الفائز بالمركز الأول في قائمة أهم 100 مفكر في العالم
فتح الله جولن يرفض تطبيق الشريعة..
أمنية النجار - صحيفة القاهرة 22 يوليو 2008
يثير رجل الدين التركي فتح الله جولن حيرة الكثيرين كما يثير العديد من علامات الاستفهام عما إذا كان يمثل سماحة الإسلام واعتداله ودعوته للسلام العالمي أو عما إذا كان جولن وحركته مجرد محاولة لتمرير الشريعة الإسلامية إلى حكم تركيا العلمانية. وقد تجددت هذه الحيرة بعد أن حصل مؤخراً على المركز الأول في استفتاء أجرته كل من مجلة الفورن بوليسى الأمريكية ومجلة بروسبكت البريطانية حول أهم مائة مفكر في العالم.
أنصار كثيرون
ولد فتح الله جولن في السابع والعشرين من أبريل عام 1941 في قرية ارزوروم في شرق تركيا.
وبدأت شعبيته الواسعة منذ عمله كإمام وواعظ في المساجد منذ الستينات من القرن الماضي، واليوم يقدر عدد أنصاره بنحو أربعة ملايين شخص حول العالم. وفي عام 1978 أسس حركته الخاصة والتي اقتحمت ميدان العمل في مجالي التعليم والإعلام بالتركيز على الدعائم الروحية والأخلاقية للإسلام هو الهدف المعلن للمؤسسات التعليمية التي أنشأتها الحركة والبالغ عددها نحو 600 مؤسسة على مستوى العالم وهي تعد الطلبة لتحقيق التوازن بين العلم والإيمان وفقاً لتصورات جولن عن الإنسانية العالمية.
كما تأثرت حركة جولن بأفكار مؤسس حركة النور بديع الزمان سعيد النورسي وبأعماله ولاسيما كتاب "رسائل النور" الذي لاقى قبولاً كبيراً بين الشباب منذ الخمسينيات من القرن الماضي بسبب تأكيده على عدم التعارض بين العلم والإيمان حيث أن الإيمان لا يتعارض مع العقل والمنطق، وعلى ضرورة عدم خلق هوة بين الغرب والشرق.
الإسلام التركي
حركة جولن تشتهر أيضاً بتقبلها لكافة الفئات الدينية والعرقية في تركية وبما يطلق عليه "الإسلام التركي" وهو نوع من الإسلام المعتدل والراجع في أصوله إلى تأثير المتصوفة. ويحدد جولن ما يعنيه بخصوصية الإسلام التركي قائلاً إن العالم المسلم أجمع مدين لمكة والمدينة. أما الدين التالي فهو لآسيا الوسطى وخاصة في ميادين الحديث والتفسير، والفقه، وقد فسرت الأمة التركية الإسلام في المجالات المفتوحة للتفسير وبذلك أصبح للإسلام مدى واسع للتفسير بحيث كان دين الدول العظمى. كانوا دوماً منفتحين على الفكر الصوفي أو الحياة الروحية للإسلام وقد انتشرت الصوفية بين الأتراك أكثر من انتشارها بين أي من الشعوب الأخرى.
وفي الوقت الذي تشهد فيه الساحة السياسية التركية شداً وجذباً بين الإسلاميين والعلمانيين، يرى جولن أنه لو تم تحقيق هدفي إضفاء الطابع الإسلامي على الكماليين والقوميين من ناحية، والتمسك بمعادلة الإسلام التركي من ناحية أخرى فقد ينتهي الصراع بين الجانبين بحيث تختفي فكرة الصراع الأساسي بين الدين والدولة فعندما يرى الكماليون الإسلام خارج نطاق الصراع لتطبيق الشريعة ويرى الإسلاميون العلمانيين خارج نطاق معادلة الدين يمكن للمجتمع التركي تحقيق معادلة سياسية جديدة يكون فيها الإسلام رمزاً للهوية وليس لسلطة الدولة كما يرى جولن أن هذه المعادلة هي الأقرب إلى تحقيق هدف الاندماج في الاتحاد الأوروبي.
الإسلام المعتدل
وعلى الرغم من تخوف العلمانيين في تركيا من نوايا جولن، فإنه أبدى في أعماله رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية كما أبدى نقده الشديد لنظام الحكم في إيران. ويعتبر جولن أن الديمقراطية هي أفضل نظم الحكم كما يرى أن النظام المجمهوري هو الأقرب لنظام الشورى في الإسلام. ويقول جولن عن علاقة الإسلام بالديمقراطية إن هؤلاء الذين يتبعون منهجاً أكثر اعتدالاً يؤمنون أنه من الأفضل التعامل مع الإسلام كمكمل لديمقراطية وليس كإيديولوجية، مثل هذا التأول للإسلام يمكنه أن يلعب دوراً مهماً في العالم الإسلامي عن طريق إثراء الأشكال الإقليمية للديمقراطية وتوسيعها بحيث تساعد المسلمين على فهم العلاقة بين العالمين الروحي والمادي وأنا أومن أيضاً أن الإسلام سيثرى الديمقراطية عن طريق تقديم إجابات لاحتياجات البشر مثل الرضا الروحي الذي لا يمكن تحقيقه سوى عن طريق تذكر الوجود الأبدي لله، كما يضع جولن أربع دعائم للحياة الاجتماعية للدين كحاجة روحية، القانون القيم والقوة. هذه الدعائم هي من وجهة نظره لضمان تحقيق القيم الإنسانية وحمايتها بعيداً عن التعصب ويعرف جولن أن المسلم الذي لا يسلم الآخرون من لسانه ويده عليه مراجعة مبأدئ دينه.
أهداف حركة جولن المعلنة حول الترويج لسماحة الإسلام المعتدل لم تمنعها من تأييد فكر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا كما أنها لم تمنع من اتهامه بالتآمر لتضيق الشريعة في تركيا وهي التهمه التي برأته منها محكمة الاستئناف بأنقرة في مارس الماضي وكانت دراسة اعتدتها مؤسسة راند الأمريكية العام الماضي حول بناء شبكات من الإسلاميين المعتدلين قام بها الباحثون شارلي بينارد وأنجل رابسا ولويل شوارنز وبيتر سكيل قد ضمت حركة جولن ضمن الحركات التي تصلح لتأسيس شبكة حوار مع العالم الإسلامي و تضم ثلاثة قطاعات هي: العلمانيون، الإسلاميون الليبراليون، والإسلاميون المعتدلون بما فيهم المتصوفة ووفقاً لهذه الدراسة، فإن القطاع الثالث يمثل الغالبية العظمى من سكان العالم الإسلامي الذين ينتمون إلى الإسلام المحافظ وتفسير المدارس الفقهية الأربع ووصفت الدراسة حركة جولن بأنها تنتمي للصوفية المتمدنة التي تعارض فرض الدين على الدولة باعتبار أن الدين يمثل خصوصية فردية.
وأشارت الدراسة إلى أن الإسلاميين المعتدلين قد يمثلون بديلاً أفضل من النظم الشمولية غير المحبوبة شعبياً في بلادهم، كذلك يشير الصحفي الألماني جونتر زويفرت تحت عنون "ماذا يجري في تركيا؟" الذي يرى أن سطوة الجيش والحزب الشعبي الجمهوري بدأت تأخذ شكلاً شمولياً في الوقت الذي لم يبد فيه حزب العدالة والتنمية أية مظاهر تؤكد أنه يمثل خطراً إسلامياً وفيما يرى الكماليون أن رجلاً مثل فتح الله جولن يمثل "شيطاناً في ملابس شيخ" يهدد علمانية تركيا، فإن تزايد عدد أنصار جولن يمثل إحراجاً للعلمانيين الذين يتحدثون عن الديمقراطية في الوقت الذي يفشلون في استخدام خطاب يحقق اندماجاً سياسياً للطبقات الفقيرة وللأقليات في تركيا.
ويرفض فكر جولن بوضوح الفكر الجهادي وكان من أوائل رجال الدين المسلمين الذي أدانوا أحداث 11 سبتمبر حيث صرح بأنه يكره أسامه بن لادن الذي يمثل والرجال الذين يعملون معه وحوشاً أساءت لصورة الإسلام إساءة بالغة قد تكلف المسلمين عقوداً حتى تتخطى نتائجها، هذا الهجوم الصريح تبعته محاولات عدة من قبل جولن لنشر صورة سمحة عن الإسلام من خلال كتاباته المتعددة وكذلك من خلال لقاءاته مع رموز غربية تحت إطار حوار الأديان، وكان من أهمها اللقاء مع بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني.
جولن المقيم حالياً في الولايات المتحدة أصبح حراً في العودة إلى تركيا بعد أب برأته محكمة الاستئناف من تهم التآمر لقلب النظام الحكم هذه العودة المرتقبة يراها بعض من معارضيه بأنها ستكون بادرة لتحويل تركيا إلى نموذج إيراني، غير أن الصحفي التركي ضياء مبرال كتب تحت عنوان "فتح الله جولن ضد آية الله خوميني" يقول أن المقارنة بينهما هي مقارنة مغلوطة تشير إلى فشل الديمقراطية التركية وليس إلى كابوس التحول الإسلامي.