إيران.. هل تخطو أسرع للإستفادة من التنوع القومي؟
( أوضاع العرقيات والأقليات في إيران )
المجلة 28 /1 /2007
ركزت الأدبيات التنموية على عامل الاندماج القومي سبيلا لتحقيق التنمية والاستقرار بديلا عن الفوضى العرقية والمذهبية والطائفية والقومية التي قد تعصف بكيانات تلك البلدان ولعل النموذج العراقي والأفغاني أكثرها اقترابا من الذاكرة والواقع عندما تم التركيز على الجزء وتعميمه على مساحة الوطن بكامله فغدت حالة الاغتراب تفرض نفسها وتعكس واقعا مقسما وقابل للانشطار.
دول العالم الإسلامي قاطبة تعيش فيها قوميات وطوائف متنوعة وهي لفترة طويلة اندمجت في المشروع القومي والوطني لبلدانها غير أن عوامل مختلفة دفعت بالأقليات للإنسحاب وعدم الانسجام الداخلي لعدة عوامل أساسية أولها داخلي نظرا لغياب العدالة في التوزيع وغياب المساوة واحترام الحقوق والخارجي أن كثيرا من تلك الأقليات على اختلافها كانت لبعضها اتصالات خارجية أو هي جزء من مكون حضاري وجغرافي آخر تم دمجه واقتطاعه عنوة في لحظة تاريخية وسياسية ما، مما يجعل مشكلاته دائمة ما لم تحظى هذه المكونات بالاحترام من خلال استيعابها وتوظيف حالة التنوع القومي في خدمة الوطن الواحد لبناء الدولة الوطنية القوية وعبر تدعيم قدرات النظام السياسي من خلال تعزيز المشاركة السياسية. لذا لا يكفي فقط تعيين مستشار هنا ومسؤول هناك كدليل على حالة الاندماج بقدر ما يكشف النقاب عن أزمة الاندماج نفسها التي تعاني منها الدولة والتي قد تكون سببا لتفسخها ذات يوم. والسؤال الذي يطرح نفسه هو إلى متى تبقى قضية القوميات في العالم الإسلامي محط صراع وتنازع وتجاذب داخلي وخارجي.
تمتاز إيران بتركيبة سكانية متنوعة الأعراق والأديان والمذاهب تضاف إلى خصوصيتها القومية والحضارية التي ساعدتها في السابق لتكون ولمدة طويلة من الزمن إمبراطورية عظمى هيمنت على شعوب وأمم عديدة.
ورغم زوال إمبراطوريتها، والتي اشتهرت بحكمها القاسي على سكان الأراضي التي كانت قد وقعت تحت هيمنتها، إلا أن إيران بقيت تحتفظ بالكثير من خصوصيتها المميزة التي هيأت لها لتكون جزءا مهماً من الأمة الإسلامية وأن تلعب دوراً ملحوظا بإغناء تراث وحضارة هذه الأمة وذلك على الرغم من مساعي الشعوبيين والمتطرفين الذين حاولوا وبكل قوة فصل إيران عن جسد الأمة الإسلامية والعودة بها إلى حضارتها التي كانت عليها قبل دخولها في الإسلام ونعني بها الحضارة المجوسية.
إلا أن تمسك المؤمنين من أبناء الأمة الفارسية بالإسلام وحضارته الإنسانية التي ساهموا في اغنائها أفشلت مساعي هؤلاء الشعوبيين وأبقت إيران عضوا من أعضاء الأمة الإسلامية. ولكن هذا لا ينفي أيضا أن هؤلاء الشعوبيين قد تمكنوا من الحفاظ على قوتهم في جسم الدولة الإيرانية وما زالوا يعملون على توسيع الثغرات السلبية التي تنحو بإيران إلى المواجهة مع البلدان الإسلامية والعربية منها تحديداً بدلا من التكامل معها.
والسبب في ذلك حسب ما عبر عنه الكثير من منظري الحركة الشعوبية هو الحنين إلى أمجادهم الغابرة واعتزازهم بثقافتهم وحضارتهم القديمة التي كان الإسلام والعربية سببين في دحرها على حد قولهم. وعلى الرغم من مضي أكثر من أربعة عشر قرنا على اندثار الإمبراطورية الفارسية إلا أن هؤلاء المتطرفين مازالوا يعيشون مرارة تلك الهزيمة ومازالت الجاهلية تنخر في أفكارهم ومع الأسف فإن بعضهم يتقلد مناصب مرموقة في الدوائر الرسمية والشعبية ذات التأثير المباشر في صنع القرار الإيراني أو تعطيل القرارات الإيجابية التي تحد من التطرف والغلو.
وبإلقاء نظرة على الخارطة السكانية لإيران يمكن مشاهدة الآثار السلبية التي خلفتها وما تزال تخلفها سياسات هؤلاء المتطرفين على مكونات المجتمع الإيراني. فإيران كما هو معروف بلد يتشكل من أقوام وشعوب مختلفة الأعراق والديانات والمذاهب، والشعب الفارسي ليس إلا واحد من هذه المكونات المتعددة للدولة الإيرانية الحديثة التي كانت تعرف بـ "مملكة فارس المحروسة" قبل أن يغير أسمها الشاه رضا بهلوي في ثلاثينيات القرن الماضي بعد انقلابه على الحكم القاجاري إلى "الدولة الشاهنشاهية الإيرانية" وذلك بعد إخضاعه المناطق والأقاليم، التي كانت تعيش في زمن الأنظمة التي سبقت (وهي القاجارية، الافشارية، الصفوية) بين الحكم الذاتي واللامركزية الموسعة، إلى سلطة طهران المباشرة التي اتسمت في عهده بالدكتاتورية المطلقة والتي أرخى فيها العنان للمتطرفين الفرس لممارسة سياسة التمييز العنصري والطائفي ضد أبناء الشعوب والقوميات غير الفارسية وهو ما دفع بأبناء تلك الأقليات إلى مواجهة سياسات رضا خان بهلوي عبر الانتفاضات والثورات الشعبية وحركات التمرد المسلحة.
إلا أن تلك الاحتجاجات سرعان ما كانت تخمد نتيجة القمع الشديد الذي كانت تواجهه من قبل الحكومة المركزية التي كانت تحظى بدعم القوى العظمى.
ويعد الآذريون الناطقون باللغة التركية والذين يشكلون نسبة ما يقارب الثلاثين في المائة من مجموع سكان إيران البالغ عددهم سبعين مليون نسمة من أكبر القوميات الإيرانية.
ويقول الآذاريون أنهم يتجاوزون عدد الفرس إذا ما أضيف إليهم التركمان والقشقائيون والازبك، وهم جميعا من القوميات الإيرانية الناطقة باللغة التركية. والآذريون الذين أغلبيتهم من الشيعة الإثنى عشرية من أهم القوميات التي انتفضت ولمرات عديدة بوجه النظام البهلوي وقد أفلحوا في عام 1945م من إقامة جمهوريتهم الديمقراطية بزعامة "سيد جعفر بيشه وري" الذي كان يحظى بدعم الاتحاد السوفيتي. ولكن انسحاب السوفيت من شمال إيران، والذي جرى بموجب الاتفاق الذي كان قد وقع في مؤتمر طهران عام 1943 والذي اتفق الحلفاء فيه على الحفاظ على وحدة إيران والانسحاب منها فور انتهاء الحرب العالمية الثانية أدى هذا الانسحاب إلى انهيار جمهورية أذربيجان التي لم تدم سوى عام واحد فقط وقد فر زعيمها بيشه وري هاربا إلى باكو في الشق الشمالي من أذربيجان التي تحولت إلى جمهورية شيوعية في إطار الاتحاد السوفيتي عقب انسلاخها من أذربيجان الجنوبية.
وكان الآذريون وبسبب مشاركتهم الفعالة في الثورة الدستورية التي شهدتها إيران في مطلع القرن الماضي، قد تمكنوا من إدخال مادة مهمة في أول دستور إيراني وهي المادة الخاصة بمجالس الأقاليم والولايات والتي تنص على منح القوميات الإيرانية غير الفارسية نوعاً من الحكم الذاتي المحدود، غير أن هذه المادة وكسائر مواد الدستور عطلت في عهد الشاه رضا بهلوي ولكن في عهد ابنه الشاه محمد رضا أراد رئيس وزرائه الجنرال (رزم آرا) في عام 1948 تطبيق هذه المادة لصالح الشعوب الإيرانية غير الفارسية إلا أنه واجه معارضة شديدة من قبل رئيس الكتلة الوطنية في البرلمان الإيراني آنذاك الدكتور محمد مصدق ورفيقه الدكتور حسين فاطمي الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية في حكومة مصدق عام 1951 والذي كان الوزير الوحيد الذي أعدم بعد الإطاحة بمصدق وعودة الشاه إلى السلطة.
هذا بشأن الآذريين أما الأكراد الذين يبلغ عددهم قرابة العشرة ملايين، وفقا لما تقوله أدبيات حركاتهم السياسية، فهم موزعون على عدد من المحافظات والمدن الإيرانية الغربية وأهمها محافظة كردستان وعاصمتها سنندج وأغلبهم من اتباع المذهب السني، ولم يكونوا بأقل من نظرائهم الآذريين تحركا في مواجهة الحكومات المركزية، وليس ذلك في عهد رضا خان بهلوي وابنه محمد رضا وحسب؛ بل إنهم شكلوا حركة دائمة ما تزال مستمرة في مواجهة حكومة طهران. وقد أثمر كفاح الأكراد في مواجهة النظام البهلوي عن إقامة جمهورية مهاباد الكردية التي استمرت من شهر كانون الأول 1945 ولغاية كانون الأول 1946 بقيادة "قاضي محمد" الذي أعدم فيما بعد على يد الحكومة الشاهنشاهية. إلا أن هذه الجمهورية الكردية كما الجمهورية الآذرية لم تعمر أكثر من عام واحد فقط وانهارت بعد انسحاب الروس من شمال وغرب إيران في 9/آيار 1946م لتعود بعدها السلطة في المناطق الكردية إلى الحكومة المركزية في طهران والتي ذكر زعيم حزب الديمقراطي الكردي الإيراني المغدور عبد الرحمن قاسملو في مذكراته أن الأمريكان والبريطانيون أمدوها بالخبراء والسلاح للقضاء على جمهوريات آذربيجان ومهاباد وذلك عبر السفير الأمريكي ج. آلن الذي أشرف بنفسه على سير القتال في كردستان بصحبة الجنرال رزم آرا رئيس الأركان العامة للقوات الشاهنشاهية الإيرانية. ولكن مع ذلك ورغم القمع الذي تعرضوا له لم يتخل الأكراد عن محاولاتهم في الحصول على الحكم الذاتي.
أما البلوش والذين يشكلون نسبة الثلاثة في المائة من عدد سكان إيران فإنهم يشكون باستمرار من اضطهاد قومي ومذهبي مزدوج كونهم من أتباع المذهب السني. وقد كانت لهم محاولات عديدة في عهد النظام البهلوي للحصول على حقوقهم القومية والمذهبية المشروعة إلا أن محاولاتهم تلك لم يكتب لها النجاح وذلك بسبب تعارضها مع المصالح الغربية في المنطقة من جهة وشدة القمع الذي مورس ضدهم من قبل السلطة المركزية من جهة أخرى.
وبالإضافة إلى الآذريين والأكراد والبلوش هناك التركمان الذين يربو عددهم على المليون ونصف نسمة ويقطنون في الشمال الشرقي من إيران وأغلبهم من السنة وهناك الازبك والطاجيك الذين يقنطون في إقليم خراسان وهم أيضا من أهل السنة وجميعهم عانوا من سياسة التمييز القومي والمذهبي في عهد النظام البهلوي ومازالوا يشكون من هذه سياسة ضدهم.
أما عرب الأحواز والذين دأبت الحكومات الإيرانية المتعاقبة علة وصفهم بـ "عرب اللسان" فهم يشكون على الدوام من سياسات الدولة الإيرانية ضدهم. وقد شهدت الأحواز في عهد النظام البهلوي ثورات وانتفاضات عديدة إلا أنها لم يكتب لا النجاح في تحقيق آمالهم وقد استمرت مناهضتهم للنظام البهلوي إلى أن تم إسقاطه بثورة شعبية شاركت فيها جميع مكونات المجتمع الإيراني.
بعد انتصار الثورة الإسلامية شاعت أجواء من التفاؤل بين الشعوب والقوميات الإيرانية وذلك اعتقادا منها أن السياسات العنصرية والطائفية التي كانت تمارس ضدها قد ولت وسوف لن يكون لها أثر في عهد النظام الجديد الذي اتخذ من "الإسلام" عنوانا له. إلا أنه وعلى الرغم مما وعد به قادة النظام الجديد وما جاء به دستور الجمهورية الإسلامية من مواد تنص على حقوقهم المشروعة إلا أن ذلك لم يلغ تذمر أبناء الشعوب والقوميات الإيرانية من ما يسمونه بالسياسات التمييزية ضدهم. مستدلين على ذلك بجملة من الوقائع والوثائق التي يعرضونها كدلائل ملموسة على صحة ما يتهمون به نظام الجمهورية الذي يقولون إنه لم يطبق المواد الدستورية التي تنص على نبذ التمييز الطائفي والعرقي والاعتراف بالحقوق الثقافية والقومية للإثنيات الإيرانية. ومنها على وجه التحديد المواد الدستورية رقم 15و19و48 التي تنص على أن يتمتع أفراد الشعب الإيراني من أي قومية أو عشيرة كانوا، بالمساواة في الحقوق، ولا يعتبر اللون والعنصر أو اللغة وما شابه ذلك سببا للامتياز. كما لا يجوز التمييز بين مختلف المحافظات والمناطق في مجال استغلال المصادر الطبيعية للثروة والموارد الوطنية العامة وتنظيم وتقسيم النشاط الاقتصادي في مختلف المحافظات ومناطق البلاد، بحيث يوظف في كل منطقة رأس المال والإمكانيات الضرورية في حدود حاجاتها واستعدادها للنمو. وقد قد نصت المادة 15 من الدستور على حق القوميات الإيرانية بأن تكون لها صحفها ووسائل إعلامها وتدريس آدابها ولغاتها إلى جانب اللغة الرسمية، أي الفارسية في جميع المراحل الدراسية. إلا أن تلك المواد الدستورية وعلى الرغم من مضي ربع قرن من عمر الجمهورية الإسلامية فإنها ما تزال مجرد حبر على ورق. علما أن الوعود بتحقيق تلك المواد الدستورية كانت من أهم الشعارات الانتخابية لحملة الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي الذي ورغم ما حظي به من شعبية طوال مدة رئاسته التي استمرت ثماني سنوات إلا أنه لم يتمكن من تطبيق تلك المواد المعطلة وذلك بسبب النفوذ القوي للحركة الشعوبية المتطرفة والمتغلغلة في أحشاء النظام والسلطة الإيرانية حسب ما يقوله نشطاء الحركات السياسية لأبناء الشعوب والقوميات الإيرانية وهي حركات تنشط في الخارج غالبا ويحمل الكثير منها النظام الإيراني مسؤولية ما يحدث أحيانا من احتجاجات وأعمال عنف دامية في الأقاليم والمناطق ذات الأقليات القومية والمذهبية والتي شهدت إيران خلال العامين الماضيين وقوع العديد منها وكان أبرزها قد وقع في أقاليم، أذربيجان وبلوشستان والأحواز وكردستان.
ففي إقليم بوشستان الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من ثلاثة ملايين نسمة غالبيتهم من أهل السنة وبحكم وقوع الإقليم في منطقة المثلث الإيراني الباكستاني الأفغاني الذي تحيطه الجبال من الشرق والشمال فقد أصبح ممرا ومرتعا خصبا لمافيا المخدرات الدولية ويعتقد نشطاء البلوش تعمد الحكومات الإيرانية المتعاقبة بإبقاء هذا الإقليم على ما هو عليه من الأوضاع الحياتية البائسة لم يكن ناجما من النظرة العنصرية والطائفية التي يكنها المتطرفون في السلطة للشعب البلوشي السني فقط وإنما هناك قوى المافيا التي عملت بشدة على منع الحكومات من تحسين أوضاع الإقليم لكي يتم إجبار أبنائه من البلوش على التعامل مع منظمات المافيا الناشطة في قضايا تهريب المخدرات والسلاح والرقيق الأبيض الذي أصبح مؤخرا واحد من أهم السلع المتاجر بها حسب قولهم. وهذا ما دفع بالبلوش لإنشاء تنظيمات وحركات سياسية تطالب بالحقوق القومية والمذهبية التي حرموا منها طوال المائة عام الماضية.
ومن أبرز هذه الحركات التي نشأت في بلوشستان في السنوات الأخيرة يمكن ذكر "منظمة جند الله" ذات التوجه الإسلامي السلفي والتي شنت العام الماضي سلسلة من الهجمات المسلحة ضد مراكز حكومية وعسكرية إيرانية أسفرت عن مقتل العديد من عناصر ومسؤولي الدولة في الإقليم. وكان من أبرزها عملية الكمين الذي نصبته لقافلة حكومية في منتصف شهر مارس العام الماضي على طريق "تاسوكي" الواصل بين مدينة زاهدان مركز الإقليم ومدينة زابل ثاني أكبر المدن البلوشية وقد أسفر الهجوم عن مقتل حاكم مدينة زاهدان واثنان وعشرون شخصا آخر واحتجاز سبعة آخرين. وكانت منظمة جند الله قبل ذلك قد هاجمت مخفراً حدوديا وأسرت ثمانية من عناصره أطلقت سراح سبعة منهم لاحقا فيما أعدمت قائد المخفر.
وفي الثالث عشر من آيار من نفس ذات العام نصبت مجموعة غير معروفة من قبل تدعى "فيدائيو الإسلام" كمينا في منطقة "دارزين" الواقعة بين مدينتي كرمان وبم وسط إيران وقد أسفر الكمين عن مقتل اثني عشر شخصا وإحراق أربع سيارات وقد تمكن المهاجمون من الفرار باتجاه القرى البلوشية الواقعة في سفوح جبلية محاذية للحدود مع باكستان.
وفي مساء الخامس عشر من ديسمبر (كانون الأول) المنصرم عشية انتخابات مجلس الخبركان والمجالس البلدية التي شهدتها إيران مؤخرا انفجرت سيارة ملغومة أمام مقر حاكم إقليم بلوشستان وقد أعلنت "منظمة جند الله" مسئوليتها عن الانفجار واصفة إياه بأنه محاولة غير ناجحة لاغتيال حاكم الإقليم.
وكانت السلطات الإيرانية في الأشهر الأخيرة ورداً على تلك الهجمات قامت بإعدام عدد من أعضاء منظمة جند الله التي توعدت مؤخرا في بيان لها نشر على موقعها الإلكتروني على شبكة الإنترنت توعدت بشن هجمات مسلحة تحت عنوان (الاقتدار 2) قائلة إنها قد تطال أهدافا مهمة في العاصمة طهران.
هذا على الجانب البلوشي أما في أذربيجان فقد واجهت السلطات الإيرانية في العام المنصرم تحديا صعبا من قبل الآذريين تمثل جانبا منه في الاحتجاجات الدامية التي جرت في يونيو حزيران العام المنصرم في عدد من المدن المحافظات الآذرية وهي محافظة أذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية وأردبيل وقزوين وزنجان وغيرها. وقد حدثت تلك الاحتجاجات عقب نشر صحيفة حكومية رسما كاريكاتوريا اعتبره الآذريون مهينا لهم وللغتهم التركية وعلى أثرها نظموا احتجاجات واسعة شارك فيها الطلبة الآذريون في جامعة طهران الأمر الذي دفع بالحكومة الإيرانية إلى تشكيل لجنة طوارئ أمنية بإمرة قائد قوى الأمن الداخلي في طهران الجنرال طلائي، وقد أوكلت لها الحكومة مسؤولية كبح الانتفاضة الآذرية وفرض أحكام عرفية في المناطق الساخنة ومنع المسيرة الاحتجاجية التي كانت تنوي الزحف على العاصمة طهران.
وكانت مقاطعة الآذريين للانتخابات مجالس البلدية ومجلس الخبركان (خبراء القيادة) الأخيرة قد أربكت التيارات السياسية المشاركة في تلك الانتخابات وقد سجل الآذريون بالإضافة إلى البلوش والأحوازيين أدنى نسبة من المشاركة في تلك الانتخابات.
أما على صعيد مناطق الأقليات القومية الأخرى فلم تكن الأحوال فيه أفضل حالا من مناطق البلوش والآذريين حيث كانت المناطق الكردية في العام المنصرم قد شهدت الكثير من الحوادث الدامية التي نجم بعضها عن مظاهرات احتجاجية والبعض الآخر عن صدامات مسلحة بين قوات المعارضة الكردية و قوات الجيش والحرس الثوري والتي وقعت ضحيتها العديد من الأفراد من كل الجانبيين.
وعلى الرغم من أن الحركات الكردية الرئيسية وهي حزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ومنظمة كوملة قد أوقفت ومنذ ما يقارب العشر سنوات جميع أنشطتها المسلحة إلا أن ذلك لم يحد من ظهور حركات كردية مسلحة في المنطقة ومن أبرزها منظمة "pjak" القريبة من حزب العمال الكردستاني التركي لتقوم بشن هجمات مسلحة ضد القوات الإيرانية بهدف الحصول على الحكم الذاتي للأكراد.
وفي الجنوب من إيران فقد شهد إقليم الأحواز العربي العام الماضي حوادث كانت الأعنف منذ عدة سنوات تخللها سلسلة من الانفجارات التي استهدفت مراكز تجارية وأنابيب للنفط بالإضافة إلى استهداف مكاتب حكام اثنين من المدن العربية الرئيسية في الإقليم وهي مدينة عبادان، الواقعة على شط العرب في مقابل مدينة البصرة العراقية، ومدينة دزفول التي تقع في الشمال من الأحواز وتضم أهم قاعدة جوية في جنوب إيران. وعلى إثر هذه الهجمات قامت السلطات الإيرانية في مارس آذار الماضي بإعدام اثنين من النشطاء الأحوازيين ينتمون "لحركة أفواج النهضة الأحوازية" بعد إدانتهم بتنفيذ جزء من تلك الهجمات التي أوقعت أكثر من 22 قتيلا وأكثر من مائة جريح، كما أن أحكاما بالإعدام قد صدرت في أكتوبر الماضي على خمسة عشر ناشطا أحوازيا آخر ينتمون إلى مجموعة تطلق على نفسها "كتائب الشهيد محيي الدين الناصر" إلا أنه وبسبب الضغوط التي مارستها منظمات إنسانية دولية قد تأجل على ما يبدو إعدام هؤلاء المتهمين. وكان التلفزيون المحلي لمدينة الأحواز قد بث في أوائل كانون الماضي صور اعترافات عشرة من المحكومين بالإعدام تبنوا مسؤولية سلسلة من الانفجارات التي شنت على مؤسسات نفطية ومراكز حكومية ومن بينها الانفجار الذي وقع بسيارة مفخخة أمام مقر قائم مقامية مدينة الأحواز في حزيران عام 2005م، وكذلك تفجير بنك سامان ومبنى دائرة التخطيط وتفجير أنابيب للنفط وغيرها م الهجمات الأخرى.
ويشكو عرب الأحواز باستمرار مما يسمونه التمييز العنصري والطائفي الذي يتعرضون له، ويستشهدون بالعديد من الوثائق والمستندات التي بحوزتهم للتأكيد على صحة ما يتهمون به السلطات الحكومية. وعلى الرغم من أن أغلبيتهم من الشيعة إلا أن ظاهرة العودة إلى المذهب السني في الوسط الأحوازي آخذة بالارتفاع. وحسب ما يؤكده أحد الناشطين في العمل الدعوي فإن نشر فقه المذهب السني يعد جريمة يعاقب عليها الداعية من قبل السلطات الإيرانية ولذلك فإن العمل الدعوي يتم بسرية.
ويقول الأحوازيون السنة أنهم محرومون من بناء المساجد وإنشاء الجمعيات الاجتماعية، فهناك مسجدان فقط لأهل السنة في الأحواز والاثنان يقعان في مدينة عبادان، واحد منهما مغلق والآخر وهو مسجد الإمام الشافعي فإنه يحتاج إلى ترميم لكن السلطات الإيرانية ترفض السماح لهم بترميمه. ويقولون أن اعتقال زعيم السنة في الأحواز الشيخ عبد الحميد الدوسري في العام الماضي والحكم عليه من قبل محكمة الثورة بالسجن ثمانية عشر عاما إنما جاء عقب رفضه التوقف عن إلقاء خطب الجمعة و إغلاق المسجد الوحيد لأهل السنة في الأحواز.
ويشكو السنة الإيرانيون عامة من سياسة التمييز ضدهم وهم يتساءلون عن السبب الذي يجعل السلطات تلجأ إلى هذه السياسة. بالرغم من أن أهل السنة الذين يقدر عددهم بأكثر من عشرين مليون نسمة قد أثبتوا ولاءهم على مر التاريخ إلى وطنهم وكانت لهم مساهمة كبيرة إن لم تكن الأكبر في انتصار الثورة الإسلامية وقيام النظام الجمهوري الحالي. ولكن مع ذلك نجد أن السنة يعاملون معاملة الرعية لا معاملة المواطنين فدستور الجمهورية الإسلامية يحرم السني من تبوؤ المناصب العليا في الدولة كمنصب رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الشورى (البرلمان) ناهيك عن منصب مرشد الثورة. وتخلو الحكومة الإيرانية الحالية من أي وزير سني كما لا يوجد من بين أعضاء الهيئة الرئاسية لمجلس الشورى عضو سني واحد. أما أعضاء مجلس الرقابة الدستورية الذي يبلغ عدد أعضائه اثني عشر عضوا، ستة منهم يعينهم مرشد الثورة والستة الآخرون يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويقدمهم للبرلمان الذي يصادق عليهم، فهؤلاء الأعضاء جميعهم من الشيعة وليس فيهم سني واحد. أما ممثلو مرشد الثورة في الأقاليم والمدن والمؤسسات فجميعهم من الشيعة وليس فيهم من أهل السنة أبدا. وهناك الكثير من الأمثلة التي يقدمها سنة إيران كأدلة على السياسة التمييزية التي تمارس بحقهم.
وعلى الرغم من نفي المسؤولين الإيرانيين الدائم للاتهامات الموجهة لهم بانتهاكهم لحقوق أهل السنة، إلا أن ذلك النفي لم يمنع أبرز علماء أهل السنة وهو الشيخ مولوي عبد الحميد إمام جمعة مدينة زاهدان من نقد سياسة التمييز الطائفي الذي تمارس ضد أهل السنة. حيث صرح الشيخ مولوي في نوفمبر الماضي قائلا: إذا لم يتم مواجهة المتطرفين ووقف تصرفاتهم العنصرية والطائفية فإن مخاطر كثيرة سوف تواجه الجمهورية الإسلامية، وإننا نأمل من قادة النظام أن يقفوا بوجه المتطرفين الشيعة بأن لا يفرضوا مزيداص من القيود الطائفية على أهل السنة.
وأضاف مولوي عبد الحميد، أن أهل السنة بذلوا قصارى جهدهم لأن لا ينقلوا شكواهم من السياسات التمييزية التي يتعرضون لها إلى الخارج، حيث إن غيرتنا الإسلامية وإيرانيتنا منعتنا من نقل شكوانا من بعض المسؤولين في النظام إلى المجامع والمنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية. [ وهذا بخلاف الشيعة الذين أنشئوا عشرات المؤسسات والمواقع التي تعنى بالشكوى ضد ممارسات طائفية مزعومة ضدهم .الراصد ]
يذكر أن أهل السنة المقيمين في طهران والذين يبلغ عددهم قرابة المليون شخص، قرروا مؤخرا إقامة صلاة الجمعة في الحدائق العامة بعد أن تم إغلاق المدرسة الباكستانية التي كانوا يقيمون صلاة الجمعة فيها وذلك لعدم وجود مسجد لأهل السنة في طهران بينما توجد كنائس للنصارى واليهود ومعابد للمجوس.
ويجب أن نشير إلى أن هناك مدنا كبيرة ليس فيها أي مسجد لأهل السنة مثل مدن: أصفهان، يزد، شيراز، ساوة، كرمان وغيرها من المدن كما تم هدم وإغلاق المساجد والمدارس والمراكز الدينية لأهل السنة. مثل: هدم مسجد (جامع شيخ فيض) الواقع في شارع خسروي في مدينة مشهد بمحافظة خراسان في 18/7/1994 وتحويله إلى حديقة للأطفال.
عدا عن قيام الحكومة بإغلاق عشرات المساجد والمراكز الدينية مثل: مدرسة ومسج نور الإسلام في مدينة جوانرو في كردستان مسجد ومدرسة شيخ قادر بخش البلوشي في محافظة بلوشستان، مسجد لأهل السنة في هشت ثر في محافظة جيلان، مسجد أحمد بيك في مدينة سنندج مركز محافظة كردستان،مسجد في كنارك في ميناء ضابهار ببلوشستان، مسجد في مدينة مشهد في شارع 17 شهريور، مسجد الإمام الشافعي في محافظة كرمانشاه في كردستان، مسجد أقا حبيب الله في مدينة سنندج بكردستان، مسجد الحسنين في شيراز، مسجد ومدرسة خواجة عطا في مدينة بندر عباس بمحافظة هرمزكان، مسجد النبي في مدينة ثاوة في كردستان في كردستان، مدرسة موملانا جلال الدين منصور أقايى، مدرسة خليل الله في مدينة سنندج.
وأمام هذه الأوضاع التي تتحكم في مصائر السنة في إيران، يجدر بنا أن نتأمل في خلفيات قرار الرئيس الجديد، محمود أحمدي نجاد، باتخاذ مستشار من أهل السنة يوجه الرئيس الإيراني إلى مصالح هذه الفئة المهضوم حقوقها منذ عقود في البلاد.. حيث جاء قرار نجاد في ظل ظروف أمنية وسياسية تشهدها البلاد والمنطقة بأكملها أهمها: تصاعد الأصوات المنددة باضطهاد السنة في إيران، بما في ذلك جهات دولية ومنظمات حقوقية.
وداخليا وجه النواب السنة في البرلمان رسالة هي الأولى من نوعها ـ بعد الغزو امريكي للعراق ـ إلى أربعة من المراجع الشيعة الكبار، نددوا فيها بما وصفوه بـ "التمييز الفاضح" ضد أهل السنة في إيران من قبل أجهزة الحكم، وقد وجهت الرسالة إلى اثنين من المراجع المعارضين، وهما آية الله حسين علي منتظري وآية الله عبد الكريم موسوي أردبيلي، واثنين آخرين من المرتبطين بالسلطة العليا في طهران وهما آية الله فاضل القوقازي، الملقب بلنكراني، وناصر مكارم الشيرازي.
ذكرت الرسالة أن أهل السنة يشكلون ما يزيد على عشرين في المائة من سكان إيران، وتساءلوا عما إذا كان تولي أصحاب الكفاءة والمؤهلات العلمية من السنة الوظائف القيادية والمسؤولية الكبرى كالوزارة ونيابة الوزراء والسفارة فضلا عن قيادة القوات المسلحة والمسؤوليات الرئيسة في القضاء، أمرا مخالفا للمذهب الشيعي المسيطر على البلاد، وأشاروا إلى أن أهل السنة محظور عليهم تولي تلك المناصب حيث لا يوجد سني واحد في مجلس الوزراء والمناصب الرئيسة في الوزارات والمؤسسات الكبرى، كما أن المحافظين ورؤساء الدوائر الرسمية في المدن والمحافظات التي يشكل أهل السنة الأغلبية المطلقة فيها مثل كردستان وبلوشستان وطالش وبندر عباس والجزر الخليجية وبوشهر وتركمن صحرا وشرقي خراسان، هم جميعا من الشيعة.
واشتكى النواب الإيرانيون السنة من عدم موافقة السلطات العليا على إقامة مسجد لهم في طهران رغم انتماء ما يزيد على مليون من سكان العاصمة إلى المذهب السني، وقالوا في رسالتهم: "بينما هناك معابد وكنائس للأقليات الدينية مثل الزرادشتيين واليهود والنصارى في العاصمة، تواصل السلطات الحاكمة رفضها لبناء مسجد لأهل السنة في طهران".
وخارجياً أدانت منظمة (هيومن رايتس واتش) في تقريرها العالمي للعام 2005م ما يتعرض له السنة من اضطهاد في إيران وجاء في الشق المتعلق بالأقليات ما نصه: "ما برح أبناء الأقليات العرقية والدينية في إيران عرضة للتمييز، بل وللاضطهاد" وأشار التقرير إلى: "معاناة طائفة البلوش، وهم أقلية أغلب أفرادها من السنة ويعيشون في إقليمي سيستان وبلوشستان الواقعين على حدود البلاد، من عدم تمثيلهم في الحكومة المحلية".
وبعد هذا العرض الذي تقدم يبقى التساؤل الذي يراود المهتم بالشأن الإيراني هو هل من حل لازمة القوميات في إيران قبل استفحالها؟.