جولة الصحافة\العدد الخامس والسبعون - رمضان 1430هـ
أزمة إيران والعودة لممارسات الـRecantation
الثلاثاء 25 أغسطس 2009
أنظر ايضــاً...

رضوان السيد - الإتحاد الإماراتية 9/8/2009

في خريف عام 1993، وكنتُ وقتُها أُستاذاً زائراً بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفرد، جاء للجامعة والمركز الأستاذ الأميركي المعروف من أصول إيرانية "أَرْوند أبراهيميان". وكنا نعرف كتابه الذي صار شهيراً "إيران بين ثورتين"، كما نعرفُ عنه ميولَهُ اليسارية. لكنْ لأنه جاء من أجل ندوةٍ تجمعُهُ مع صمويل هنتنجتون الذي كان مقالُهُ الشهير عن "صراع الحضارات" حديث الصدور بمجلة الـ"فورين أفيرز"، فقد ظننتُ وزملائي أنه سينشغل بمناقشة أُطروحة هنتنجتون. لكنّ الرجل ما اهتمّ لهذا الأمر من قريبٍ أو بعيد، بل ألقى محاضرةً طويلةً بعنوان: الثورة الإسلامية في إيران وممارسات الـRecantation بين عامي 1983 و1986.
والكلمة تعني في الأصل الاعتراف بالخطأ عَلَناً أو العودة العَلَنية عن رأيٍ معيَّن. لكنّ العصور الوسطى الأوروبية أثقلت هذا المفرد بحَمولةٍ دينيةٍ، بحيث صار مصطَلَحاً يعني "التوبةَ والإنابة" أو ممارسة الاعتراف الديني بالخطأ، ليس أمام الكاهن وبشكلٍ سريٍ بل أمام محاكم التفتيش. والفرقُ بين الأمرين أنّ الاعترافَ أمام الكاهن وطلب التوبة، ينتهي غالباً بقَبول الكاهن لتلك الإنابة، وقد يُرتِّبُ على المُعترِف صوماً أو صَدَقات، ولا شيء أكثر من ذلك. أمّا المعترفُ ومُعْلِنُ التوبة أمام المحكمة، فيعرفُ في الغالب أنّ الأمر ينتهي به إلى الهلاك، خاصةٍ إذا كان من رجال الدين، وذلك لأنه أخطأَ في حقّ الكنيسة، والخطأُ في حقّها خطأٌ في حقّ الله! لكنْ، إذا كانت تلك هي النتيجةُ شبه المؤكَّدة، فلماذا يعترف الذي يُحاكَمُ بذنوبٍ لم يرتكبْها، وأخطاء ما وقع فيها؟
جاك دوبي ومارسيل غوشيه -من مؤرّخي مدرسة "الحوليات" الفرنسية المشهورة- يذهبان إلى أنّ عقيدة الكنيسة كانت من القوة والثبات، بحيث لا يكاد أَحدٌ من المتمردين عليها مهما بلغت قوةُ شخصيته واقتناعه، أن يصمد أمام رجالاتها. لذا فإنّ كثيرين من أولئك البائسين والمعذَّبين، ورغم معرفتهم بالمصير الذي ينتظرهم، إنما كانوا يمارسون بالاعتراف العلني، وبالتضحية الجَسَدية، عمليةَ "تطهير" يريدون أن تنجوَ بها أرواحُهُم عندما ينزل بهم العقابُ المزدوج: الفضيحة أمام الجمهور، ثم الإعدام. لكنْ إذا كان هذا هو الوضع السايكولوجي الذي يُسيطرُ على الضحية، فلماذا هذا الإصرار من جانب المؤسَّسة على تطلُّب الاعتراف العَلَني، وممارسة شتّى أشكال الضغوط المعنوية والجسدية للوصول إلى ذلك؟ يقول ميرسيا إلياد، مؤرّخ الدين المشهور، إنّ الغرضَ من ذلك أمران: إرعاب الآخرين من معارضي السلطة، وتثبيت الشرعية والعصمة عن الخطأ أمام الجمهور وتُجاه الذات.
ولنعُدْ بعد هذا الاستطراد إلى محاضرة أبراهيميان. فقد كان موضوع المحاضرة الاعترافات وإعلانات التَوبة التي قام بها رجالات حزب تودة (الشعب) الكبار المعتقلين أمام كاميرات التلفزيون بإيران بين عامي 1983 و1986. واعترافاتُهُم تتلخص بمسألتين: انهم تآمروا على الثورة الإسلامية ومارسوا أعمالَ التخريب والاغتيال، وأنّ دوافعَهم لذلك كانت الكفر بالإسلام، والاتصال بجهاتٍ أجنبية (الاتحاد السوفياتي وقتَها). وقد جمع أبراهيميان ستاً وأربعين مقابلة وحلَّل مضامينَها، ثم قارَن بين هذه الممارسة من جانب "نظام العدالة" في الجمهورية الإسلامية، و"نظام العدالة" أيام ستالين في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، والذي اعتمد الطقوس والتكتيكات نفسها رغم أنه ما كان نظاماً دينياً بل شبه ديني بالنظر لقوة الفكرة الماركسية في النفوس آنذاك. ولا يوافقُ أبراهيميان في النهاية على أنّ دوافع الاعتراف في الحالتين كانت التطهير بل سببها التعذيب واليأس وفقد الأمل والتماس الراحة من العذاب بالموت، ولدى الاشتراكيين الروس، وبينهم بعض أبطال ثورة 1917. أما الشيوعيون الإيرانيون، فشاركوا في التحركات التي أدت إلى سقوط الشاه، لكنّ أحداً ما اعتبرهم من أبطال الثورة الإسلامية. ثم إنّ أحداً ما صدَّق أنهم تابوا وعادوا إلى الإسلام. أمّا العمليةُ التطهيريةُ، فتقعُ في جانب القادة الدينيين للثورة، إذ إنهم أرادوا الإلغاء الجسدي للمختلفين معهم في الدين أو في السياسة، وأفادوا من الاعترافات الإرغامية في تبرير الإلغاء، باعتبار أنّ الناس كانوا يعرفون أنّ الشيوعيين كانوا أبرز أعداء نظام الشاه، وقبل أن يختلف رجال المؤسَّسة الدينية مع ذاك النظام. وهذا ديدن كلِّ نظامٍ شموليٍ، دينياً كان أم نازياً أم ماركسياً أم ديكتاتورية عادية بدون أيديولوجيا؛ إذ إنّ سائر الديكتاتوريات تحاول إلغاء التاريخ السابق عليها، سواءٌ في ذلك تاريخ النظام الذي كان قائماً، وتاريخ المعارضين لذاك النظام. أَوَ لم يحاول الناصريون المتحمِّسون أن ينالوا من "ثورية" سعد زغلول ومصطفى النحّاس وآخرين كثيرين باعتبار أنّ ثورة 23 يوليو عام 1952 "جبّتْ ما قبلها"؟!
أبطحي كان إصلاحياً راديكالياً، ومتحمِّساً لأُطروحة خاتمي في الديمقراطية الإسلامية، يكن كراهية للمحُافظين من رجال الدين، ومن جنرالات الحرس الثوري والأمن.
إنّ الباعث على هذه "الفذلكة" كلِّها هو الاعترافات العلنية التي أدلى بها السيد محمد علي أبطحي، النائب السابق لرئيس الجمهورية الإيرانية. ويعرفُ كثير من اللبنانيين أبطحي؛ لأنه قضى سنواتٍ في لبنان مديراً لوكالة الأنباء الإيرانية. وهو الذي نَظَّمَ عملية مجيء خاتمي للبنان قبل ترشُّحه للرئاسة في الدورة الأُولى. وما سمعتُهُ مرةً يتحدث عن خامنئي أو ولاية الفقيه، لكنه كان دائماً إصلاحياً راديكالياً، ومتحمِّساً لأُطروحة خاتمي في الديمقراطية الإسلامية. وعندما كنا نذهب إلى إيران في التسعينيات، عرفْنا الكراهية المتبادَلة بينه وبين المحُافظين من رجال الدين، ومن جنرالات الحرس الثوري وأجهزة الأَمن. وفي عام 2005، وعندما ترشح رفسنجاني ضدَّ نجاد- وكان أبطحي قد غادر مناصبه كلَّها تحت ضغط المحافظين- ما كان متحمِّساً له لأنّ "تسوويته" ووسطيته ما عادتا مفيدتين، كما لم تُفد مسالمة خاتمي لدهاقنة النظام. ولستُ أدري لصالح مَنْ عمل في المعركة الرئاسية الأخيرة، لكنّ راديكاليته هي أقرب للمرشَّح مهدي كروبي. وقد كان أول مَنْ قُبض عليه بعد الانتخابات بيومٍ واحد. وقد عرفْتُ من زوجته وبعض أصدقائه أنه يتعرض لتعذيبٍ شديد. ولأنه تعرض لمتاعب شديدة سابقاً دون أن يتزعزع؛ لذلك ما صدَّقتُ شيئاً مما قيل إنه اعترف به. وملخَّصُ ما قاله إنّ مرشَّحي الرئاسة ورفسنجاني يتآمرون منذ سنواتٍ للإطاحة بنجاد، وأنّ رفسنجاني بالذات يريد الإطاحة بالمرشد خامنئي. والمفهوم أنّ تُهمته هو كانت -كما سبق القول- المشاركة في كلّ تلك النشاطات!
وما فوجئتُ بما اعترف به، ورأيتُ أنه قاله تحت وطأة التعذيب. أمّا الذي فوجئتُ به فهو لجوءُ الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى نفس تكتيكات وطقوس الثمانينيات مع الشيوعيين. ولستُ أرى أنّ هناك نفحةً دينيةً في اعترافات من اعترفوا، بحيث ينطبقُ عليهم مفهوم التوبة والـRecantation، كما أنّ تصرفات الأجهزة الإيرانية لا تتوافرُ فيها نفحةُ الثمانينيات الثورية والتطهيرية، وإنما هي التصرفات العاديّة لنظامٍ شموليٍ تتحكم فيه الأجهزةُ الأمنية.
وقد كنا نستغربُ لجوءَ الأنظمة إلى أُسلوب الاعترافات العَلَنية، بعد ستالين بثلاثة عقود، وقد تغيرت البلادُ وَمنْ عليها. فالواضحُ الذي لا شكَّ فيه أنّ القصد الوحيد من جانب الأجهزة والقائمين عليها في الأنظمة العربية، وفي إيران، إنما هو التخويف والإرعاب. والمقصودُ بذلك في إيران اليوم رفسنجاني بالدرجة الأُولى، وموسوي وخاتمي وكرُّوبي بالدرجة الثانية. وهؤلاء جميعاً ما تعرض أحدٌ منهم بعدُ للاعتقال، وإن لم تُوفّر صحيفة "كيهان" منهم أحداً من تُهمتي العمل للأجانب، أو الخروج على المرشد. وربما حماهُم حتى الآن المرشد الأعلى للثورة إعراضاً عن المزيد من المتاعب. لكنّ بقاءهم في حيّز التحدّي والمُغالبة قد يدفع نجاد ومجتبى ابن المرشد إلى التعرض لهم واحداً بعد الآخَر، بدءاً بكروبي الذي يبدو الأكثر عناداً وتمرداً.
لقد تحولت الثورة الإسلامية في إيران إلى نظام شموليٍ عادي. وقد كنا نخاف على أبطحي من شجاعته ولا مبالاته، لكنه انكسر -وهو بشر بداية ونهاية- كما انكسر قبله عشراتُ الأُلوف من كبار المناضلين في العالم العربي وأميركا اللاتينية، تحت وطأة التعذيب والإرهاب. لقد قتلوه بالفعل، كما قتلوا وهجرّوا وانتهكوا حُرُمات ملايين الناس من قبل. فَلَطَفَ الله سبحانه بأبطحي وبنا، ووقانا أهوال الفتنة والمحنة وتقلباتهما.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: