إيران تطالب بتعيين وزير شيعي لـ "العتبات المقدسة" في مصر
القاهرة 6/2/2007
كان ناصر حمودي أحد أقطاب الشيعة في إيران قد أشار في مقاله المنشور في مجلة الحكومة الإسلامية والتي تصدر باللغتين الإنجليزية والفارسية إلى تخوف العالم الشيعي على الأضرحة التي تحوي آل البيت والتي اسماها "العتبات المقدسة" مشيرا إلى أن بعض السنة المصريين أشاعوا قبل ذلك أن هذه الأضرحة خالية وأن مجرد الطواف حولها وزيارتها يعتبر كفرا وبالتالي فإن من حق الشيعة حماية هذه الأماكن.
وأكد حمودي أن عدد من رجال الشيعة في العالم ينوون إقامة دعوى قضائية في مجلس الأمن ضد الحكومة المصرية لمطالبتها بتمكين العلماء الشيعة من الإشراف على هذه العتبات.
وتساءل حمودي إذا كانت الحكومة المصرية حسنة النية تجاه الشيعة فلماذا لا تقوم بتعيين وزير شيعي تكون مهمته الحفاظ على الآثار الشيعية وحمايتها؟
تجدر الإشارة إلى أن أكثر من مائة رجل دين شيعي من باكستان وإيران والعراق قد أعلنوا عن عزمهم إقامة دعوى قضائية ضد الحكومة المصرية في مجلس الأمن يطالبون فيها بأحقيتهم في رعاية ما يطلقون عليه العتبات المقدسة ويأتي هذا الإعلان في رد فعل لقيام الحكومة المصرية برفض تنظيم مهرجان العتبات المقدسة والذي كان ينوي الشيعة تنظيمه لمصر بغرض زيارة هذه الأماكن.
وقد جاء هذا الرفض ليثير الشيعة في العالم وهذا ما عبرت عنه الصحف الباكستانية والإيرانية على وجه الخصوص فقد أكدت صحيفة همشري الإيرانية أن مصر ترفض حتى الآن حج الشيعة إلى "العتبات المقدسة" في مصر على الرغم من العائد المادي الكبير الذي سيعود بملايين الدولارات على الاقتصاد المصري وهو الأمر الذي اعتبرته الجريدة أكبر دليل على عداء المصريين للشيعة.
أما صحيفة "نوايا وقت" الباكستانية فقد أشارت إلى أن هذا الرفض يؤكد عداء مصر للشيعة وأنها تبث الكراهية للمذهب الشيعي بين المصريين.
تواجد شيعي
والمعروف هذا المطلب الذي احتوته مجلة الحكومة الإسلامية سبقه تواجد شيعي في مضمار الآثار الإسلامية بمصر منذ بداية الثمانينات حتى الآن وهو ما تجلى في قيام البهرة على وجه الخصوص بترميم كثير من الآثار الفاطمية وكما يقول د. أحمد الزيات أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة طنطا فإن البهرة تقدموا في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي يطلب للحكومة المصرية لترميم بعض آثار آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك بعض المساجد الفاطمية مثل مسجد الحاكم بأمر الله حيث كانت حالته قد وصلت في ذلك الوقت إلى حالة معمارية سيئة كما كان قد سرق منه أيضا كثير من أعمدته وأروقته وبوائكه وتحول إلى مكان مهجور كما كان بداخله مدرسة السلحدار الابتدائية ومخزن للبصل والثوم ولليمون وكان مرتعا للدواب بسبب قربه من سوق البصل.
وقد قامت الحكومة المصرية حينئذ كما يضيف الزيات بدراسة المشروع الذي عرضته طائفة البهرة لترميم المسجد على نفقتها الخاصة تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار وبالفعل وافقت الحكومة وقام البهرة بترميم المسجد على مرحلتين الأولى شملت إزالة الإشغالات داخل المسجد مثل المخزن والمدرسة وفي سبيل ذلك اشتروا قطعة أرض بمنطقة الجمالية وبنو فيها مدرسة بديلة في المرحلة الثانية قاموا بترميم المسجد تحت إشراف المجلس حيث جلبوا العديد من الخامات غير الموجودة بمصر من الخارج مثل خشب التاج الهندي والفضة التي كانت تزين الأبواب.
اللؤلؤة والجيوشي
كما قام البهرة أيضا والكلام للزيات بترميم مسجد اللؤلؤة بالمقطم عام 1989 وكذلك مسجد الجيوشي بدر الدين الجمالي بنفس المنطقة ما قاموا بتصميم عدة مقاصير في بعض المساجد خاصة مساجد آل البيت مثل مسجدي السيدة زينب والحسين بالإضافة لمسجد الأقمر.
ويضيف الزيات في مسجد الحسين أيضا قام البهرة بعمل باب سميك من زجاج السكريت بغرفة المخلفات النبوية التي تحتوي على جزء من قميص الرسول صلى الله عليه وسلم كانت السيدة ماريا القبطية أعطته له كهدية من المقوقس حاكم مصر وكذلك العصا التي كان يتكئ عليها والمكحل وبعض شعيرات من جسده الشريف وقد كان من السهل في البداية كسر هذا الباب إلى أن قام البهرة بتصميمه من جديد بشكل لا يمكن اختراقه أو كسره كما قاموا بإضافة مجموعة من اللآلئ والأحجار الكريمة للباب وكان ذلك عام 1988.
ظروف سياسية
مصدر مسئول بالمجلس الأعلى للآثار أكد أن الظروف السياسية التي عاشتها مصر في بداية الثمانينيات خاصة بعد المقاطعة العربية لمصر إبان اتفاقية السلام ودعوة السادات إلى الوحدة الإسلامية بديلا عن الوحدة العربية كانت من بين الأسباب التي سهلت للبهرة الاتجاه إلى ترميم الآثار الفاطمية وبعض آثار آل البيت ثم اتجه البهرة بعد ذلك إلى تطبيق نظام لكفالة وهو نوع من المشاركة بينهم وبين أصحاب المجال التجارية في منطقة الجمالية بهدف زيادة تواجدهم في المنطقة.
انتقادات كثيرة
ويشير محمد أبو العمايم مدير إدارة المشروعات بقطع لآثار الإسلامية والقبطية سابقا إلى أن مشروعات الترميم التي قام بها البهرة وخاصة جامع الحاكم بأمر الله وقعت بها بعض الأخطاء الترميمية وهذا موجود بالفعل ولا يمكن تجاهله، ولكن يمكن القول إن حجم العمل وضخامة هذا المسجد يطغى على هذه السلبيات.
ويؤكد أبو العمايم أن البهرة أثناء ترميم جامع الحاكم بأمر الله أصدروا قرارات منها ازالت قبة قرقماش من أمام الباب الرئيسي وهذه القبة تعود لعصر المماليك وكان من الممكن تفكيكها وبناؤها من جديد إلا أنها نقلت إلى صحراء المماليك إلى قبة الأشراف برسباى وقبة قاني بك الأشرف وكان مفترضا أن تنقل إلى مكان آخر أفضل من ذلك.
وفي جامع الجيوشي كما يوضح أبو العمايم طمست أعمال البياض والتجديد التي تمت بالمسجد وزخارفه التي كانت موجودة سابقا وكذلك جامع اللؤلؤة الذي تغيرت معالمه.
ويشير حجاجي إبراهيم أستاذ الآثار الإسلامية إلى أنه عندما قام البهرة بترميم جامع الحاكم بأمر الله أزالوا كل الإضافات التي طرأت عليه بعد العصر الفاطمي والتي أضافها السنة وتعتبر أثرية.
ويضف حجاجي في جامع الجيوشي أيضا قام البهرة بطلائه باللون الأسود ثم الأبيض دون مراعاة لشكله الأصلي.
الفيض الحاكم
جدير الذكر أن طائفة البهرة في سبيل تكريس وجودها في مصر وتحديداً بين أكبر أثر تنتمي إليه وهو جامع الحاكم بأمر الله طلبت من المجلس الأعلى للآثار الموافقة علي إنشاء مبنى لهم بالقرب من المسجد يسمى "دار الفيض الحاكم" ليكون مقراً لهم بدلا من تشتتهم وقد شهدت مناقشات ساخنة حول هذا الموضوع فبينما أيده البعض اعترض عليه البعض الآخر انطلاقا من تأثير المبنى على بانوراما المنطقة الأثرية وكذلك حالة الآثار الموجودة بها وانتهت اللجنة إلى الموافقة على إقامة المبنى وفقا للمعايير المحددة للبناء في هذه المنطقة.
اهتمام أشمل
وبالإضافة إلى البهرة واهتمامهم بالآثار الإسلامية بمصر هناك أيضا مؤسسة أغاخان التابعة للطائفة الإسماعيلية الشيعية التي يتزعمها كريم أغاخان وقد قامت هذه المؤسسة بعدد من المشروعات المتعلقة بالآثار الإسلامية خاصة المرتبطة بها فعلى سبيل المثال ومنذ حوالي عامين قامت بالاتفاق مع محافظ أسوان على تطوير المنطقة المحيطة بضريح أغاخان بالبر الغربي للمحافظة حيث اتفق الجانبان على أن تشمل عملية التطوير إنشاء مجموعة من الأسواق والبازارات السياحية وبعض المراكز الخدمية الحضارية.
وبالرغم من أن الاهتمام بالآثار الإسلامية يعتبر جزءا من فلسفة المؤسسة انطلاقاً من المنظور العقائدي إلا أنها مع ذلك تهتم بالآثار الإسلامية التي ترجع إلى كافة العصور وهي بذلك أكثر شمولا من طائفة البهرة فعلى سبيل المثال قامت المؤسسة بترميم مدرسة "درب شغلان" بمنطقة الدرب الأحمر والتي تصدعت في زلزال 1992 كما قامت المؤسسة بتطوير منطقة الدرب الأحمر أثريا وتنمويا بالتعاون مع الجمعيات الأهلية وهناك أيضا حديقة الأزهر التي تعد أهم مشروعات المؤسسة في مصر وقد تم الكشف من خلال العمل بهذا المشروع عن جزء من سورة القاهرة الذي يرجع إلى العصر الأيوبي ويبلغ طوله 1300 متر وكان في حالة متهالكة جدا إلا أن المؤسسة استطاعت بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار وبعض الخبراء الإيطاليين قامت بإظهار السور وترميمه وإرجاعه إلى حالته الأصلية.
تغلغل شيعي
وحول المطلب الذي تضمنه المقال المنشور بمجلة "الحكومة الإسلامية" يعود د. حجاجي إبراهيم ليشير إلى أنه لا يجب النظر لمثل هذا المطلب الغريب الذي يحتوي على رغبة دفينة للتغلغل الشيعي في مصر تحت ستار الحفاظ على العتبات المقدسة وغيرها... وربما ظهر ذلك أيضا من خلال سعي البهرة لشراء المحال التجارية الموجودة بمنطقة الجمالية بمبالغ خيالية ليحققوا تواجدا لهم في هذه المنطقة التي تحوي كما هائلا من الآثار الفاطمية.
ويضيف د. حجاجي لقد كان أولى بهؤلاء الذين يطالبون بالحفاظ على الآثار الشيعية في مصر أن يحافظوا على أثارهم التي تدمر يوميا بالنجف بالعراق مشيرا إلى أن مصر ليست بها مساجد للشيعة وأخري للسنة وإنما بها مساجد للمسلمين عامة وبالتالي لا يوجد أي مبرر يعزز هذا المطلب خاصة في ظل اهتمام المصريين بالمساجد وعدم إلحاق أي ضرر بها مهما حدث والتاريخ يشهد بذلك، فعندما دخل العباسيون مصر انتقموا من الطولونيين ودمروا كل ما يمس لهم بصلة وأبقوا على جامع أحمد بن طولون.
إجلال وتقدير
ويعلق محمد أبو العمائم على مطلب المجلة قائلا إن المسلمين بصفة عامة يهتمون بالأضرحة لأنها جزء من تاريخ الإسلام، ومسلمو مصر يقومون بتعظيم وتقدير أضرحة آل البيت ليس كنوع من انحراف العقيدة ولكن كإجلال وتقدير لهم وبالتالي فإن مصر لا تحتاج لتعيين وزير لحماية هذه الأضرحة.
ويؤكد د. أحمد الحساوي أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة أن هذا المطلب لا يستحق الرد عليه مشيرا إلى أنه لا يوجد عتبات مقدسة في مصر وإنما مساجد هي موضع تقدير واحترام من المصريين.
ويضيف الحساوي أن هذا المطلب يعتبر نوعا من التدخل في الشئون الداخلية لمصر وإن كان هذا لا يفسر من منطلق نشر المذهب الشيعي في مصر بقدر أنه نوع من الوفاء تجاه آل البيت.
تعزيز المطلب
من جانبه يشير السيد محمد الدريني المفكر الشيعي وأمين المجلس الأعلى لشئون آل البيت إلى أن اهتمام الشيعة بالآثار الإسلامية في مصر يكاد يكون منحصراً في طائفة الشيعة الإسماعيلية والتي يمثلها البهرة حيث يقومون بترميمهم بعض المراقد مثل مرقد الأشرف بالمرج وبعض المساجد الأخرى بمنطقة الجمالية.
وحول اهتمام الشيعة بالآثار الشيعية دون سواها أوضح الدريني أن كل مراقد آل البيت ليست خاصة بالشيعة وحدهم وإنما لكل المسلمين.
ويضيف الدريني أن مائة قيادة شيعية في أربع دول أعلنوا عن عزمهم إقامة دعاوي قضائية ضد مصر أمام الأمم المتحدة من أجل تحقيق إشراف شيعي على هذه العتبات المقدسة وهذا ما رفضناه من جانبنا حيث أن أهل مصر قادرين على الحفاظ على هذه الأماكن وتقديم أفكار جديدة للارتقاء بها وتطويرها نظرا لارتباطهم بها.
وحول مطلب المجلة الإيرانية أكد الدريني أن إحساس الناس المرهف بآل البيت وخوفهم على الأماكن الخاصة بهم يجعلهم يطالبون بذلك من أجل المحافظة عليها وإن كنت أتمنى ـ والكلام للدريني ـ أن يكون هذا المطلب مصريا على أن يقوم الوزير الشيعي المقترح بمهام وزير السياحة فيما يتعلق بهذه الأماكن لتنشيط حركة السياحة لهذه الأماكن فضلا عن الاهتمام بها.
ويؤكد الدريني أنه رغم اهتمام المصريين بأماكن الشيعة إلا أن تعيين وزير شيعي لها أمر مهم جدا خاصة في ظل افتقادها لكثير من الخدمات المتعلقة بالسياحة وتنظيم الزيارات وعمل المرشدين هذا فضلا عن حمايتها من المتزمتين من السنة الذين يروجون لبعض الخرافات المستمدة من الفكر الوهابي بحرمات زيارة هذه الأضرحة وكل هذه الأسباب تجعلني أعزز هذا المطلب.