إيرانيون حوصروا في الشوف وجنبلاط حال دون مجزرة في صفوف المهاجمين
ماذا حصل في لبنان في الثامن والتاسع من مايو 2008؟
ربيع كلاس - الرأي العام الكويتية 30/5/2008
يتبين كل يوم أن حرب «حزب الله» على بيروت والجبل لم تكن ذلك «الانتصار المجيد»الذي حاولوا تصويره وتسويقه. وتقول مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت تابعت مجريات الأحداث الأخيرة عن كثب أن الأحداث الأخيرة التي شهدها لبنان كشفت تورطا إيرانيا مباشرا بعدما أسر مقاتلون دروز أربعة إيرانيين كانوا بين مجموعة مسلحة تضم نحو مئة وثلاثين عنصرا من «حزب الله» تسللت من البقاع إلى أعالي جبال الشوف، أي إلى تومات نيحا ومرستي والباروك تحديدا.
تعتبر هذه المصادر أن «حزب الله» حقق انتصارا عسكريا في بيروت، خصوصا أن مسلحيه الذين اجتاحوا قسما من العاصمة اللبنانية، أو ما يعرف ببيروت الغربية ذات الأكثرية المسلمة، لم يواجهوا مقاومة تذكر.
ولاحظت أنه لم تكن هناك ميليشيا سنية لدى تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري في مواجهة مسلحي «حزب الله»الذين تحركوا في أحيان كثيرة تحت علم حركة «أمل» التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه برّي.
وتضيف المصادر ذاتها أن الانتصار العسكري لـ«حزب الله» ما لبث أن تحول إلى هزيمة سياسية في ضوء العجز عن تحقيق مكاسب سياسية من جهة وبسبب اضطرار القيادة الإيرانية إلى إصدار أوامرها إلى مسؤولي «حزب الله» بالتوقف عن استفزاز أهل بيروت بعدما أخذت المواجهة طابعا سنّيا- شيعيا لم يعد في استطاعة طهران تحمله من جهة أخرى. وفسرت هذه المصادر عدم قدرة طهران على متابعة عملية إخضاع بيروت بالشرخ الشيعي- السني الذي يحولها طرفا في مواجهة على الصعيد الإقليمي لا مصلحة فيها أولا،ثم بامتداد المواجهات إلى مناطق لبنانية عدة بينها البقاع والشمال حيث ظهرت عناصر مسلحة غير منضبطة انحصر تركيزها على التصدي لكل من له علاقة بـ«حزب الله» من قريب أو بعيد أو بالأجهزة السورية التي استخدمت عناصر من الحزب السوري القومي الاجتماعي للاعتداء بشكل مكشوف على المؤسسات التابعة لتيار المستقبل وإثارة القلاقل.
وتشير المصادر نفسها إلى أن «حزب الله» اصطدم بعقبات عدة في سياق الهجوم الذي شنه على بيروت والجبل، على الرغم من أنه أعدّ له جيدا بدليل الطريقة التي اعتمدها في مهاجمة وسائل الإعلام التابعة لتيار المستقبل. إذ أحضر فنيين متخصصين في مجال البث التلفزيوني إلى مقر تلفزيون المستقبل بغية تعطيل أجهزة الإرسال فيه. إضافة إلى ذلك، هاجمت مجموعة مسلحة تابعة للحزب مبنى جريدة «المستقبل»، فيما تولى مسلحون من «الحزب السوري القومي» التابع مباشرة للأجهزة السورية إحراق المبنى القديم لتلفزيون المستقبل، حيث أرشيف التلفزيون، وإلصاق صور الرئيس بشار الأسد مكان صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وذكرت أن الأعداد الجيد للهجوم على بيروت لم يؤد إلى النتائج المرجوة لاعتبارات كثيرة في مقدمها تحول المواجهة إلى اعتداء يشنه مسلحون على أهل بيروت السنة الذين لن تكن لديهم أي أسلحة... والى صمود سعد الحريري ووليد جنبلاط اللذين لم يبارحا مقريهما في بيروت واعتمدا في الوقت ذاته على قوى الشرعية اللبنانية ممثلة بالجيش وقوى الأمن لتأمين الحماية لهما.
لكن العامل الأساسي الذي جعل «حزب الله» يخسر المواجهة الأخيرة، على الرغم من سيطرته على أحياء بيروت عسكريا، تعود إلى ما حصل في الجبل، في قضائي الشوف وعاليه تحديدا. وتقول المصادر الديبلوماسية الغربية في هذا المجال أن «حزب الله» كان يعتقد أن السيطرة على الشوف وعالية سيكون أشبه بنزهة، خصوصاً أن بيروت لم تظهر أي مقاومة أمام مئات المقاتلين الذين كلفهم الحزب اجتياحها وصولا إلى تطويق منزلي سعد الحريري ووليد جنبلاط وإطلاق قذائف في اتجاههما أصابت أحداها سورا محيطا بمنزل الحريري في قريطم. وأوضحت أن ما شهده الجبل، إلى جانب تمدد الاشتباكات إلى الشمال والبقاع، سيجعل «حزب الله» يعيد النظر في حساباته خصوصا أن معركة الجبل انتهت بهزيمة عسكرية كادت أن تكون ساحقة وأن تجرّ إلى مزيد من المعارك وتوريط مزيد من المقاتلين التابعين للحزب لولا تدخل وليد جنبلاط وفرضه التهدئة على أبناء الجبل الغاضبين. وأشارت في هذا المجال إلى أن «حزب الله» باشر ابتداء من يوم الثامن من مايو هجوما على الشوف وعاليه من محاور عدة. بين هذه المحاور بلدة الشويفات الساحلية الملاصقة للضاحية الجنوبية معقل «حزب الله». ومني الحزب بالشويفات بخسائر كبيرة بعدما أعتقد أن أنصار الزعيم الدرزي الأمير طلال أرسلان سيفتحون له أبواب الشويفات. لكن أنصار أرسلان في الشويفات انضموا إلى الأهالي الذين قاوموا المهاجمين وقتلوا منهم العشرات وذلك بعدما صارت المعركة شيعية-درزية. وبين الذين قتلوا في الشويفات قائد فوج التدخل لدى «حزب الله» ومساعده إضافة الى رئيس ما يسمى شعبة التذخير.
أما أبرز الذين قتلوا من الدروز فكان شاب يدعى علاّم ناصر الدين وهو مقيم في الشويفات ومن قرية دير قوبل القريبة منها. وإضافة إلى ناصر الدين الذي درس في إحدى جامعات لندن، قتل ثلاثة شبان أحدهم من عائلة السوقي من أنصار طلال أرسلان. وبلغ عدد القتلى بين أهل الشويفات الأصليين وسكانها نحو ثلاثة عشر، فيما قدّر عدد الذين سقطوا في صفوف «حزب الله» بالعشرات. وفي الوقت ذاته كانت تدور معارك في منطقة رأس الجبل في عاليه، كما كان هناك قصف على عيتات وبيصور وقرى أخرى حاول «حزب الله» الاستيلاء عليها انطلاقا من مواقع له في بلدتين شيعيتين في قضاء عاليه هما القماطية وكيفون.
ونقلت المصادر الديبلوماسية الغربية عن شهود أن عناصر «حزب الله» وقعت في كمين في منطقة رأس الجبل في عاليه. وقتل هناك نحو أربعة عناصر من الحزب. وترافق ذلك مع حشود لعناصر «حزب الله» في بلدة الجية الساحلية، وهي بلدة ذات غالبية ساحقة مسيحية مارونية في الأصل، وبلدة جون الشيعية–المسيحية الجبلية. وارتدت هذه العناصر بذلات شبيهة بتلك التي يرتديها عناصر أمنية رسمية. لكن المفاجأة الكبرى كانت في أعالي جبال الشوف حيث شن «حزب الله» هجوما أنطلق من منطقة البقاع الغربي (مشغرة - سحمر) باتجاه السلسلة الجبلية الممتدة من تومات نيحا جنوباً إلى جبل الباروك شمالاً مروراً بقرية مرستي. واستخدم الحزب في هذا الهجوم ما يزيد على 30 سيارة رباعية الدفع نقلت نحو 130 مقاتلا ارتدوا بذلات شبيهة ببذلات عناصر أمنية رسمية. لكن مسلحي «حزب الله» وجدوا أهالي المنطقة يحيطون بهم من كل جهة لدى وصولهم إلى هذه المنطقة من أعالي الشوف. وأدى الاشتباك الذي حصل ليلا في أعالي جبال الشوف إلى سقوط نحو عشرة قتلى بين المهاجمين الذين حوصروا وقطعت أمامهم سبل العودة إلى البقاع. وأكدت المصادر الديبلوماسية الغربية أنه كان بين المحاصرين أربعة إيرانيين يعتقد أنهم من عناصر «الحرس الثوري». ولم يفك الحصار إلاّ في الساعة الثامنة صباح التاسع من مايو بعد تدخل وليد جنبلاط وإلحاحه على عدم التعرض لمسلحي «حزب الله» والسماح لهم بالعودة من حيث أتوا مع جثث العناصر التي سقطت خلال الاشتباك... تفاديا لمجزرة ستترك أثارا سلبية على صعيد لبنان ككل.
ويروي مصدر ديبلوماسي نقلا عن أهل المنطقة أن ما أدى إلى الاستنفار الشعبي هو أن شابا درزيا من الشوف شاهد وهو عائد بعد ظهر الثامن من مايو إلى قريته من البقاع عناصر من «حزب الله» تستريح على قارعة الطريق. وأعتقد في البداية أن الجيش يقوم بتدريبات في المنطقة، لكنه فوجئ بالعناصر تطلب منه مغادرة المنطقة بسرعة، وبطريقة غير لائقة، ما جعله يشك في انتمائها إلى القوى اللبنانية الرسمية. ولما عاد الشاب إلى قريته، أبلغ الأهالي بما شاهده فحصل استنفار عام في المنطقة ما أدى إلى محاصرة مسلحي «حزب الله» بعيد دخولهم أعالي الشوف. وهكذا لعبت المعلومات التي جاء بها الشاب عن تسلل العناصر المسلحة دورا كبيراً في إفشال الهجوم الذي هدف «حزب الله» من خلاله إخضاع الجبل الدرزي وخلق توازنات جديدة على الأرض. وتبدي المصادر الديبلوماسية الغربية تخوفها من إعادة «حزب الله»الكرة ومهاجمة الشوف وعاليه بقوات أكبر في المرة المقبلة متى تسمح له الظروف بذلك!