جولة الصحافة\العدد الواحد الستون رجب 1429هـ
الخليج بين السياسة والارتباك أمام إيران
الأحد 6 يوليو 2008
الخليج بين السياسة والارتباك أمام إيران
خالد الدخيل - الاتحاد الإماراتية   10/6/2008
تبدو السياسة الخارجية لدول مجلس تعاون الخليج العربي في حالة ارتباك. برزت مؤشرات مختلفة على ذلك. منها ما برز أثناء أزمة القمة العربية في دمشق، مارس الماضي، حيث بدا أن هذه الدول غير منسجمة في مواقفها تجاه إشكالية حضور القمة التي فرضت نفسها آنذاك. بعض هذه الدول تمثل برئيس الدولة، والبعض الآخر تمثل بما هو أدنى من ذلك بكثير. تمثلت السعودية مثلاً بمندوبها لدى الجامعة، في حين أن الإمارات والكويت وقطر تمثلت برئيس الدولة.
من الممكن أن يؤخذ الأمر على أنه اختلاف عادي، لولا أن أزمة القمة تعود في أحد أسبابها الرئيسية إلى الخلاف السعودي السوري، والسعودية عضو في تكتل مجلس التعاون. ومع ذلك يمكن القول إن اختلاف التمثيل هنا لا يعكس خلافات بين دول المجلس، بقدر ما يعكس طبيعة العلاقة بين هذه الدول، وكونها علاقة توفر لأعضاء المجلس حرية الحركة في سياساتها الخارجية بما يخدم في الأخير مصالح الجميع. فليس من المصلحة العربية، ولا من مصلحة الخليج أن تصطف كل دول المجلس مع السعودية في مواجهة سوريا، وهي في الأخير دولة عربية. بقاء خطوط التواصل بين دول المجلس ودمشق يساهم في تخفيف حدة الخلاف، ويفتح قنوات للحوار، ولتقديم خيارات أفضل. هل تسير الأمور في هذا الاتجاه حقاً؟
بعد ذلك انفجرت الأزمة اللبنانية على خلفية الهجوم العسكري الذي نفذه "حزب الله" في بيروت والجبل. الأزمة اللبنانية أحد أهم مواضيع الخلاف السعودي السوري. مرة أخرى تصرفت دول مجلس التعاون بطريقة تعكس ما يبدو أنه اختلاف في الرؤية، وربما اختلاف في التقدير، أو غير ذلك. هل ينطبق المبرر ذاته الذي قيل في حالة حضور القمة على هذه الحالة أيضاً؟ من الناحية النظرية هذا وارد دائماً.
من ناحيته، حرص الرئيس السوري بعد اتفاق الدوحة الذي جمد انفجار الأزمة اللبنانية، على الاستفادة من هذه المساحة في العلاقات الخليجية. قام بزيارة الإمارات والكويت، وحصل في نهايتها على مساعدات اقتصادية من كلا الدولتين. كيف يمكن تناول هذه الزيارة في إطار حديثنا هنا؟ ربما أراد الرئيس السوري إثبات أن سوريا لا تعاني من عزلة عربية، وربما أراد توظيف المساحة الموجودة في العلاقات الخليجية لممارسة شيء من الضغط على السعودية.أيضاً ربما رأت القيادة السورية أن الطريق الأفضل للوصول إلى السعودية هو عبْر حلفائها الأكثر قرباً منها في المنطقة.
ذهاب سوريا بعيداً في تحالفها مع طهران، وتبعات ذلك السياسية والطائفية على المنطقة، يتطلب موقفاً واضحاً تجاه دمشق. لكن الدول الخليجية التي زارها الأسد ربما أبلغته هذا الموقف تحديداً! جاءت الأخبار بأن أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد، بعث بعد انتهاء زيارة الرئيس بشار برسالة لكل من العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس المصري حسني مبارك. هذا يعني أن الكويت تلعب دوراً ما لحلحلة الخلافات العربية- العربية. ربما أرادت سوريا أن توصل من خلال الكويت رسالة للرياض والقاهرة، وبشكل خاص الرياض. وربما كانت الكويت هي من بادر بلعب دور الوسيط هنا. هذا عدا عن المواضيع التي بقيت طي الكتمان حتى الآن.
هناك زاوية أخرى يمكن النظر من خلالها إلى زيارة الرئيس السوري للخليج، وهي لا تتناقض بالضرورة مع الزاوية السابقة. أعني بذلك زاوية الملف النووي الإيراني وتقاطعه الواضح مع الأزمة اللبنانية، ومع الخلاف السعودي-السوري، وما يفرضه من احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية وإسرائيلية لإيران. احتمال الضربة العسكرية يمثل الهاجس الأكبر والأخطر لمنطقة الخليج العربي. مهما قيل عن مبررات فتح الأبواب الخليجية للرئيس السوري، وهي مبررات قد تكون وجيهة، إلا أنه لا يمكن النظر إلى هذا الموضوع بمعزل عن إيران، وعن جملة المخاطر التي ينطوي عليها ملفها النووي على الخليج، بما في ذلك احتمال الضربة العسكرية. حالياً إيران هي الطرف الأقوى في المنطقة، ليس بالضرورة نتيجة لإمكاناتها وقدراتها العسكرية، بل نتيجة لحالة الضعف التي تلم بالأطراف العربية. سوريا، باعتبارها أحد الأطراف العربية الضعيفة، هي حليف إيران الوحيد بين دول المنطقة، وأصبحت مؤخراً نقطة ارتكاز للنفوذ الإيراني في منطقة الشام. انطلاقاً من ذلك يبرز سؤال: هل فتح الأبواب الخليجية هنا هو رسالة موجهة لدمشق أم لطهران؟ بعبارة أخرى، ربما أرادت دول الخليج بالانفتاح على دمشق طمأنة طهران عن نواياها، وأنها تؤيد الحلول السلمية لملفها النووي، وبالتالي فهي ليست طرفاً في أية مواجهة محتملة بينها وبين الغرب. كل المعطيات وغيرها توحي بحالة ارتباك في مواقف دول الخليج العربي. هي ترفض النفوذ الإيراني، وتتوجس من الطموح النووي الإيراني. والأرجح أنها لا تؤيد ما وصلت إليه علاقة التحالف بين طهران ودمشق، وتتخوف من الآثار السلبية لذلك عليها، خاصة لجهة تأزيم العلاقات الطائفية في مجتمعاتها. لكنها في الوقت نفسه تعطي أكثر من مؤشر على أنها لا تملك الشيء الكثير إزاء كل ذلك. تحاول أن تمسك بالعصا من وسطها، لعل وعسى. وأكثر من عبّر عن حالة الارتباك الخليجي هو ما قاله الشيخ ناصر الصباح، الوزير السابق، وسفير الكويت سابقاً لدى واشنطن، في حديثه الأحد الماضي لصحيفة "القبس" الكويتية. يقول الشيخ ناصر: "الوضع في المنطقة يتلخص في عنصر واحد: ما هي نوايا إيران في المنطقة؟ الملف النووي الإيراني هو الشيء الوحيد الذي يقلقنا في منطقة الخليج". ثم يعبر ناصر الصباح عن حالة الارتباك الخليجية أبلغ تعبير بقوله: "مشكلتنا الأساسية أننا الخاسرون في الحالتين. إن جاءت المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران عسكرياً فنحن الخاسرون في المنطقة. وإن تركت إيران بهذا الشكل وحصلت على القدرة النووية العسكرية فنحن الخاسرون أيضاً. ولا أرى مخرجاً لهذه الأزمة". ما يقلق الشيخ ناصر، كما يقول، هو "أن حصول إيران على السلاح النووي يعني أن سيادة الخليج بأكملها ستكون من الماضي، وستفقد (دول الخليج) أي قرار سيادي وقد تملي علينا".
لأول مرة يخرج مسؤول خليجي من داخل الأسر الحاكمة ويتحدث بمثل هذا الوضوح والجرأة. لكن فات الشيخ ناصر الإشارة وبدرجة من الوضوح والشفافية نفسها إلى أن مصدر حيرة دول الخليج في هذه المرحلة الحرجة هو السياسة الأمنية التي تصر عليها دول مجلس التعاون، وهي السياسة التي أخرجت هذه الدول قبل الثورة الإيرانية، وقبل الطموح النووي الإيراني، من معادلة توازنات القوة في المنطقة، وجعلها بالتالي تحت رحمة خيارات الأقوياء الآخرين، سواء من الدول المجاورة أو الدول الكبرى.
في السابق كان الخوف من العراق، والحيرة أمام مغامراته. والآن الخوف من إيران، والحيرة أمام طموحاتها النووية. وفي كل الحالات لا يملك الخليجيون إلا الحيرة. والنتيجة سياسة خارجية تجمع بين مسايرة الآخرين، ودبلوماسية الدولار، ثم البحث عن مبررات تحت مسمى الواقعية، وضرورة التعايش مع الواقع. ويتناسى الخليجيون أنهم ساهموا بسياساتهم الأمنية في فرض هذا الواقع الذي يرغمهم على التعايش معه.
الوضع العربي بشكل عام يقدم نموذجاً عملياً على حالة ارتباك الدولة في اللحظات الحرجة، ودول مجلس التعاون الخليجي تقدم نموذج النموذج لهذه الحالة. والسبب: أن الاتفاقيات الأمنية لبعض هذه الدول مع دول أجنبية، مثل بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة، أقوى وأكثر شمولية وأهمية من الاتفاقيات الأمنية التي تربط فيما بينها. لعل عامل الثقة هو السبب في ذلك. السياسة الخارجية لدول المجلس ليست منسجمة في أحسن الأحوال، ومتناقضة في أسوئها.
بعبارة أخرى، لا تتصرف دول المجلس في سياساتها الخارجية كتكتل اقتصادي سياسي مصالحه مشتركة وأهدافه موحدة. القدرات الدفاعية لدول المجلس لا تتناسب على الإطلاق مع الحجم الجغرافي لدول المجلس، ولا مع قدراتها الاقتصادية والبشرية، ولا مع حجمها وأهميتها الاقتصادية إقليمياً ودولياً، ولا مع موقعها الجيوستراتيجي في المنطقة. لماذا لا تكون السياسة الخليجية مرتبكة؟
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: