . وقد ذهب كشاني تحت غطاء انه مواطن عادي لكنه استطاع أن يحصل من رئيس وزراء إسرائيل بيغن على ما يريد من أسلحة وبالذات إطارات لطائرات الفانتوم وذلك رغم الحظر الأمريكي على تصدير أسلحة لإيران، مما أدى إلى وقوع أزمة بين إسرائيل وإدارة الرئيس كارتر. وبالطبع، فقد كافأ الخميني إسرائيل بالسماح لآلاف من اليهود أن يغادروا إيران عبر باكستان إلى إسرائيل . علاوة على ذلك، عندما طلب احد المقربين من الخميني رأيه في شراء أسلحة مصدرها إسرائيل كان جواب الخميني: هل من الضروري مناقشة هذا الموضوع عند الشراء فكان الجواب بالطبع لا. عندها رد الخميني بعبارة حاسمة " إذن، لا يهمني البتة مصدرها".
هذا لا يعني البتة أن إيران تريد تعاونا وتقاربا وثيقا مع إسرائيل لا بل على العكس تماما فإيران تدرك أن أي تقارب مع إسرائيل سيسبب لها الكثير من المشاكل، لكنها دولة براغماتية تجعل من المصلحة معيارا لتعاونها وإن تناقضت مع المبادئ والشعارات. فإيران مؤخرا ساعدت أمريكا في أفغانستان ودربت ومولت عشرين ألف جندي من تحالف الشمال ليكونوا في خدمة أمريكا ضد طالبان، وفتحت الأجواء ضد العراق ولم تستجب لطلبات المساعدة التي أرسلتها القيادة العراقية، بل كانت تتصرف وفق المصلحة الإيرانية البحتة وليس وفق المبادئ والشعار. ثمة كثير من الأمثلة التي تدل على أن إيران تفرق بين سياسة الخطاب وسياسة الفعل وأنها تطمح من خلال تلك الإستراتيجية إلى التوغل في العالم العربي والإسلامي من دون أية أكلاف تدفعها. فعندما يتحدث الرئيس الإيراني احمدي نجاد عن تدمير إسرائيل، ويقعد ساكنا عندما يضرب لبنان ويقصف المفاعل النووي السوري كما يزعم، ولا يطلق صاروخا لحماية حركة حماس التي تتعرض لأسوأ مجزرة، يؤكد بفاعلية إستراتيجية الشعار. وثمة مثل شائع في إيران يدلل على هذه الإستراتيجية ومفاده انه بناء على أوامر من السيد علي خامئني دعم الانتفاضة الفلسطينية في فلسطين تعاني إيران من نقص من الحجارة.
إيران دولة هامة ولا احد ينكر ذلك ولكنها دولة تطمح بأن تكون القوة العظمى في المنطقة التي تقدر على فرض الشروط والأوامر ومن دون أن تحمل للعرب والمسلمين أية منافع لا في فلسطين ولا في غيرها. فما قدمته إيران للعرب والمسلمين خطاب تدميري ضد إسرائيل ومساعدة فعلية لأمريكا في احتلال ارض المسلمين في أفغانستان والعراق ودعم موتور لمليشيات شيعية تضرب أعناق المسلمين في العراق، ولمقاومة في جنوب لبنان تحولت أخيرا لسلاح يضرب المسلمين في بيوتهم الآمنة؛ ومع ذلك ثمة من يقول إن إيران دولة مساندة للعرب والمسلمين.

 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: