جولة الصحافة\العدد الخامس والسبعون - رمضان 1430هـ
حاضرة النجف إن نطقت
الأثنين 24 أغسطس 2009
سعد محيو الخليج الإماراتية 27/7/2009
 
إذا ما كانت الفرضية بأن الأزمة الحالية في إيران أزمة نظام بنيوية، لا مجرد أزمة سياسية أو انتخابية عابرة، فإن النافذة الأهم للإطلالة عليها هي حاضرة النجف.
السبب مقنع. فهذه المدينة العراقية المقدسة، التي كانت على مدى التاريخ القاعدة المرجعية الرئيسية للإسلام في طبعته الشيعية (قبل أن تخطف منها قم الأضواء العام 1979)، تحتضن العديد من كبار رجال الدين الشيعة الذين يرفضون، أو على الأقل لا يقبلون، نظرية ولاية الفقيه هكذا كما هي وبلا نقاش. كما أن لهم نظرتهم الخاصة للغاية إلى علاقة الدين بالسياسة، تستند إلى القول إن الثانية تلوّث الأول وقد تحرفه عن الصراط المستقيم.
وجهة النظر هذه هي نقطة الافتراق الايديولوجية الكبرى بين آية الله الخميني وآية الله السيستاني. الخميني يرى أن رجال الدين يجب أن يقودوا مباشرة العمل السياسي، إنفاذاً للفكرة بأن الولي وصحبه الذين يجب أن ينوبوا عن الفقيه أو الإمام إلى حين انتهاء غيبته، هم الأقدر على تطبيق الشرع، ونشر العدالة، وتحضير المجتمع لعودة الإمام الغائب، في حين أن السيستاني يعتقد أن الدين ورجاله يجب أن يكونوا فوق السياسة لا العكس، وأن دورهم يجب أن يقتصر على تحديد الخطوط الشرعية العامة التي يجب أن يفيها السياسيون حقها.
الصيغة الخمينية، في رأي المدرسة السيستانية، جعلت كل رجل دين رجل سياسة، فزالت بذلك الفوارق بين ما لقيصر وما لله، وهذا ما أدى إلى وضع العديد من رجال الدين السياسيين في إيران في قفص اتهامات الفساد، والإثراء غير المشروع، وسوء استخدام السلطة.
هذا الموقف، الذي يحظى بتأييد العلامة الكبير محمد حسين فضل الله والعديد من آيات الله العظمى في النجف وقم ومشهد، ضعفت شوكته مع الانتصار الجماهيري لثورة الخميني، ومع امتلاك ثورة ولاية الفقيه دولة تمتلك مقدارت بترودولارية شاسعة، وأيضاً مع تفوّق فكرة العنف الثوري الصاخب على تقليد التقيّة الهادئة والصامتة.
لكن الآن، ومع أزمة ولاية الفقيه في إيران، أو على الأقل أزمة ولي الفقيه آية الله خامنئي الذي يتعرض إلى “مؤامرات واسعة” وفق آيه الله أحمد خاتمي، فإن في وسع النجفيين السيستانيين الإطلالة برأسهم مجدداً للإعلان أن نهجهم هو الأصح والأسلم، وأن النجف يجب أن تستعيد دورها المركزي السابق كمرجعية أولى بهدف “إنقاذ الدين من السياسة”.
لكن حتى اللحظة، لا تزال النجف تلوذ بالصمت حيال ما يجري في طهران. وحين حاول مراسل “فايننشال تايمز” استنطاق رجال الدين فيها، اكتفى هؤلاء بالدفاع عن وجهة نظر السيستاني إزاء العلاقة بين الدين والسياسة.
بيد أن أحد هؤلاء، وهو علي الوعدة ممثل آية الله السيستاني، شذّ عن الركب حين قال: “إننا لا نتبع إيران. إيران يجب أن تتبع النجف”.
بالطبع، ما قصده الرجل لا علاقة له البتة بالتنافس القومي بين المسلمين الشيعة العرب والإيرانيين (السيستاني من مواليد إيران) وله كل العلاقة بالخلافات والاجتهادات الفقهية حول مسائل ولاية الفقيه، وعلاقة الدين بالدولة والسماء بالأرض.
وفي حال بدأت أصوات على شاكلة صوت العودة تتعالى في النجف، فسيكون هذا مؤشراً فاقعاً إلى أن الأزمة في إيران دخلت مفترقاً تاريخياً خطراً.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: