د. محمد السعيد إدريس - مختارات إيرانية 112
تحلي الخطاب السياسي لكل من الرئيسين الإيراني أحمدي نجاد والتركي عبدالله جُل في القمة الخامسة والعشرين للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري في منظمة المؤتمر الإسلامي (كومسيك) التي عقدت في اسطنبول يومي الثلاثاء والأربعاء (10/11 نوفمبر الجاري) يكشف عن قدر كبير من التقارب في المفاهيم، سواء ما يتعلق الطموحات أو ما يتعلق بالأدوار وخاصة في إطار منظومة العمل الإسلامي سواء كان جماعياً من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي أو ثنائياً بين إيران وغيرها من الدول الإسلامية وتركيا وغيرها من الدول الإسلامية.
الرئيس التركي عبدالله جل ركز في كلمته الافتتاحية بقمة الـ "كومسيك" على ضرورة تعزيز التعاون بين دول المنظمة لإيجاد الحلول المناسبة لمشاكلها بدلاً من الركون للحلول الخارجية، ودعا إلى تطوير التعاون المشترك لإعطاء المثل الأفضل عن الحضارة الإسلامية ورسالة السلام التي تحملها. أما الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد فطالب بوضع الآليات السلمية للتعاون بين الدول الإسلامية لخلق عالم جديد أكثر عدالة واستقراراً واتخاذ زمام المبادرة لتحسين مستقبل العالم الإسلامي بدلاً من الانتظار لفرض أجندات خارجية عليه.
حرص مشترك تركي- إيراني على إحداث حركة نهوض إسلامية تليق بالإسلام والمسلمين، واهتمام بضرورة عدم الركون إلى الخارج للحصول على حلول للمشاكل والأزمات التي تواجه الدول الإسلامية، وإعطاء الأولوية للحلول والآليات الداخلية الإسلامية.
هل هذا يعني أن هناك فرصاً حقيقية لتأسيس محور إيراني ـ تركي أو شراكة استراتيجية إيرانية ـ تركية يمكن أن تؤسس لخرائط جديدة للتحالفات والصراعات في إقليم الشرق الأوسط؟
السؤال بهذا المعنى يفتح أبواباً واسعة من عشرات الأسئلة الفرعية عن خريطة المصالح المشتركة بين إيران وتركيا، وإلى أي حد يمكن أن تتفوق هذه المصالح المشتركة على ما بين الدوولتين من خلافات ومنافسات يرقى بعضها إلى مستوى الصراعات؟، وهل أصبحت تركيا أولوية لإيران هذه الأيام ولماذا؟ وهل أصبحت إيران أولوية لتركيا ولماذا؟ آخذين في الاعتبارات أهمية ومركزية مصالح تركيا مع الغرب الأمريكي أولاً والأوروبي ثانيا ومع الدولة الإسرائيلية ثالثاً، وهي مصالح تعبر عن نفسها في تحالفات وشراكات اقتصادية واستراتيجية تتعارض مع إغراءات التقارب التركي مع إيران، لا سيما في ضوء عمق الخلافات بين الأطراف الثلاثة: أمريكا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل مع إيران.
زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لاسطنبول وترأسه وفد بلاده في مؤتمر قمة الكومسيك بعد أقل من اسبوعين من زيارة رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية لطهران، والذي طرح أفكاراً "أكثر ثورية" من منظور التحول في العلاقات التركية ـ الإيرانية، والتقارب في الأفكار الخاصة بالمهام الواجب القيام بها من جانب الدول الإسلامية بين كل من الرئيس الإيراني ونظره التركي، كل ذلك يزيد تلك التساؤلات تعقيداً خصوصاً أن ما دعا إليه أردوغان في طهران لقي ترحيبا شديداً من الزعماء الإيرانيين خاصة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي ورئيس الجمهورية محمود أحمدي نجاد.
أردوغان الذي استقبلته إيران بحفاوة بالغة يوم السابع والعشرين من أكتوبر الفائت كان قد حرص، قبل وصوله إلى طهران، على إدانة السياسة الغربية إزاء البرنامج النووي الإيراني، ودافع عن حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي، وحذر من أي سياسة عقابية ضد إيران يدفع ثمنها الشعب الإيراني على نحو ما حدث مع الشعب العراقي، كلنه، وأمام الحفاوة التي استقبل بها، والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي جرى التوقيع عليها ما جعله يتباهى بما تحقق من ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ستة أضعاف حتى وصل إلى 12 مليار دولار متوقعاً أن يصل بحلول عام 2012 إلى 20 مليار دولار، تجاوز كل ما هو متوقع من طموحات العلاقات التركية - الإيرانية عندما شدد على أن "إيران وتركيا محور للاستقرار في المنطقة"، وأكد على أن "للاعبين الدوليين فشلوا في تحقيق السلام العالمي"، وأنه لم يعد ممكناً "إملاء الحلول المشاكل المنطقة من خارجها".
أفكار ثلاثة شديدة الأهمية: أولها، أن إيران وتركيا أضحتا محوراً للاستقرار الإقليمي. وثانيها، فشل اللاعبين الدوليين في تحقيق السلام والاستقرار، والمقصود هنا هو فشل النظام الأمريكي ـ الإسرائيلي لقيادة الشرق الأوسط المفروض على المنطقة منذ عقدين تقريباً (خاصة بعد حرب تحرير الكويت عام 1991) وظهور فراغ إقليمي بات في حاجة إلى من يملأه. وثالثها، أن إيران وتركيا هما القوتان المؤهلتان لملء الفراغ في القوة حيث بات من غير المقبول أن تأتي أطراف من خارج الإقليم لإدارة شئونه.
هذه الأفكار تزداد أهميتها إذا أخذنا في الاعتبار الرسائل التي حرص أردوغان على إرسالها لكل من الحليفين التقليديين لتركيا: الولايات المتحدة وإسرائيل قبيل ذهابه بأيام قليلة لطهران خاصة إلغاء تركيا مشاركة إسرائيل في أهم مناوراتها الجوية السنوية مع حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة المعروفة باسم مناورة "نسر الأناضول"، وإقفال الأجواء التركية أمام المقاتلات الإسرائيلية، وتأييده حق إيران في التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، واعتباره أي عمل عسكري ضد إيران "ضرباً من الجنون"، وانتقاداته الشديدة للسياسة الأمريكية والإسرائيلية بالنسبة للشعب الفلسطيني.
تجاوب إيران مع هذه الأفكار كان ملفتاً ومثيراً، فإذا كان المرشد الأعلى السيد علي خامنئي قد تجاوب مع هذه الأفكار بالدعوة إلى تعزيز التعاون بين تركيا وسوريا وإيران والعراق، على نحو ما سبق أن دعا الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما يكشف حرصاً إيرانياً على مأسسة أفكار أردوغان، وربما يحمل طموحاً لتأسيس مجلس للتعاون الاستراتيجي الإيراني - التركي على نحو المجالس التي أسستها تركيا مع العراق وسوريا، فإن الرئيس الإيراني كان أكثر صراحة في التقاط أفكار أردوغان والبناء السريع عليها.
فقد أكد أحمدي نجاد على أن "تركيا وإيران يمكنهما أن يملآ الفراغ الناتج عن فشل سياسات الدولة الغربية"، موضحاً أنه "كلما وسعت الدول الإقليمية علاقاتها واقتربت من بعضها، كلما أمكنها حل مشاكلها والحد من أصحاب النيات السيئة الذين يتآمرون ضدها"، مشيراً إن "سياسات الدول الغربية في المنطقة تواجه حالياً مأزقاً حاداً وأزمات جَّمة والعالم اليوم بحاجة إلى سياسات جديدة".
هذه السياسات الجديدة، في رأي أحمدي نجاد، تبدأ بتوافق إيراني - تركي لملء فراغ انحسار القوة الأمريكية، من منطلق إدراكه لفشل مشروع السلام الأمريكي - الإسرائيلي بعد تنكر واشنطن لوعودها الخاصة برفض سياسة الاستيطان الإسرائيلية واعتبار وقف الاستيطان شرطاً أساسياً لبدء التفاوض الإسرائيلي - الفلسطيني، ورفضها لتقرير القاضي الدولي جولدستون الخاص بجرائم إسرائيل ض الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومن منطلق الوعي بأزمات أمريكا في أفغانستان والعراق ناهيك عن الأوضاع الداخلية الأمريكية التي من شأنها أن تفرض ذلك الانحسار الذي يجري الحديث عنه للدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
ما عبر عنه القادة الإيرانيون والأتراك على مدى الأسبوعين الماضيين قد يحمل رؤى جديدة مناقضة للمنظور التقليدي لهيكلية النظام الإقليمي الراهن في الشرق الأوسط، وهو المنظور الذي يحدد ثلاثة قوى إقليمية سياسية متنافسة في الإقليم هي إسرائيل وإيران وتركيا، ويجعل من إسرائيل دولة ساعية للهيمنة ومن إيران دولة مناوئة أي رافضة لهذه الطموحات الإسرائيلية وساعية إلى فرض نفسها قوة مهيمنة بديلة، في حين أن تركيا تقوم بدور الموازن الإقليمي.
قد يكون التوصيف صحيحاً بالنسبة لدور كل من إسرائيل وإيران، لكن المشكلة تتعلق بالدور التركي، حيث تكشف الأدوار والسياسات الإقليمية التركية الجديدة نحو العالم الإسلامي والشرق الأوسط أن تركيا حريصة على أن تكون قوة فاعلة وقائدة إقليمية، ربما بأدوات ووسائل مختلفة عن إسرائيل وإيران، لكنها، قطعاً لا تكتفي بدور الموازن أو الوسيط بين إسرائيل وإيران.
التوجهات التركية الجديدة تكشف أيضاً تقارباً مع إيران على حساب العلاقات التقليدية مع إسرائيل، لكن، وحتى الآن، من الصعب الحديث عن قطيعة تركية مع إسرائيل، أو عن أزمة في العلاقات التركية - الأمريكية، وربما يكون الأصح هو الحديث عن إعادة هندسة الدور الإقليمي لتركيا ضمن إعادة هندسة أوسع لخريطة توازن قوي وخرائط التحالفات والصراعات الإقليمية بما يتوافق مع أهداف وطموحات "العثمانية الجديدة" في تركيا التي يجري تأسيسها وفق منظومة أفكار زعماء حزب العدالة والتنمية الثلاثة: رجب طيب أردوغان (رئيس الحكومة وزعيم الحزب) وعبد الله جل (رئيس الجمهورية) وأحمد داوود أوغلو (وزير الخارجية).
طموحات قد تلتقي وقد تبتعد مع كل من إيران وإسرائيل حسب خريطة المصالح والأولويات التركية ووفق حاجات الأمن التركي وضرورات المصالح السياسية، وهي معادلة يبدو أنها ستبقى صعبة الفهم أو الهضم سواء من جانب إيران أو إسرائيل مع بقاء الدور العربي غائباً، إذ أن ظهور قوة عربية قائدة قادرة على المنافسة ربما يؤدي، ضمن ما سوف يؤدي، إلى مزيد من الوضوح لألوان الحركة التركية التي مازالت غير واضحة أو غير محددة المعالم، فمثل هذا الدور العربي سيكون قوة كاشفة للحقائق الغائبة في محتوى الدور الإقليمي التركي الجديد.