عاطف الغمري – الأهرام المصرية 1/12/2009
الصراع الإقليمي علي الشرق الأوسط ـ كان موضوع المؤتمر السنوي للمجلس المصري للشئون الخارجية.
اللافت للنظر ان السياسات التي تحرك الصراع, تنطلق في جانب منها من ثوابت تاريخية, وفي جانب آخر من المتغيرات التي تلاحق العصر.
والصراع الإقليمي علي الشرق الأوسط, تكاد تزول فيه الفواصل بين ما هو إقليمي, وما هو دولي. وان كان العنصر المحرك للقوي الإقليمية, يبدو ظاهرا أكثر في هذه المرحلة, من خلال سعيه لطمس الهوية العربية عن المنطقة, ثقافيا وحضاريا, وجرها إلي ساحة متسعة تسمح لدول غير عربية بأن تكون طرفا وشريكا فاعلا في أمور المنطقة.
ومفهوم الهوية, يلفت الأنظار الآن اكثر من ذي قبل, خاصة في الغرب, بعد أن اصبح محركا نشطا وقويا, في دفع عملية صعود الدول البازغة اقتصاديا في آسيا, بعد أن نجحت تجارب التنمية الاقتصادية فيها, في رفع قيمة ومكانة الدولة في الخارج, وزادت من قوة غريزة الانتماء.
ومن زاوية النظر هذه, فإن الهوية العربية في حال صعودها يمكن أن تشكل عائقا أمام مخططات تغيير النظام الاقليمي.
ولهذا لاحظنا الترويج لتعبير انهيار النظام الاقليمي العربي, ومن الذين صدر عنهم هذا القول, روبرت زوليك الرئيس الحالي للبنك الدولي, وقت ان كان نائبا لوزيرة الخارجية الأمريكية, كما أشير اليه في تقرير استراتيجية امريكا للقرن الحادي والعشرين الصادر عام2008, وغير ذلك من الكتابات.
وهناك ثلاث دول اقليمية رئيسية في هذا الصراع علي المنطقة, هي إسرائيل, وتركيا وإيران, بجانب دول خارجية ضالعة فيه بدرجة أو بأخري, لكن امريكا هي الأكثر اشتباكا في هذا الصراع.
ولكل من الدول الثلاث طموحات, تمشي فوق عجلات استراتيجية للسياسة الخارجية, بعض مكوناتها ممتدة إلي جذور تاريخية, وبعضها متطور, يصنعه عالم يتغير. ومن أبرز متغيراته اعتراف اكبر المؤسسات السياسية الأمريكية الرسمية, بأن أمريكا تنتقل إلي عصر, لم تعد تستطيع فيه وحدها, حل الأزمات والمشاكل الاقليمية, والدولية, وأنها تحتاج إلي شركاء.
وهذه الطموحات كامنة في عمق المشروع الإسرائيلي, الذي يعمل علي توسيع علاقاته في أنحاء العالم, وخاصة في اسيا, وسبق أن أفصح عن هذا التوجه, ما سمي بخطة إسرائيل الاستراتيجية, التي نشرت في مطبوعات جامعة إنديانا الأمريكية عام1997, والخاصة بالتوسع لأبعد من نطاق الشرق الأوسط, وهو نفس مضمون خطة المحافظين الجدد المنشورة في أوراقهم, للتمكين الإسرائيلي من الشرق الأوسط, لتكون المنطقة مرتكزا لانطلاقها إلي النفوذ عالميا.
هذه الطموحات لها صورة قد تختلف في المشروع التركي, الذي يعيد ترتيب اوضاع الدولة, التي تنتمي إلي الغرب وأوربا, ولتكتسب ركنا في الشرق الأوسط, وفي المنطقة العربية, يصبح عنصر دعم لوجودها غربيا, وإنعاشا لمكانة كانت لها تاريخيا في المنطقة العربية.
أما إيران فمشروعها الإقليمي كان قد تحدث عنه عدد من قادتها, فور قيام الثورة الإسلامية عام1979, وبدأت تتضح مكوناته بعد أن خلقت لها أدوارا في قضايا عربية في فلسطين ولبنان.
وهي تتجه نحو علاقات أوسع في افريقيا, بعد دعم الروابط مع جمهوريات آسيا الوسطي الإسلامية, المتاخمة لها. والتمدد الإيراني مقصود به من ناحية أخري ان يكون ورقة مساومة مع الولايات المتحدة للاعتراف لها بدور اقليمي, ثم دور اكبر دوليا.
إن من الطبيعي أن تكون لكل دولة استراتيجية لأمنها القومي وسياستها الخارجية, هذا هو منطق إدارة الدولة. وهو واجب أي نظام حكم, أما فقدان الاستراتيجية, فهو بمثابة التخلي عن ركن جوهري من أركان إدارة الدولة.
وهذا لا يمنع من الدخول في حوارات مع تركيا وإيران, لأنها دول موجودة اقليميا ولها في المنطقة مصالح, ومن المناسب التحاور معها ـ علي الأقل ـ لصنع حالة من التوازن الإقليمي.
ان أمريكا التي صارت أشد احتياجا للشريك القادر علي إدارة الاعباء الإقليمية, سيميل ميزانها نحو الطرف الفاعل, المجهز بمشروع وباستراتيجية, تأخذ في اعتبارها المكونات المتغيرة لقوة الدولة التي تشمل المعرفة واطلاق الخيال والاستفادة من عصر المعلومات, والقدرة الاقتصادية التنافسية, والديموقراطية التي تمثل أقوي قاعدة لأمن الدولة وتقدمها.
ويبقي ان قدرة أي من هذه القوي ـ إقليمية ودولية ـ في هذا الصراع, علي إضعاف معالم الهوية العربية, ليست مطلقة, لكنها محكومة بقدرة دول المنطقة العربية علي امتلاك إرادتها, وصياغة استراتيجية أمنها القومي, التي تحمي المجال الاقليمي العربي, لأن تركه فراغا إستراتيجيا, يغري غيرهم علي ان يشغلوه.. وتلك مسئولية تاريخية, وواجب قومي.