جولة الصحافة\العدد الخامس والسبعون - رمضان 1430هـ
الصوفية الجدد في آسيا الوسطى.. ابحث عن الأتراك
الأثنين 24 أغسطس 2009

 
لعبت الطرق الصوفية دورا غير منكور في المحافظة على الإسلام في آسيا الوسطى، خصوصا في فترة طغيان الشيوعية الملحدة زمن الاحتلال السوفيتي، وتمثل ذلك في المحافظة على العادات الإسلامية وأداء العبادات.
 وكانت الاحتفالات التي تقيمها الطرق الصوفية في المناسبات المختلفة بمثابة الحبل الرابط بين المسلمين وبين المسجد في هذه البلاد.، والذي رأيى اجتماع المسلمين حول المسجد وفي داخله، وسهرهم فيه حتى الفجر ليلة القدر.
ومع كل ما يقال عن الانحرافات التي حدثت للصوفية في زمن الاحتلال الشيوعي وما سبقه، فقد أبقى الجهد الصوفي البقية الباقية من حب الله وتعظيم شعائره في نفوس المسلمين من أهل البلاد، ؛ لذلك ناصب الشيوعيون الصوفية العداء الشديد، ؛ إذ وجه الشيوعيون اهتمامهم للقضاء على التصوف وملاحقة الصوفية الكبار، وإيداعهم السجون، أو التقليل من مكانتهم وهيبتهم لدى المسلمين.، وأجبروا مفتى مفتي آسيا الوسطى في عام 1959 على إصدار فتوى تؤكد أن التصوف تيار دخيل على الإسلام.، كما أجبروا كلا من مفتي شمال القوقاز وداغستان على إصدار فتوى تحرم الدعاء في أضرحة المتصوفين.، وأغلق الشيوعيون أضرحة الأولياء، وحولوا بعضها إلى متاحف، وبعضها الآخر وضع تحت حماية الدولة.
وقام أتباع الطرق بدور كبير في التعليم الإسلامي وتنشئة الصغار تنشئة إسلامية، وتعليمهم مبادئ القرآن.
 وكان الشيوعيون يؤمنون أن النصرانية لا تشكل خطرا على النظام السوفيبتي بعكس الإسلام الذي كانوا يقولون عنه أنه إنه دين لا يتفق مع الشيوعية.
الجهاد الصوفي: وقد ظهرت حركات مقاومة عنيفة من الصوفيين ضد الاحتلال الروسي، ومن أشهر رجالها: الشيخ درويش منصور، والغازي محمد الكمراوي، الشيخيان الصوفييان اللذان قادا نضالا ضد الروس استمر ست سنوات في منطقة القوقاز من عام 1785 حتى عام 1791.، وكذلك المجاهد الكبير الإمام   شامل الذي قاد حركة الجهاد ضد القوات الروسية طوال عشر سنوات كاملة، انتهت بهزيمة قواته وأسره في عام 1869، ومِن ثمَّ نفيه إلى المدينة المنورة، مرورًا بإستانبول؛ ليلقى ربه بعد سنين من أسره في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انحرافات وتجاوزات: لم يكن التاريخ الصوفي كله في المنطقة جهادا واستشهادا، ولم يكن مشايخ الصوفية على نفس درجة الإمام شامل ورفاقه من الجهاد والإخلاص، ولو قدر ذلك لتغير تاريخ المنطقة بأسره، ولكن كان هناك جانب آخر للصوفية شابه اعتماد على الخرافة وانحرافات عقائدية.، ولعل ما يحدث عند الأضرحة وخصوصا المشهور منها مثل مسجد أحمد اليسوي في تركستان بكازااخستان نموذج واضح على ذلك.، فتجد أنواعا مختلفة من الفلكلور والذي تحول إلى عبادة، ما بين وعاء ضخم تلقيي فيه الفتاة التي لم تتزوج بعملات معدنية حتى يساعدها الولي في إيجاد عريس مناسب، إلى شواهد القبور القديمة والمكتوب عليها بالعربية – -وقد قرأت   على أحدها تاريخا يعود إلى قبل 600 عام- – والمنقولة من مكانها إلى غرفة خاصة لا لشيء مميز فيها، ويعدونها من آثار الولي، مع أن التواريخ المكتوبه المكتوبة عليها لا تلتقي مع زمن حياة الشيخ التي هي في الحقيقة أشبه بالأسطورة الكبيرة. إلى قصة التمرة التي أخذها –- كما يقولون -   أبو بكر الصديق رضوان الله عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوصلها إلى السيد أحمد اليسوي عام 315 هجرية!!.
وليس هذا عند مسجد أحمد اليسوي، فقط بل لا تجد بلدا واحدا إلا وفيه نصب يحج الناس إليه ويعتبرونه - دون أدني أدنى مبالغة – كعبتهم الخاصة، التي تتساويى زيارتها مع زيارة الحرم الشريف إن لم تفضله.
 ففي أوزبكستان ضريح بهاء الدين النقشبندي، وضريح إسماعيل الساماني، وفي تترستان منطقة الأربعين ، والقلعة، .. والقائمة طويلة جدا.
هذا بالإضافة إلى سيطرة بعض المشايخ على عقول الناس باسم التصوف، والقرب من الله، والحصول على أموالهم لطلب الغفران، أو لإتمام مراسم الزواج الشرعي، أو تجهيز الميت والدفن.
 وكثيرا ما تجد اختلاطا بين مهمة الوعظ والإرشاد التي يقوم بها الإمام مع أعمال هي أقرب للسحر والشعوذة.، ولم يخل الأمر من ممالئة ممالأة السلطات واتباعها ومتابعتها، ؛ مما نفر الناس وخصوصا الشباب من هذا المنهج والطريق .
تجديد صوفية آسيا الوسطى: ومع انهيار الاتحاد السوفيتي ودخول الأتراك بحرية إلى آسيا الوسطى وروسيا، ساعد في ذلك سهولة اللغة وتعلمها على الدعاة الأتراك، والتي هي مع تعددها [ كزاخية – أوزبيكية – تتارية ،....] إلا أنها في النهاية مشتقة من اللغة التركية القديمة، كما أن الطرق المنتشرة في آسيا الوسطى سواء أكانت نقشبندية أو أحمدية قادرية لها جذورها القوية في تركيا؛ مما سمح للدعاة الصوفية الأتراك بالتواجد بسهولة بين المجتمع المحلي ودون إحداث مشكلات.
وما هي إلا سنوات قليلة حتى أحدث هذا التواجد ما يمكن أن نسمية نسميه "التجديد الصوفي"، وقد ظهرت معالمه بوضوح وخصوصا بين الشباب في عدد من المظاهر؛. ففي الجانب التعليمي هناك التوسع في تحفيظ القرآن، وتعلم اللغة التركية والعربية، وحفظ بعض الأثار الآثار النبوية، وافتتاح أقسام للدراسة التركية في عدد من المداراس، وجامعة تركية كبيرة في تركستان بكازاخستان، وقسم   تركي في جامعة جنوب كازاخستان، وتواجد عدد كبير من المرشدين الدينين الأتراك بين معلم في مدرسة، أو محاضر في جامعة، أو تاجر يكثر الاحتكاك بين الناس بمظهر ديني متميز، وابتعاث عدد غير قليل من الطلاب لدراسة الإسلام في تركيا .
وفي الوعي العام والثقافة تميز هذا التيار الجديد بالبعد كثيرا عن الأساطير التي ملأت الحالة الصوفية القديمة، وتنوعت مشاربه المعرفية، وإن كانت قد اعتمدت بشكل كبير على رسائل بديع الزمان النورسي، وكتب الدعاة الأتراك الجدد، إلا أنك ستجد في مكتباتهم التي يوزعونها على طلابهم ترجمات تركية لظلال القرآن لسيد قطب، ورسائل حسن البنا.
وخف إلى حد كبير الاحتقان الشديد مع المدرسة السلفية، وخصوصا بعد الترجمات الرائعة التي قامت بها مؤسسات كالإبراهيمي وغيرها لأمهات كتب التراث للروسية ولبعض اللغات المحلية، والتي اعتمد عليها الدعاة الأتراك وتلاميذهم من المحليين في تدريس أصول الشريعة وعلومها .
وفي الحركة والتكوين اختلفت الوسائل الدعوية اختلافا كبيرا، والتي كانت قد تجمدت على صلاة الجمعة، وعلى العدد القليل من المناسبات الدينية المتاحة، ؛ لتجد متسعا كبيرا مع الصوفيين الجدد بين مدارسات، ورحلات، وزيارات، وحلقات دراسية وتعليمية في البيوت، وزيارات وكفالات للأيتام والطلاب والفقراء، ومشروعات اقتصادية تنفق على الدعاة المحليين أشبه بالوقفيات، وزيارات للأساتذة المربين الكبار من تركيا، أو ابتعاث للمتميزين من الدعاة المحليين ليعايشوا الحياة الدعوية في تركيا كتجربة عملية قبل أن يعودوا لتوطينها في بلدانهم.
ومع كل ذلك غاب هذا الاتباع المثالي للدعاة الصوفيين الجدد لأوامر السلطات المحلية، بل ظهر نوع من التململ والضجر، وحتى المعارضة لكثير من السياسات التي تتبعها الحكومات، واعتبارها لا تخدم مصلحة الإسلام؛ مما أقلق السلطات من التيار الصوفي التجديدي .
الصوفية الجدد والحكومات: مع ما يتمتع به التيار الصوفي القديم من حماية ورعاية ودعم الأنظمة الحاكمة؛ نظرا لما يوفره لها من حالة استرخاء كامل، وابتعاد عن أي منغص يؤذي الحكومات المحلية، ووقوع هذا التيار بشكل كامل تحت سيطرة الأجهزة الأمنية هناك، إلا أن التيار التجديدي قد نجح في سحب البساط من تحت أقدام التقليديين وخصوصا في جمهور الشباب، فلم تعد قصص وحكايات وأحجبة وزيارات التيار التقليدي ومراسمه التعبدية تقنع هذا الجيل إلا ما ندر، ولم يبق له من مستراح إلا في أتباعه من بعض كبار السن والعجائز، أو الأرامل والنساء اللواتي مر بهن العمر ولم يجدن زوجا؛ يلتمسون منهم حجابا أو ترضية نفسية.
إلا أن التيار التجديدي بدء بدأ يثير قلق الحكومات، وإن كان بدرجة أقل من التيارات الإسلامية الأخرى.، ومع ذلك فقد قامت بعض الحكومات بخطوات استباقية للحد من زيادة نفوذ التيار الجديد بين الشباب.،؛ فقامت السلطات الأوزبيكية بطرد عدد كبير من الدعاة والمدرسين الأتراك بدعاويى مختلفة مثل انتهاء الإقامة ومخالفة شروط التأشيرة، ولكن كان هذا الطرد بطريقة هادئة ومتدرجة خشية إغضاب السفارة التركية.
 وما زالت جامعة الأتراك في تركستان بكازاخستان تعاني من إغلاق ثم فتح، مع تضييق وتعطيل تأشيرات دخول وأوراق إقامة الأساتذة العاملين بها، وتم إغلاق القسم التركي في جامعة جنوب كازاخستان وإنهاء تأشيرة المدرسين العاملين بها، وزاد التضييق على الدعاة التجار، ومعلمي المنازل، واستدعي عدد منهم لأجهزة الاستخبارات.
وربما هذا يكون في جانب من جوانبه بضغوط التيار الصوفي القديم والذي يغلب على الإدارات الدينية، ولكنه أيضا بالتأكيد بسبب خشية هذه الحكومات من زيادة نفوذ التيار التجديدي بين الشباب، وتطلعهم إلى النموذج التركي في حكومة يحكمها متدينون، وإن كانت تعلن أنها علمانية، إلا أنها أخذت بألباب هؤلاء الشباب في قضايا مختلفة.
وازداد القلق الحكومي من الحديث المتكرر من جهات أكاديمية وعلمية واستخباراتية غربية، وتوصياتها لحكومتها بالتعاون مع هذا التيار الصوفي التجديدي؛ كونه البديل المقبول بدلا من التيار المتشدد، والذي سيحل واحد منهما بالتأكيد محل حكومات دكتاتورية مسيطرة على الوضع في آسيا الوسطى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
ويبقى المستقبل أمامنا ليجيب عن إشكالية،: هل تستمر الحكومات الدكتاتورية في آسيا الوسطى أم تحل محلها حكومة حكومات إسلامية أصولية أو صوفية؟، ولا مستقبل للعلمانية ولا لغيرها من الأفكار في بلاد الإسلام المنسية .
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: