بين الدور الإقليمي لإيران والحرب عليها
مهى عون - الملف نت 20/7/2008
حتى كتابة هذه السطور، لم تأخذ المفاوضات الجارية على قدم وساق بين الولايات المتحدة وإيران، أي منحى يبشر بنهاية أو بحلول على صعيد الملف النووي العالق، وبين الاحتمالات المطروحة والمتداولة حالياً، والذي يتمحور أولها حول الدور الإقليمي الذي تطالب به إيران، والذي قد تحصل عليه في آخر المطاف، وثانيها حول الضربة العسكرية عليها، يغيب الموقف العربي واضح المعالم، نتيجة انحسار الخيارات المطروحة بين موقفين أحلاهما مر.
وفي ظل تخوف العرب من الضربة العسكرية نظراً لاحتمالات تداعياتها العسكرية، ولخطورة ارتداداتها البيئية على منطقة الخليج، لم تصدر حتى الساعة سوى مواقف فاترة ورمادية لا تعبر عن حقيقة المخاوف، وعن مدى القلق الذي استولده عربياً الإعلان عن دور إقليمي محتمل لإيران، ورد ضمن سلة الحوافز التي قدمت لطهران عبر المسؤول عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، وذلك تناغماً مع رغبتها التاريخية بالتحول إلى إمبراطورية إقليمية. وتعزو بعض المصادر ضبابية الموقف العربي تجاه سلة الحوافز السخية المقدمة لإيران لعدم وقوف الأطراف العربية حتى الساعة على تفاصيل مضامين هذه الحوافز وعلى مراميها الحقيقية.
في كل الأحوال يظل الصوت العربي الخافت تجاه خطورة الطرح البديل عن الضربة العسكرية، يمهد لتمادي العالم الغربي بتقديم تنازلات وتقديمات على حساب التوازن الإقليمي التاريخي، والذي حقق حتى اليوم الأمن والاستقرار عبر العالم العربي والإسلامي قاطبة. ومن غير المستبعد أن يؤدي أي تخريب داخل هذا التوازن القائم إلى نتائج خطيرة لا تحمد عقباها، من ناحية خلق أرضية نزاع طائفي على صعيد العالم الإسلامي، وما بين السنة والشيعة تحديدا.
وبالتالي إذا كان لا بد من شرب احدى الكأسين المرتين المطروحتين حالياً، قد لا يكون من باب المبالغة، أو من باب الترحيب أو الترويج للحلول العسكرية المقيتة، القول أن تداعيات الضربة العسكرية في حال نفذت بشكل جراحي ومحدود، هي أقل خطورة مما قد يحدث في حال تمكنت إيران وبغطاء دولي من تحقيق حلمها الدائم بالتحول إلى دولة عظمى إقليمياً على شاكلة الإمبراطورية العثمانية. والضربة العسكرية إذا كان لا بد من تجرع مرها تظل مرورتها أخف من علقم السيطرة الإقليمية لإيران من دون أي كوابح أو ضوابط تحد من هذا التمدد لا في المدى ولا في المدة.
ورغم ورودها وندرتها، ولكن توخياً للدقة والموضوعية، لا بد من التذكير بمواقف صدرت في صحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 15 يونيو 2008 عن جهات خليجية غير محددة، عبرت بالتحديد عن هذه المخاوف، إذ اعتبرت"أن إيران من دون دور إقليمي معترف به دوليا تحتل الجزر الإماراتية، وتسيطر على الأهواز العربية، وتلوح كل فترة بالمطالبة بالبحرين، فما يا ترى قد يكون المنتظر في حال أعطيت مساحة حقيقية في الحضور الإقليمي أو الدولي". وفي سياق هذه المخاوف التي تثيرها حاليا الحلول البديلة عن الضربة العسكرية، ثمة أسئلة تطرح نفسها وتتمحور حول الضمانات التي سوف تقدمها إيران بعدم نكثها بوعودها في تعليق مشروع التخصيب ظاهرياً، ومن ثم العودة إليه سراً بعد حصولها على سلة المكاسب والمغريات المقدمة لها من المجتمع الدولي. ورب سؤال أيضاً بشأن قوة السيطرة والدفع التي ستتمكن منهما في حال امتلاكها سراً لسلاح نووي، قد يساعدها مستقبلاً على تمكين قبضتها على الأقطار العربية المجاورة حيث تهيمن حالياً،كالعراق ولبنان وفلسطين، أو من أجل توسيع هذه الهيمنة باتجاه أقطار إسلامية أو غير إسلامية أبعد.
والواقع يشير إلى أن انطلاقاً من أفغانستان مروراً بالعراق وصولا إلى سورية ولبنان وفلسطين والأردن، وصولاً أيضاً إلى المغرب العربي، يشهد القرن الحالي نشاطا تشييعيا تؤديه إيران، يمكن وصفه بغير المسبوق، تمارسه بكل الوسائل المتاحة. منها الترغيبية عبر الإغراءات المادية، أو الأيديولوجية عبر الترويج لعقيدة الجمهورية الإسلامية، كما هو حاصل في سورية والأردن والمغرب العربي، ومنها الترهيبية وبوسائل العنف والتهديد المباشر أو غير المباشر بواسطة الحلفاء كما هو حاصل في فلسطين ولبنان والعراق. وعلى سبيل المثال قد تكون أحداث بيروت الأخيرة والتي أحرق حزب الله فيها مؤسسات إعلامية ومراكز تابعة لتيار المستقبل خير دليل على التدخل العنفي الإيراني بحياة الشعوب، والذي أدى في لبنان إلى حصول ممثلي حزب الله أو حلفائه على الثلث المعطل في تشكيلة الحكومة الجديدة، وهو مطلب لم يتمكنوا من الحصول عليه بالطرق السلمية وإنما عن طريق نصب الخيم في قلب العاصمة اللبنانية على مدى سنة ونيف.
لذا لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها، والقول بأن وأد المشروع النووي الإيراني كان يجب أن يتم في مهده، أي قبل أن يتحول إلى قضية "قومية" في إيران، وقبل أن يصبح أي تراجع فيه حالياً يعد نكسة للسلطة القائمة ولنظام الثورة الإسلامية عموما. في كل الأحوال ومن منطلق إن الحل الأفضل هو الحل الأبكر، والبارحة أفضل من اليوم، قد يكون ولوج مخرج الحسم النهائي اليوم هو أفضل من الغد. فالتخلص من هذا المشروع يصب في مصلحة دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر، ولبنان، والأردن، وفلسطين، وأفغانستان، والعراق، والمغرب العربي، ومنه في مصلحة العالم أجمع.