ممدوح الشيخ – إسلام أون لاين 3/8/2009
التوحيد.. والمعتقدات الدينية: المعجم العلمي للمعتقدات الدينية عمل ضخم ( (815صفحة صادر عام 2007 عن الهيئة العامة للكتاب، وعلى غلافه أنه تعريب وتحرير سعد الفيشاوي (الأستاذ غير المتفرغ بجامعة هلسنكي) ومراجعة الدكتور عبد الرحمن الشيخ.
وفي تقديم المعجم أنه "ثمرة جهد مجموعة من العلماء والمتخصصين من الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية"، و"يتضمن مجموعة كبيرة من المصطلحات تعكس أحدث منجزات البحث المادي الجدلي والتاريخي في مجال قضايا الدين".
فلماذا تنشر الهيئة المصرية العامة للكتاب عملا مرجعيا من هذا النوع وهو موضوع كما يشير كاتبوه اعتمادا على المنهج المادي الجدلي، رغم أن الثقافات الغربية المختلفة فيها الكثير من المعاجم التي تتناول المصطلحات الدينية دون الوقوع في فخ الأيديولوجية الماركسية، وموقفها من الدين معروف؟!
وأول نتائج هذا الاختيار غير الموفق مطلقا الجمع في الكتاب دون تفرقة بين الديانات السماوية والنحل والأديان الأرضية،بل إدراج بعض رموز الإلحاد ضمن مداخل المعجم. والأثر السلبي لهذا الانحيازالأيديولوجي الماركسي في المعجم ترك بصماته في الكثير من المداخل
فمثلا: في مادة نبي الله "إبراهيم" نقرأ: "وتعكس الروايات المتعلقة بإبراهيم وأسرته (كقصة التضحية بإسحق) مفاهيم ما قبل الإنجيل والتي يمكن إرجاعها بوضوح إلى عبادة "إبراهام" (إبراهيم) كإله قبلي". وهذاكلام ينطوي على خطأ جسيم، فتضحية نبي الله إبراهيم بابنه (سواء صح أنه إسماعيل أواسحق) ورد في القرآن الكريم وليس جزءا من صورة إبراهيم كإله قبلي.
تزييف التوحيد: وفي مدخل عنوانه "الله" نقرأ: "ويرى بعضالمستشرقين أنه عندما انهار المجتمع البدائي وبدأ تشكل المجتمع الطبقي، ظهرت فكرةالإله الواحد، التي مهدت بدورها السبيل أمام توحيد مختلف القبائل في دولة واحدة. فقد أُعلِن الله إلها واحدا أحد بعد أن آمنت به قبيلة قريش التي أدت دورا رئيسا فيظهور الدولة العربية".
وهذا النص محاولة ملتوية للنيل من حقيقة الوحدانية التي هي أقدس عقائد الإسلام، فالحديث عن الطبقات ينتمي للمعجم الشيوعي لا إلى المعجم الاستشراقي، وحتى لو صح أن هناك مستشرقون قالوا هذا فلماذا يتم تعريف لفظ الجلالة اعتمادا على تأويلات المستشرقين؟
وفي نهاية مدخل: "عبادة الأسلاف" نقرأ: "وقد تطورت عن عبادة الأسلاف في فترة لاحقة من التاريخ عبادة البطل التي ميزت الديانات الإغريقية والرومانية القديمة، ثم نشأت عنها في فترة لاحقة عبادة القديسين في المسيحية والإسلام"، فهل هناك مسيحيون ومسلمون يعبدون الأسلاف؟
وفي مدخل "مركزية الإنسان في الكون" نقرأ أنه: "مفهوم ديني مثالي يضع الإنسان في مركز الكون ويجعل منه الغاية النهائية من خلقه". وتؤكد هذه النظرية أن هناك أهدافا وذرائع موضوعية متعالية عن البشر (إلهية)وراء خلق العالم.
وقد يتمثل الشكل النهائي لنظرية "مركزية الإنسان في الكون" في اليهودية والمسيحية والإسلام. وقد قوض العلم الطبيعي – ممثلا في كوبرنيكوس وجاليليو ودارون وأينشتين – جنبا إلى جنب مع الفلسفة المادية، أسس هذه النظرية". فهل أتت الأديان بـ "نظريات" هدمها العلم؟ أم جاء بالحق الذي لا يتغيرولا يتبدل؟.
وهناك مدخل (ص 27) عنوانه: "نظرية نشوءالإنسان" وهو مكون من 7 كلمات:"عملية تحديد أصل الإنسان وظهوره ككائن اجتماعي"، فهل كان هذا المدخل يتسع لكلمات توضع في الهامش لتشير ولو مجرد إشارة إلى "خلق الإنسان"؟
الفن والإلحاد: وفي مدخل عنوانه: "الفن والإلحاد" نقرأ :"ولد الفن خلال عملية النشاط الإبداعي الحر للإنسان. بينما تولد كل من السحروالدين، من ناحية أخرى عن عجز الإنسان البدائي في مواجهة ظواهر الطبيعة التي تبدو مستعصية على الفهم" (ص 40)، فهل الفن نتاج حرية الإنسان والدين (ومعه السحر) نتاج عجز الإنسان؟
وتحت عنوان: "الإلحاد الماركسي" نقرأ أنه: "مرحلة جديدة من حيث الكيف في تطور الفكر الإلحادي،وظهر بوصفه النظريةالعلمية الحقة التي تعبر عن مصالح تلك القوة الثورية والتقدمية (أي الطبقة العاملة) على نحو متماسك ومتسق.
ويصف لينين جوهر الإلحاد بقوله: "الماركسية هي المادية وهي بصفتها تلك مناهضة على نحو لا يعرف الهوادة للدين"(ص 51) فهل هذا تعريف علمي أم تبشير واضح بالإلحاد؟
وبطبيعة الحال كان يفترض أن يقوم المراجع بالتعقيب على مثل هذه المقولات إما في هامش النص أو في جزء منفصل في أول الطبعةالعربية أو آخرها.
الآن نتوقف عند هذا العنوان "النزعةالإلحادية عند الديموقراطيين الثوريين الروس" وهي حسب المعجم: "أعلى مراحل تطورالإلحاد الديموقراطي الثوري"، ويصفهم مؤلفو المعجم بأنهم نجحوا بدرجة كبيرة في استلهام التراث المادي لأسلافهم الروس وكتاب التنوير الفرنسيون".
وهذا اعتراف مهم بالطبيعة الإلحادية للفكر التنويري الفرنسي!! وفي هذا المدخل أيضا أن الديموقراطيين الثوريين الروس تجاوزوا أوجه القصور الميتافيزيقية لماديتهم، وهو اعتراف ثانٍ بأن المادية دين لأن لها ميتافيزيقا خاصة بها، أي لها "غيبيات"!
الدين أفيون الشعوب !!! وفيها مفاجأة ثالثة من العيار الثقيل في المدخل نفسه نقرأ أن الديموقراطيين الثوريين الروس: "تمكنوا من التدليل على الطابع المتضارب لعقيدة الخلق" (ص 53)، فهل عقيدة الخلق تنطوي على تضارب؟ وهل هذا كلام علمي؟
وفي المدخل نفسه وبلغة تقريرية متبجحة نقرأ أنهم (أي الديموقراطيين الثوريين الروس): "توصلوا إلى النتيجة القائلة بأن أسباب وجود الدين تكمن في عجز البشر في مواجهة قوى الطبيعة، وفي فقر الجماهيرالمضطهدة وحرمانها، واقتربوا من الرأي القائل الذي يرى في الدين أفيون اللشعوب.
يروض هذه الشعوب من خلال تعزية المضطهدين بالأوهام المتعلقة بالنعيم وراء القبر"(ص 54). فهل الجنة وهم؟ ولماذا لم يحظ هذاالمدخل بتعليق من المراجع؟
المدخل المعنون: "الحجر الأسود" أقرب إلى النكتة السخيفة، ونقرأ فيه ما يلي: "يحاول المسلمون الذين يزورون مكة أن يلمسوه نظرا لأنهم يعتقدون أنه ملاك محجر سوف يسرع يوم القيامة إلى نجدة هؤلاء المؤمنين"(ص86)، وهذه أول مرة أصادف هذه الخرافة السمجة عن طبيعة الحجر الأسود.
وفي مدخل عن نبي الله داوود عليه السلام نقرأ: "تضفي الكنيسة عليه قدرا كبيرا من القداسة وتصفه بأنه كان من الصديقين برغم أن الكتاب المقدس يقدمه في صورة المستبد الغادر"(ص 162)، فلماذا اكتفى مؤلفو المعجم بصورته في الكتاب المقدس ولم يوردوا صورته في القرآن؟
عفاريت المعجم: وتحت عنوان: "الإيمان بالشياطين أوالعفاريت" نقرأ: "شغلت هذه الفكرة مكانة كبيرة في الديانات البابلية والفارسيةالقديمة، ومنها انتقلت إلى اليهودية والمسيحية والإسلام" (ص 169)، فماذا عن الآيات الواردة بالقرآن عن الشياطين؟ وهل هي حق موحى به أم لا؟ ولماذا لم تتم الإشارة إليه مطلقا؟
ونتوقف قبل التعرض لمدخل عنوانه: "الله"(ص 249) لنرى كيف تفوق مؤلفو المعجم على أنفسهم وهم يتحدثون عن رب العزة، وكيف أحجم المترجم والمراجع عن التعقيب على محتوى المدخل رغم خطورته الشديدة، ولا يوجد أدنى شك في أنه هو أمر مشروع علميا، وواجب دينيا وأخلاقيا.
إن المعاجم هي أعمال مرجعية ويفترض أن تكتب بأقصى درجات الدقة والموضوعية والإحاطة لأن الباحثين يتعاملون معها كمصادرللتعريفات، ما يعني أن ترجمة مثل هذا المعجم تترتب عليه نتائج خطيرة على المدى البعيد في مجال الدراسات الدينية التي تتم اعتمادا عليه.
فهذا المعجم له أهمية استثنائية بحكم موضوعه، وإذا تجاوزنا ما يثيره اختياره دون غيره من أسباب للريبة المبررة، فإننا لانستطيع التجاوز عن الخطأ الكبير في نقله للعربية ونشره دون التعقيب على محتواه.
والكتاب رغم حجمه الكبير يباع بسعر رمزي (عشرون جنيها)، وبسبب طبيعته المرجعية كمعجم للمصطلحات، فإن الأمر هو دون مواربة "خطيئة" ارتكبتها الهيئة العامة للكتاب بدم بارد، فالكتاب مشبع بتعاطف لا تخطئه العين مع الإلحاد كموقف عقائدي وتكثر فيه النقول عن الأدبيات الماركسية السوفيتية بلغة تقريرية في قضايا كثير منها يتصف بحساسية شديدة.
بل إن المفارقة تبلغ قمتها عندما نستحضرحقيقة أن ترجمته لم تأخذ في الاعتبار أن روسيا نفسها تغيرت على نحو كبير، بل لانبالغ إذا قلنا إنه ربما لو حاول مؤلفوه نشره في موسكو اليوم لما استطاعوا! لكن مصرأفضل مكان في العالم لتوزيع البضائع "البايرة"!
تأليه العجز!! وقفتنا الثالثة مع مدخل عنوانه: "الله"،وفيه يقول المؤلفون: "بالنسبة للعالم القديم، ربط مفهوم الإله بعجز الإنسان عن تفسير ظواهر الطبيعة.
ونبعت هذه الفكرة أيضا من تأليه زعماء القبائل والملوك والقادة العسكريين والسياسيين الأقوياء، فقُدِمت فكرة الإله على أنها فكرة بارعة من ابتكار الكهنة الأوائل لتقوية مكانتهم في المجتمع"(ص 249). فهل الإله فكرة اخترعها الكهنة لتقوية مكانتهم في المجتمع، فماذاعن الوحي السماوي والنبوات والكتب السماوية؟
وبعد تعداد المدارس الأوربية المختلفة في تفسير سبب ظهور فكرة الإله يأتي رأي الإلحاد الماركسي بلغة تقريرية وكأنه – وحاشا لله أن يكون – الحق الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فهذا الإلحاد: " هو الذي كشف عن طريق البيانات العلمية الخالصة الأسباب الاجتماعية والمعرفية لظهورفكرة الإله، والظروف التي نشأت فيها الفكرة ثم بدأت تموت، وما فيها من تناقضات وخاصية رجعية، ودورها الاجتماعي، والمضمون الطبقي فيها.
فالإله في التاريخ وفي واقع الحياة هوأولا وقبل كل شئ عبارة عن مركب من الأفكار تكون نتيجة الخضوع القهري للإنسان من جانب كل من الطبيعة الخارجية والنخبة الطبقية التي أخذت تعمل على تقوية ذلك الخضوع القهري، وتعمل على إخماد الصراع الطبقي.....وترتبط الأزمة الحادة في الأديان الحديثة بفقدان الجماهير إيمانها بالإله". (ص 250).
فهل يجوز ترجمة هذا الكلام ونشره بوصفه تعريفا صحيحا لذات الله سبحانه وتعالى؟ وهل كان يجب – على الأقل – التعقيب على هذه الأفكار الإلحادية؟
السنة: أساطير المسلمين: وفي مدخل عنوانه "الحديث" نقرأ: "القانون التقليدي للمسلمين بالخلاف مع الشريعة أو القانون الديني. ويتضمن أساطير وتقاليد المسلمين" (ص 260)، فهل الحديث الشريف سجل لـ "أساطير" المسلمين؟.
المدخل المسمى "القرآن" (ص 332) مليء هوالآخر بالكلام الفارغ الذي يصف القرآن بأوصاف تحط من قدره وتتعارض مع قداستهوتتنا فى في الوقت نفسه مع اللغة العلمية. وفي مدخل آخر عنونه "الإنسان" يقول مؤلفوالمعجم: "يقدم التفسير المادي للإنسان نظرة مناقضة للفهم الديني الفلسفي المثالي للإنسان الذي يجعل طبيعته الجوهرية غامضة ومعتمة"!!!!!!
وقد يحتاج الوقوف أمام كل ما في المعجم من أخطاء لكتابة سلسلة طويلة جدا من المقالات ويكفي القارئ ما توفقنا أمامه من مداخل تتناول قضايا شديدة الخطورة، ولا أظن أن نشر هذا المعجم لم يتم بشكل غيرمقصود.
أي أن الأرجح أنه ليس ثمرة تقصير أو تسرع أو إهمال بل هو على الأرجح اتجاه له شواهد أخرى داخل مؤسسات النشر التابعة لوزارة الثقافة.
فلا تكاد تمر كارثة نشر كتاب يمس عقيدتنا حتى تتلوها كارثة أخرى، من وليمة حيدر حيدر إلى أزمة الروايات الثلاث التي تلتها،حتى فضيحة قصيدة "شرفة ليلى مراد" لحلمي سالم، وما ترتب على نشرها وصولا إلى حكم محكمة القضاء الإداري القاضي بإلغاء رخصة مجلة إبداع بسبب نشرها الإلحاد.
ومن المؤكد أن المواءمة بين حرية البحث العلمي وقدسية المعتقدات الدينية أمر لا يقيد هذه الحرية، وقرار نشر مثل هذا المعجم ليس قرارا "فنيا" محضا بل تحكم اتخاذه اعتبارات قانونية كونه صادرا عن مؤسسة مملوكة للدولة ومن يديرونها لا يملكون تفويضا – صريحا ولا ضمنيا – بنشر مثل هذاالعمل، كما أن الأستاذ الجامعي الذي وضع اسمه على غلاف الكتاب مقرونا بصفة "مراقب" قصر تقصيرا فاحشا في مسئوليته عن توضيح الغامض وتصحيح الخطأ والتعقيب على ما يستوجب التعقيب، أما الاختيار فغير موفق مطلقا والقيمة العلمية للمعجم لا تساوي قيمة الورق الذي أهدر في طباعته.
والصمت على مثل هذا النهج في إدارة مؤسسة من أهم مؤسسات النشر الحكومية هو صمت مدان، فلو الهيئة نشرت كتابا يتضمن هجوما على رئيس الدولة أو ما يسمى "ثوابت الوطنية" لعلت الأصوات بالاعتراض، وهذاالتوازن الغائب سيظل مصدرا للمشكلات ما لم يكن هناك حل يغلق باب الفتنة.