التنظير الإخواني للأزمة في لبنان
أحمد محمود عجاج – المصريون 25/5/2008
انتهت المعركة في لبنان وتوجت كما العادة في العالم العربي بتبويس اللحى وتصافح الفرقاء والجميع قالها بصراحة أنها غيمة صيف وعبرت، ولنبدأ مجددا في بناء البلد. ماذا حدث للذين سقطوا؟ بالطبع هم شهداء وما أكثر الشهداء في عالمنا العربي!! لكن المشكلة لا تكمن في أن المسألة قد حلت، لأنها في النهاية لم تجد الحل على الإطلاق وما حدث ما هو إلا كما اعتدناه في عالمنا العربي إلا إبرة مورفين مخدرة تنسينا الآلام والأوجاع التي سرعان ما تعود بوجع اكبر عند انتهاء المخدر. ما حدث كان جولة أولى من حرب صامتة بين العالم العربي من جهة وإيران من جهة أخرى، وجولة اكبر بين إيران من جهة ومعارضيها من الأمريكان والغرب من جهة أخرى.
لا يهمنا هنا تفاصيل المعركة ولكن ما يهمنا هو كيف نوصفها، وكيف نكشف دقائقها لشعوبنا. هذا الأمر على ما يبدو ليس هينا لأننا نحن العرب وبالذات المسلمين مختلفون على تشخيص الأزمة، وكل منا كما يقول المثل: "يغني على ليلاه". ما حدث في بيروت نظَّر إليه كثيرون على انه اعتداء إيراني بثوب شيعي على العالم العربي والسنة، ونظر إليه آخرون من قيادات لها وزنها في العالم العربي سواء كانت إسلامية أو علمانية على انه حرب مواجهة مع الأمريكان. كمثال رأى الإخوان المسلمون أن المواجهة في لبنان ابعد ما تكون عن الحرب الطائفية بل هي حرب بين المؤيدين للأمريكان وبين المعارضين لهم. هكذا بكل سهولة، اختصروا المسألة وأراحوا أنفسهم من همِ ما يجري!!
بالطبع من حق أي تيار سياسي أن يؤمن بما يراه، ولكن من حق الشعب أن يعرف تفاصيل الموقف وتعقيداته لكي يتسنى له الحكم على صحة القرار، لأنه لا يكفي أن يقول مسؤول كبير مثل أبو العلا الماضي أن المواجهة هي بين معسكر ممانع ومعسكر موالي لأمريكا، وبالتالي لا تستدعي المسألة أكثر من ذلك، وكفى الله المؤمنين شر القتال. هكذا هم السياسيون المعارضون في عالمنا العربي، يقولون كلمتهم ويتوقعون أن المسألة حلت وأن الشعوب لا بد لها أن تطيع وتوافق، وبالتالي يصبحون نسخة لا تختلف عن الذين يقبعون في سدة السلطة. نعم، ما جرى هو مواجهة بين فريقين هما: حزب الله وتوابعه المعارضون لأمريكا وتيار المستقبل وحلفاؤه المتهمون بالوقوف مع أمريكا. لكن هذه القراءة إن بقيت في هذا الإطار تكون ناقصة ومضللة، ولا بد بالتالي من الذهاب بها أكثر، لمعرفة لون كل فريق وما هي أهدافه وطموحاته حتى نتمكن من الحكم على المواجهة في بعدها الحقيقي لا في قشرتها الظاهرية.
بداية لا بد من الاعتراف أن تيار المستقبل ابعد ما يكون عن الحزب، بل هو حشد جماهيري عاطفي تجسده الطائفة السنية التي عانت الأمرين أبان الوجود السوري، وزعيم التيار سعد الحريري يستمد شعبيته من التعاطف بعد استشهاد والده في بيروت. وقد زاد تعلق الطائفة بتيار المستقبل شعورها العام بأنها مستهدفة وانه لا بد من التكاتف حول التيار من اجل حماية مكتسبات الطائفة في ظل نظام طائفي تجد فيه نفسها الحلقة الأضعف بعد فترة المعاناة السورية. هذه الطائفة السنية قد تكون الأفقر في لبنان، لأن امتدادها الجغرافي هو في الشمال حيث الفقر على أشده، ولم تلق الاهتمام والرعاية لا من الدولة ولا من أغنياء السنة ولا من الدول العربية السنية الغنية؛ وبما أنها فقيرة وضعيفة بالمقارنة مع حزب الله وحركة أمل اللذين يمثلان الطائفة الشيعية، وبالمقارنة مع الموارنة الأغنياء، فإنها اختارت، في هذه المرحلة الحساسة، أن تكون لصيقة بسعد الحريري الذي يحظى بدعم عربي قد يكون مفيدا لها في المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان. فالسنة في لبنان يعرفون أن سعد الحريري ليس بحجم طائفته وأن الحاشية التابعة له ابعد ما تكون عن تجسيد رؤى الطائفة، ولكن تلك الطائفة لا خيار أمامها بعد سني المعاناة التي مرت بها والتي حرمتها من كثير من القيادات ومنعت ولادة الجديد منها. نعم، للطائفة الكثير من الاعتراضات على سعد الحريري، ولكن من الصعب توجيه النقد له، والطائفة كلها في موقف صعب، لدرجة أن الجماعة الاسلامية في لبنان، تقف في صف الحريري لا قناعة به بل إيمانا بالخطر على الطائفة ومستقبلها.
بالمقابل ثمة حزب قوي هو حزب الله يمثل الطائفة الشيعية ويلتف حوله الشيعة ليس في لبنان فقط إنما في العالم العربي، خاصة بعدما تمكن من مواجهة إسرائيل والصمود في وجهها. هذا الحزب لا يمكن على الإطلاق التقليل من أهميته بل قد تحول إلى عنصر هام في المعادلة السياسية المحلية والإقليمية والدولية. وقد يكفي لتجسيد تلك المقولة القول انه احتل بيروت الغربية في غضون ساعات، وتمكن من السيطرة عليها وكان بوسعه أن يسيطر على لبنان كله لو أراد. لا يخفي حزب الله انه تابع لإيران، وزعيمه حسن نصر الله يؤكد انه مع ولاية الفقيه، وانه مستعد لتنفيذ ما يؤمر به من باب المبايعة الدينية. وقد أنفقت إيران البلايين لدعم هذا الحزب وجعله قوة بارزة يمكن أن تستخدمها في إطار سياستها وأهدافها المرسومة للمنطقة. هذه قضايا لا احد يجادل بها، وبالتالي يكفي أن نقول أن ثمة ترابط ديني وعسكري وسياسي واجتماعي متين بين حزب الله وإيران.
هذا يستدعي السؤال الثاني: ماذا تريد إيران؟ قبل كل شيئ يجب الاعتراف أولا أن إيران دولة إسلامية محكومة بنظرية أسمها ولاية الفقيه، التي لا تدين بها أغلبية شعوب المنطقة ولا حتى شريحة كبيرة من الطائفة الشيعية. هذه النظرية تتميز بأنها خارجة عن المألوف العقدي الشيعي وترى انه يجب عدم القعود وانتظار الإمام ولا بد من العمل والتحرك من اجل إعداد الساحة لعودته المظفرة. واستنادا إلى الكاتب والي ناصر وهو أكاديمي شيعي وصاحب كتاب " التجدد الشيعي" فإن الخميني بنظريته كان يطمح إلى أن يعيد مجد الإسلام ولكن تحت راية شيعية تماما كما فعل الأتراك عندما حملوا راية الإسلام السني؛ ولكي يتسنى له التوصل إلى هذا الهدف كان لا بد له من بناء القوة الشيعية أولا وبعدها يجري العمل على إقناع بقية المسلمين بأية طريقة مناسبة.
لقد استطاع الخميني أن يوحد الشيعة خلفه ويبعث الأمل لديهم بأنه بالإمكان تحقيق دولة خاصة بهم قادرة على أن تكون قوة عظمى تجابه أمريكا في نهاية المطاف. وليس ثمة دليل اكبر على انه قد نجح في ذلك من قول الإمام السني أبو الأعلى المودودي بأنه كان يتمنى لو انه حقق ما حققه الخميني.
بعد تسلم نجاد السلطة وهو بالمناسبة فرد من بين مجموعة من الأشخاص كان يطلق عليها في إيران " حجتي" التي ترى انه لا يمكن لأحد أن يكون نائب الإمام الغائب وانه يجب تسريع العمل من اجل عودته. وثمة كثير من التقارير التي تؤكد أن الرئيس احمدي نجاد يؤمن إيمانا قاطعا بأنه في مسيرة مقدسة ستتوج بعودة الإمام، ولذلك فإنه يتابع بناء إيران عسكريا لتكون جاهزة لساعة الصفر. ولا غرابة ان نرى أن إيران لها اذرع قوية في المنطقة الآن، بدءا بلبنان ومرورا بسوريا وتعريجا على العراق، ناهيك عن اليمن وسهولة الانقضاض على دول الخليج الرخوة والطرية.
وهكذا فإن إيران تحولت إلى قوة إقليمية فاعلة قادرة على أن تحدد مسار دول المنطقة وما حدث في لبنان كان الدليل الأكبر على نفوذها، لأنها هي التي أعطت الضوء الأخضر لعناصر حزب الله من اجل دخول المنطقة الغربية السنية في بيروت، وهي التي ترجاها العرب على لسان أمير قطر من اجل القبول بحل عربي، وكان أن قبِل العرب بحل إيراني مغطى بثوب عربي لا كما يتبجح عمرو موسى بلا خجل ولا حياء بأن الحل عربي مائة في المائة!!
إذن عندما يقول الأستاذ أبو العلا الماضي والمرشد العام للإخوان في مصر إن الصراع بين معسكر الممانعة ومعسكر الموالاة لأمريكا يكونون ابعد ما يكون عن حقيقة الصراع. ويبدو إن قادة الإخوان سواء في مصر والأردن يختلفون حتى مع الإخوان في لبنان الذين يرون أن ما يحدث هو عكس ما يُنظِّرون له، وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على التفكك الترابطي بين قيادات تلك الحركة، ويدل على أن القيادة في مصر والأردن لم تعد ترى الصورة الكلية للأزمة بل تحكم على جزئياتها وتتحرك ضمن مدارها وسياقها. ويبدو أن حركة الإخوان بالذات وهي حركة تاريخية لها فضل كبير على التجدد الإسلامي الحركي، لم تعد تملك الزخم والرؤية الذي جسدهما رجلها الأول المرحوم حسن البنا، وأصبحت تعمل على خط سياسي بحت يهدف بالدرجة الأولى إلى الحصول على السلطة لأنها كما تعتقد هي الجائزة الكبرى. وبالطبع عندما تكون السلطة هي الهدف فإن القضايا العقدية والإيمانية قد تنزل أهميتها لمرتبة متدنية على أساس فقه الأولويات الحركي السياسي والتفكير الميكافيلي.
ما يحدث في لبنان ليس كما يقول مرشد الإخوان ولا المنظر السياسي أبو العلا الماضي، ولا غيره بأنه مواجهة بين معسكرين أمريكي وثوري إنما هو تمدد إيراني ناشط تحت يافطة ثورية لا يطمح فقط إلى الهيمنة على بلد صغير مثل لبنان إنما إلى السيطرة على العالم العربي كله. هذه هي الصورة الكبرى، وعلى العقلاء أن يعوا المسألة ويُفهموا إيران أن ليس من مصلحتها المضي بهذا المشروع لأن فيه الكثير من التعقيدات والحساسيات التي قد لا تعود بخير على احد، وعلى قادة الإخوان أن يعترفوا أيضا أن التبسيط السياسي للصراع لن يكون ضرره محدودا بل سيكون اكبر بكثير مما يظنون وقد يتجاوز الحسابات الضيقة التي يحسبونها في صراعهم على السلطة في مصر.