جولة الصحافة\العدد الواحد الستون رجب 1429هـ
العنف يرتد على طهران
الأحد 6 يوليو 2008
أنظر ايضــاً...
 العنف يرتد على طهران
سامي شورش - الغد 28/6/2008
 
ليس مفيداً لأحد أن يهتز البنيان الداخلي لإيران بفعل انفجار تنوعها القومي والديني والطائفي، أو بفعل تزايد وتيرة لجوء بعض من معارضيها السياسيين إلى العمليات الإرهابية. فإيران، في واقعها الجيوسياسي والتاريخي، دولة تتمتع بأهمية ملحوظة في موازين السياسة والاقتصاد في الشرق الأوسط. وهي، إلى ذلك، إحدى أكثر دول المنطقة ترامياً في مساحتها وعمقها الحضاري.
وما يزيدها أهمية أنها تمتد جغرافياً على طول الطرف الشرقي لمياه الخليج ومضيق هرمز.
 وتلتقي شمالاً مع بحر قزوين ودول آسيا الوسطى وتركيا. كما أنها تتصل بأخطر بؤر التوتر في المنطقة وأكثرها التهاباً: العراق وأفغانستان وباكستان.
لكل هذا، يصح القول إن صراعات إيران مع الخارج الأميركي والأوروبي وتخلخلات السياسة في نسيجها الداخلي، يمكن أن تفضيا إلى محصلتين اثنتين: الأولى، أن تحضّا على اتساع موجة الأعمال الإرهابية الداخلية التي تتعرض لها إيران. والثانية، أن تعكسا تأثيرات أمنية وسياسية واقتصادية على الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها.
مع هذا كلَه، ظلت إيران طوال العقود الثلاثة الماضية لا تأبه بخطورة دعم بعض مؤسساتها السرية للمنظمات الإرهابية الناشطة في العراق وأفغانستان ومناطق كثيرة أخرى. كذلك لا تأخذ في الحسبان إمكانية ارتداد الإرهاب إلى داخلها المتخلخل في النواحي الاقتصادية والسياسية والمذهبية والقومية. وما زاد من درجة تجاهلها لهذه التعقيدات أنها تصورت أن تشجيع الإرهاب سيفيدها في صراعاتها السياسية مع جوارها الإقليمي ودول كبرى كالولايات المتحدة. لكنها لم تحسب أن الفائدة تظل مؤقتة وقصيرة الأمد، بل وخادعة أيضاً. ففي المدى الأطول يمكن لها أن تؤسس لتقليد إرهابي في المنطقة كلها بما فيها إيران نفسها، يستمد مشروعيته من مبررات واهية مؤداها أن دعمها للعنف والإرهاب في الشرق الأوسط لا يأتي إلا رداً على مؤامرات أميركية ضدها.
استطراداً، أصبحت إيران خلال الأعوام القليلة الماضية عرضة لما يمكن وصفه بالإرهاب المعاكس أو المضاد. فجماعات المعارضة التي دأبت في السابق على انتهاج الوسائل السياسية والثقافية، بل وحتى المسلحة المشروعة لمواجهة الحكومة الإيرانية، أصبحت في حالة تراجع لافت لصالح جماعات سرية صغيرة، دينية وقومية متطرفة، تنتهج الإرهاب أسلوباً في مواجهة الحكومة. في هذا المنحى، تصح الإشارة إلى حالات عدة:
في الجبال القريبة من حدود إيران الغربية تنشط مجموعات قتالية يربو عديد مقاتليها على ألف شخص. وتتخذ هذه المجموعات التي تعرف باسم حزب الإحياء الكردي، جبال قنديل الوعرة قاعدة لنشاطاتها المسلحة ضد مدن إيران الحدودية. صحيح، أن هذا الحزب يتبنى طروحات قومية كردية، لكنها تنتهج، في الوقت عينه، أساليب عنفية في مواجهتها للحكومة الإيرانية. يشار إلى أن عدداً من الأحزاب والمنظمات القومية كانت ناشطة بين الأكراد طوال نصف القرن الماضي. لكن استمرار طهران على نبذها ومحاربتها، أدى إلى انفضاض الأكراد عنها والتفافهم حول طروحات العنف لدى حزب الإحياء الذي تم تأسيسه قبل نحو ثلاث سنوات. يشار إلى أن الإحياء يشتهر بتعاونه الوثيق مع حزب العمال الكردستاني المعارض للدولة التركية، ما يدفع بأنقرة وطهران في كثير من الحالات إلى التنسيق العسكري والأمني لمواجهة الحزبين. آخر تجليات هذا التعاون تمثل في قيام إيران بقصف مدفعي لمواقع الحزبين في جبال قنديل، تزامناً مع قيام طائرات تركية بقصف المواقع نفسها.
مصادر كردية عدة أكدت أن مقاتلي حزب الأحياء شرعوا في الآونة الأخيرة بقصف بعض المواقع المدنية الإيرانية رداً على أعمال العنف التي يتعرضون لها.
عدا الحالة الكردية، نشطت في مدن بلوجستان في الجزء الجنوبي من إيران، خصوصاً في مدينتي كرمان وزاهدان(السنيتين)، حركة سياسية واسعة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. لكن تجاهل طهران لمطالب سكان هذه المناطق أدى إلى نشوء منظمات بلوجية إرهابية في مقدمتها منظمة جند الله المدعومة من أوساط دينية باكستانية وأفغانية عام 2002. عدا جند الله تنشط في المنطقة نفسها جماعات إرهابية أخرى. يشار إلى أن جند الله أقدمت في الأسبوع الماضي على قتل رهينتين من أفراد الشرطة الإيرانية كانت أسرتهما في عملية خطف.
أما في الشمال الغربي من إيران فتعمل مجموعات قومية آذربيجانية ضد النظام الديني الإيراني. ورغم أن الآذريين يشتركون مع النظام (الشيعي) في المذهب، إلا أنهم يرون أن النظام الراهن يرفض خصالهم القومية ويحاول فرض طابع فارسي على ثقافتهم المحلية. يشار إلى أن المجموعات الآذرية لم تلجأ، على الأقل حتى الآن، إلى الإرهاب، بل حرصت على تركيز نشاطاتها على الموضوعين السياسي والثقافي. إلا أن استمرار النظام على تجاهل مطالبها قد يدفع بها إلى التراجع السياسي وإخلاء الساحة لصالح منظمات تنتهج العنف والإرهاب. وما يمكن أن يساعد في هذا الاتجاه أن توجهات الحركة القومية الآدرية في إيران تتخذ في الغالب طابعاً قومياً متزمتاً وانعزالياً.
كذلك الحال في الجزء الجنوبي الغربي من إيران حيث تعمل أحزاب وقوى قومية عربية في مدن الأهواز وعبادان. ورغم أنها لا تتجاوز في مطالبها تحسين شروط حياتها الثقافية والاقتصادية ووقف عمليات طرد السكان العرب من مناطقهم الأصلية، إلا أن تمسك طهران بسياسة تجاهل مطالبها والاستمرار في قمع العرب الإيرانيين، كثيراً ما دفعا إلى لجوء بعض المنظمات السرية العربية في إيران إلى عمليات تفجير إرهابية استهدفت المنشآت المدنية والاقتصادية والسكان المدنيين. إلى ذلك، هناك في الشمال الشرقي تذمر لافت بين سكان تركمانستان الجنوبية (الإيرانية) خصوصاً بين الشباب المتخم بروح التمسك بالدين. وما يعمق من حالة الحساسية في هذا المجال أن السكان التركمان، البالغ تعدادهم نحو ثلاثة ملايين نسمة، يشعرون بفجوة كبيرة بينهم وبين النظام الحاكم نظراً لانتمائهم إلى المذهب السني.
فوق هذا وذاك، هناك منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة التي تضم تنويعاً من مختلف الانتماءات الدينية والمذهبية والقومية. جدير ذكره أن هذه المنظمة استخدمت الأساليب الإرهابية ضد حكومة طهران منذ السنوات الأولى للحرب العراقية الإيرانية في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. ورغم أن الأميركيين يحكمون السيطرة على نشاطات هذه المنظمة في العراق ويمنعونها من امتلاك الأسلحة والمعدات الهجومية، إلا أن أوساطاً عراقية عدة أخذت تدعو، في الفترة الأخيرة، إلى إطلاق حرية النشاط أمامها بهدف موازنة تدخلات إيران في الشأن العراقي ودعمها لميليشيات ومجموعات إرهابية. مراقبون عراقيون لا يستبعدون أن تضطر أميركا والدول الغربية إلى إعادة دعم مجاهدي خلق بغية خلق مشكلات إضافية للحكم الإيراني خصوصاً بعد أن قررت محاكم أوروبية عدة، آخرها البريطانية، شطب اسم المنظمة من قائمة المنظمات الإرهابية.
خلاصة القول أن سياسة طهران الخاصة بدعم الإرهاب في الشرق الأوسط في إطار صراعاتها مع الولايات المتحدة والدول المعتدلة في المنطقة، أصبحت تشكل مصدراً لارتداد هذا الإرهاب الدموي إلى داخل نسيجها الذاتي. والأرجح أن إيران ستخسر، في حال تفاقم هذه الحالة، كلّ ما كسبته جراء استخدامها الإرهاب ضد أعدائها. وهذا، في محصلته النهائية، يشكل ضربة جديدة للأمن والاستقرار لا في إيران فحسب، بل في عموم الشرق الأوسط ومنطقة الخليج أيضاً.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: