جولة الصحافة\العدد التاسع والسبعون - محرم 1431 هـ
مشاريع إشعال الصراع حول الشرق الأوسط
الثلاثاء 15 ديسمبر 2009

عاطف الغمري – الأهرام المصرية 1/12/2009


الصراع الإقليمي علي الشرق الأوسط ـ كان موضوع المؤتمر السنوي للمجلس المصري للشئون الخارجية‏.‏

اللافت للنظر ان السياسات التي تحرك الصراع‏,‏ تنطلق في جانب منها من ثوابت تاريخية‏,‏ وفي جانب آخر من المتغيرات التي تلاحق العصر‏.‏

والصراع الإقليمي علي الشرق الأوسط‏,‏ تكاد تزول فيه الفواصل بين ما هو إقليمي‏,‏ وما هو دولي‏.‏ وان كان العنصر المحرك للقوي الإقليمية‏,‏ يبدو ظاهرا أكثر في هذه المرحلة‏,‏ من خلال سعيه لطمس الهوية العربية عن المنطقة‏,‏ ثقافيا وحضاريا‏,‏ وجرها إلي ساحة متسعة تسمح لدول غير عربية بأن تكون طرفا وشريكا فاعلا في أمور المنطقة‏.‏

ومفهوم الهوية‏,‏ يلفت الأنظار الآن اكثر من ذي قبل‏,‏ خاصة في الغرب‏,‏ بعد أن اصبح محركا نشطا وقويا‏,‏ في دفع عملية صعود الدول البازغة اقتصاديا في آسيا‏,‏ بعد أن نجحت تجارب التنمية الاقتصادية فيها‏,‏ في رفع قيمة ومكانة الدولة في الخارج‏,‏ وزادت من قوة غريزة الانتماء‏.‏

ومن زاوية النظر هذه‏,‏ فإن الهوية العربية في حال صعودها يمكن أن تشكل عائقا أمام مخططات تغيير النظام الاقليمي‏.‏

ولهذا لاحظنا الترويج لتعبير انهيار النظام الاقليمي العربي‏,‏ ومن الذين صدر عنهم هذا القول‏,‏ روبرت زوليك الرئيس الحالي للبنك الدولي‏,‏ وقت ان كان نائبا لوزيرة الخارجية الأمريكية‏,‏ كما أشير اليه في تقرير استراتيجية امريكا للقرن الحادي والعشرين الصادر عام‏2008,‏ وغير ذلك من الكتابات‏.‏

وهناك ثلاث دول اقليمية رئيسية في هذا الصراع علي المنطقة‏,‏ هي إسرائيل‏,‏ وتركيا وإيران‏,‏ بجانب دول خارجية ضالعة فيه بدرجة أو بأخري‏,‏ لكن امريكا هي الأكثر اشتباكا في هذا الصراع‏.‏

ولكل من الدول الثلاث طموحات‏,‏ تمشي فوق عجلات استراتيجية للسياسة الخارجية‏,‏ بعض مكوناتها ممتدة إلي جذور تاريخية‏,‏ وبعضها متطور‏,‏ يصنعه عالم يتغير‏.‏ ومن أبرز متغيراته اعتراف اكبر المؤسسات السياسية الأمريكية الرسمية‏,‏ بأن أمريكا تنتقل إلي عصر‏,‏ لم تعد تستطيع فيه وحدها‏,‏ حل الأزمات والمشاكل الاقليمية‏,‏ والدولية‏,‏ وأنها تحتاج إلي شركاء‏.‏

وهذه الطموحات كامنة في عمق المشروع الإسرائيلي‏,‏ الذي يعمل علي توسيع علاقاته في أنحاء العالم‏,‏ وخاصة في اسيا‏,‏ وسبق أن أفصح عن هذا التوجه‏,‏ ما سمي بخطة إسرائيل الاستراتيجية‏,‏ التي نشرت في مطبوعات جامعة إنديانا الأمريكية عام‏1997,‏ والخاصة بالتوسع لأبعد من نطاق الشرق الأوسط‏,‏ وهو نفس مضمون خطة المحافظين الجدد المنشورة في أوراقهم‏,‏ للتمكين الإسرائيلي من الشرق الأوسط‏,‏ لتكون المنطقة مرتكزا لانطلاقها إلي النفوذ عالميا‏.‏

هذه الطموحات لها صورة قد تختلف في المشروع التركي‏,‏ الذي يعيد ترتيب اوضاع الدولة‏,‏ التي تنتمي إلي الغرب وأوربا‏,‏ ولتكتسب ركنا في الشرق الأوسط‏,‏ وفي المنطقة العربية‏,‏ يصبح عنصر دعم لوجودها غربيا‏,‏ وإنعاشا لمكانة كانت لها تاريخيا في المنطقة العربية‏.‏

أما إيران فمشروعها الإقليمي كان قد تحدث عنه عدد من قادتها‏,‏ فور قيام الثورة الإسلامية عام‏1979,‏ وبدأت تتضح مكوناته بعد أن خلقت لها أدوارا في قضايا عربية في فلسطين ولبنان‏.‏

وهي تتجه نحو علاقات أوسع في افريقيا‏,‏ بعد دعم الروابط مع جمهوريات آسيا الوسطي الإسلامية‏,‏ المتاخمة لها‏.‏ والتمدد الإيراني مقصود به من ناحية أخري ان يكون ورقة مساومة مع الولايات المتحدة للاعتراف لها بدور اقليمي‏,‏ ثم دور اكبر دوليا‏.‏

إن من الطبيعي أن تكون لكل دولة استراتيجية لأمنها القومي وسياستها الخارجية‏,‏ هذا هو منطق إدارة الدولة‏.‏ وهو واجب أي نظام حكم‏,‏ أما فقدان الاستراتيجية‏,‏ فهو بمثابة التخلي عن ركن جوهري من أركان إدارة الدولة‏.‏

وهذا لا يمنع من الدخول في حوارات مع تركيا وإيران‏,‏ لأنها دول موجودة اقليميا ولها في المنطقة مصالح‏,‏ ومن المناسب التحاور معها ـ علي الأقل ـ لصنع حالة من التوازن الإقليمي‏.‏

ان أمريكا التي صارت أشد احتياجا للشريك القادر علي إدارة الاعباء الإقليمية‏,‏ سيميل ميزانها نحو الطرف الفاعل‏,‏ المجهز بمشروع وباستراتيجية‏,‏ تأخذ في اعتبارها المكونات المتغيرة لقوة الدولة التي تشمل المعرفة واطلاق الخيال والاستفادة من عصر المعلومات‏,‏ والقدرة الاقتصادية التنافسية‏,‏ والديموقراطية التي تمثل أقوي قاعدة لأمن الدولة وتقدمها‏.‏

ويبقي ان قدرة أي من هذه القوي ـ إقليمية ودولية ـ في هذا الصراع‏,‏ علي إضعاف معالم الهوية العربية‏,‏ ليست مطلقة‏,‏ لكنها محكومة بقدرة دول المنطقة العربية علي امتلاك إرادتها‏,‏ وصياغة استراتيجية أمنها القومي‏,‏ التي تحمي المجال الاقليمي العربي‏,‏ لأن تركه فراغا إستراتيجيا‏,‏ يغري غيرهم علي ان يشغلوه‏..‏ وتلك مسئولية تاريخية‏,‏ وواجب قومي‏.‏

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: