جولة الصحافة\العدد الواحد الستون رجب 1429هـ
السياسة في إيران.. قمة الفساد
الأحد 6 يوليو 2008
السياسة في إيران.. قمة الفساد
محمد باقر قاليباف ( رئيس بلدية طهران )
ترجمة يوسف عزيزي - العرب القطرية 11/6/2008
 
وصفتُ عدة مرات الأجواءَ المهيمنة على السياسة في إيران بأنها «بالوعة» أوساخ قذرة. وقد انتقدني بعض الأصدقاء قائلين إن هذه التعابير حادة نوعا ما، وكان من الأفضل التحدث بلغة أكثر نعومة. ولأسباب عديدة لم أقبل أن أقوم بالتستر بألفاظ صحية على ما يحدث حقيقة على الساحة السياسية الإيرانية، ولا يمكن أن أجامل في هذا الموضوع.
فلا يمكن معالجة المشاكل بتصغيرها، لاسيما في مجال القيم والأخلاق، ولا نستطيع أن ننكر الحقائق بالمجاملة أو التفاؤل البعيد عن الواقع. ولحل المشكلات يجب أن نعترف بما هو موجود، وهذه هي الخطوة الأولى لحلها.
لم أصب بخيبة أمل إزاء إصلاح الأمور في البلاد، ولا أؤمن بالنظرة التشاؤمية تجاه الحقائق مهما كانت مُرة، وأعتبر الرجاء واجبا أخلاقيا، كما أعتبر السعي من أجل بث الأمل والبهجة بين الناس واجبا ملقى على عاتق المسؤولين في السلطة وجميع المثقفين والحريصين على شؤون البلاد. لكن إنكار الحقائق المُرة لا يتطابق وبث الأمل بين الناس، إذ إننا نصنع الأمل بحل المشكلات عندما نعترف بوجود هذه المشكلات.
لقد كانت ثورتنا تنوي أن تطرح مشروعا جديدا للسياسة يترافق والأخلاق والمعنويات وينسجم معهما. وأنا أسأل: ألم يكن التجاور بين الأخلاق والسياسة هو الذي يميز ثورتنا ونظامنا عن الآخرين؟ فقد قطعت الثورة وعودا للتنمية والتطور والازدهار في كافة أبعاد حياة أبناء المجتمع الإيراني، وكانت تزعم أنها ستهتم -إلى جانب تلك الأبعاد- بالشؤون الروحية والمعنوية للإنسان أيضا. وفي الواقع، فإن الأبعاد المادية للحياة ستكتمل بالمعنويات والأخلاق. فقد حققت المجتمعات الأخرى التنمية قبلنا وأفضل منا، لكننا كنا ننتقدهم لأنهم تركوا الأخلاق من أجل التنمية. وقد استهجنا السياسة والمجتمع الفاقدين للأخلاق، وبشّرنا بنظام سياسي يقام على أسس أخلاقية. فهل نستطيع حاليا أن نزعم أننا حققنا هذا الهدف والطموح الكبيرين؟ ألم تمتزج سياستنا بأنواع الخدع والمكائد، وعدم الصدق، والتخلي عن المسؤولية، وتوجيه التهم، والافتراء والرياء، والنزعة السلطوية؟
فقد كنا نزعم أننا نطمح إلى السلطة من أجل نشر القيم الإنسانية والأخلاقية. الآن أيضا ندّعي نفس الشيء، لكننا نهمل التقوى من أجل الوصول إلى السلطة. فقد كان ميكيافيلي –مؤسس السياسة الجديدة في الغرب– يسمح للساسة أن يهملوا الأخلاق ويكذبوا ويستغلوا أية وسيلة لنيل الهدف. لكننا يجب أن ننتبه إلى أن الهدف الذي كان يرسمه ميكيافيلي للساسة هو الوحدة والاقتدار الوطنيين وتمتين أسس الدولة.
فقد قطعنا الوعود للناس بأننا سنحقق الوحدة والاقتدار والمصالح الوطنية، بالترافق مع الأخلاق والصدق والسلامة والنزاهة. واستقطبت وعودنا قلوب الكثيرين، إذ شعر الجميع بأنهم سيشهدون حدثا تاريخيا هاما.
يكذب حاليا ساستنا، ويوجهون التهم، ويريقون ماء وجه الآخرين، ولا يتحملون المسؤوليات. فهم لا يرتكبون كل هذه المساوئ من أجل المصالح الوطنية، بل يهملون الأخلاق من أجل المصالح الشخصية والفئوية.
نحن نزعم أنه بما أن هدفنا هو إقامة العدل وإصلاح أمور البشر -وهذا هدف مقدس- فمن أجل تحقق هذا الهدف السامي نستطيع أن نريق ماء وجه الآخرين، ونوجه إليهم التهم والافتراءات. وبما أننا نهدف إلى إصلاح شؤون البلاد وسعادة الجماهير، فنحن نحتاج إلى أصوات هذه الجماهير، ولذلك نستطيع أن نقطع لهم الوعود الكاذبة. وبما أن تطور البلاد ونشر القيم الأخلاقية رهينان بتواصل سلطتنا، فيحق لنا ألا نتحمل مسؤولية البعض من أدائنا ونعزوه إلى الآخرين.
في الواقع، بما أن أهدافنا سامية، فيمكن تبرير الوسيلة أيما كانت. وهذه ليست إلا الأساس لنظرية ميكيافيلي، ولا أريد أن أدخل هنا في المواضيع الفلسفية. كما أنني أفهم الفرق بين ميزات المجال السياسي وسائر المجالات، وأعلم أن الساحة السياسية تختلف عن سائر المجالات الأخرى، وتتطلب مميزات وحيثيات وأساليب سلوكية خاصة بها. لكنني لا أعترف بتبرير الكذب وتوجيه التهم والفئوية والتخلي عن المسؤولية.
إن السياسة التي لا تُشفع بالأخلاق هي التي يقولون عنها في مجتمعنا أنه ليس لها أب وأم. فهي تلك السياسة التي تركها الإمام الراحل آية الله الخميني لأهلها، وأسّس لسياسة مشفوعة بالأخلاق، ووصف السياسة الفاقدة للأخلاق بالألاعيب السياسية.
فعندما يقطع سياسيٌ ما وعودا للشعب دون أن يملك برنامجا لتحقيقها، أو يعرف الطرق المؤدية إلى تطبيقها، فهو يقوم بعمل غير أخلاقي.
فالسياسي الذي يتحدث اليوم هنا بشكل وينفيه غدا في مكان آخر يهمل الأخلاق بذلك، والمدير الذي لا يتحمل مسؤولية دائرته ومؤسسته يرتكب عملا غير أخلاقي. والمسؤول الذي لم يصغِ لنصائح الناصحين الحريصين والخبراء في دائرة عمله، لم يشفع سلوكه بالأخلاق. إنني أستطيع أن أستمر في هذه القائمة، وينبغي أن أستمر فيها، إذ يجب أن تصبح السياسة أمرا موضوعيا، ولا ينبغي أن تطرح الآراء حول مسايرة الأخلاق والسياسة بصورة عامة وفلسفية وذهنية.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: