الممانعة التي يراد بها باطل
الأحد 3 أغسطس 2008
الممانعة التي يراد بها باطل
موقع العصر- الطاهر إبراهيم - 14/7/2008
ليست واشنطن وحدها فقط من يكيل بمكيالين. وليس الغرب الأوروبي وحده الذي يغمض عينه عن الحقيقة إذا كان له مصلحة في ذلك. وليست الأنظمة العربية القمعية فقط من يقمع الرأي الآخر. وليس الشيطان الأخرس هو وحده من يسكت عن الحق.
فقد انقلبت الموازين حتى أصبحنا نرى دعاة الوطنية والمناضلين ضد الاستعمار والصهيونية والمنادين بالحرية للشعوب المستضعفة، قد اقتبسوا كثيرا من سلوكيات واشنطن والغرب الأوروبي والأنظمة القمعية. وأهونهم عريكة تحول إلى شيطان أخرس، وقد اعتصم بالمقولة "ربي أسألك نفسي" ، ليس بمفهمها الديني، بل هروبا من أن يمد يد العون للمستضعفين في الأرض.
وحتى لا أتوسع كثيرا في الموضوع، فأضيع بين شعابه ويضيع القارئ معي، فسأكتفي بأن أشير إلى أن بعض القوميين العرب والإسلاميين، أحيانا، وجدوا ضالتهم في زعماء عربٍ رفعوا راية العروبة، فشتموا أمريكا، وووجهوا إعلام أنظمتهم لينفخ في بوق الحرب ضد إسرائيل، ونادوا بالحرية للشعوب المقموعة، فصدقهم الناس، حتى أسبغوا عليهم صفات، لو سمعهم الغريب لظن أنها صحيحة.
المشاركون في مؤتمر الأحزاب القومية العربية والإسلامية، أُحْبِطوا من كثير من الزعماء العرب الذين أسقطوا من أجندة أنظمتهم القتال طريقا آخر ـ على الأقل ـ لتحرير فلسطين. فيمم هؤلاء القوميون وجوههم شطرَ حكام عرب آخرين، غرهم منهم أنهم رفعوا ـ إعلاميا فقط ـ راية مقارعة إسرائيل. كما أن البعض الآخر من الزعماء خرج بمقولة أنه سيرمي إسرائيل في البحر.
حد الزعماء العرب دعا إلى التوازن الإستراتيجي مع إسرائيل، حتى يتمكن من الصمود، ثم ينتقل بعدها لمرحلة التصدي، فاستقطب حوله أحزابا إسلامية من أقطار عربية أخرى، مع أنه ما يزال إخوانهم منفيين في الأرض. فإذا عادوا فإن الإعدام ينتظرهم بموجب قانون سنه ذلك الزعيم وما زال ساري المفعول حتى الآن.
وعندما سقطت مقولة إلقاء إسرائيل في البحر، أو حتى مقارعتها بالقتال، وفشلت نظرية التوازن الاستراتيجي، رفع الرئيس السوري بشار أسد مصطلح الممانعة، الذي يعني رفض الانضواء في حظيرة الأنظمة التي حذفت من أجندتها الكفاح لاستعادة الحقوق الفلسطينية، واكتفت بالسلام فقط طريقا إلى استعادة تلك الحقوق.
ابتداء، نحن نشجع أي زعيم عربي ـ مهما كان بيننا وبينه من خصومة ـ يقف موقفا يرفض فيه الاستسلام للحلول السلمية فقط. لأن من مصلحة الجميع أن يكثر الذين يرفضون سياسة التطبيع مع إسرائيل، على أن لا يكون إعلاميا فقط، وما كلفنا الله أن نشق على قلبه.
للأمانة، إن بعض التيارات الإسلامية وجدت نفسها محرجة أن تقف ضد نظام آوى منظمات فلسطينية، مثل حماس، التي تسعى لاستعادة الحقوق الفلسطينية بالقتال أو بغيره ولم تسقط من قاموسها الكفاح المسلح، وإن كانت تقبل ـ مؤقتا ـ بالحل التفاوضي.
قد يُقبل من حركة حماس أن تتحالف مع نظام يسمح لها بالإقامة، لأنها لا تجد أرضا أخرى تؤويها. وقد نقبل ـ على مضض ـ من أحزاب إسلامية أن تفتتح علاقات مع النظام السوري على أن لا تتغاضى عما يمارسه مع إخوانهم، بحجة أن النظام يؤوي قادة حماس. ولا يقبل من تلك الأحزاب أن تقول: طالبنا بحل كريم لإخواننا السوريين المهجرين وما استجيب لنا، وكفى الله المطالبين شر العتاب، إذ لا بد من المتابعة والضغط، ثم التلويح بمفاصلة النظام، إذا تبين لهذه الأحزاب أنه يسوّف ويماطل.
إذا كانت هذه الأحزاب القومية والإسلامية قد بنت موقفها من أنظمة عربية اتخذت الممانعة شعارا لها، فهاهي تلك الأنظمة العربية طرحت الممانعة جانبا وانخرطت في مفاوضات مع إسرائيل، سرا أو جهرا، فلا يهم شكل التفاوض عندما يتم اختراق المبادئ.
قيل لقياديين إسلاميين في قطر عربي مجاور: لم نسمع لكم موقفا مما حصل للمعتقلين في سجن "صيدنايا"؟ قالوا لم نعلم بالأمر إلا متأخرا. قيل لهم: وقد سمعتم الآن؟ لا جواب. حتى القضايا الشكلية تم تجاوزها وسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب "الإسلاقومية" بعد أن تبين أن نظام الممانعة الذي "يأرزون" إليه مرة أو مرتين في العام، قد خلع رداء الممانعة، ويفاوض إسرائيل في تركيا، سرا أو جهرا، فالشكل لا يهم.
فقد أعلن الرئيس السوري (في مقابلة له مع "الجزيرة" القطرية في يوم 13 تموز الجاري) (إن النتيجة المنشودة بعد السلام مع إسرائيل، هو افتتاح سفارات وإنشاء علاقات عادية أو طبيعية سمها إن شئت "تطبيعا"، فالألفاظ لا تهم كثيرا). ونسأل هؤلاء القوميين والإسلاميين عن موقفهم من الممانعة والممانعين بعد هذا الكلام المبين؟ لا جواب.
كنا سابقا نَعذُر، عندما كان يقال لنا إن هناك محاولة لاستقطاب زعامات عربية للوقوف في وجه المشروع الأمريكي الإسرائيلي. أما الآن فقد سمعنا من الرئيس السوري ـ على هامش مؤتمر باريس المتوسطي ـ أنه الآن يفاوض إسرائيل بوساطة تركية. وعندما تنضج الطبخة لا بد من الراعي الأمريكي. مع ذلك ما سمعنا أن رموزا قومية إسلامية تداعت إلى مؤتمر لتقول فيه كلمتها في ما يجري. وإذ لم تفعل، فإنا نقول لهم "بالمشرمحي بالقلم العريض": إن "الممانعة" كلمة حق أريد بها باطل. وإن الباطل لا يغني من الحق شيئا.
 
 
بطولة جديدة للبعث السوري
جمال سلطان – المصريون 09/7/2008
كنت أستمع إلى الأخبار من هيئة الإذاعة البريطانية أثناء سفري، وكان الخبر الرئيسي عن أحداث معتقل "صيدنايا" العسكري السوري، حيث يقبع هناك عدة آلاف من الشباب الإسلامي السلفي التوجه، بدون أي تهمة سوى الاتهام بالسلفية، ولتلك التهمة خلفية سنتحدث عنها، كانت البي بي سي تتحدث عن وقائع دقيقة من خلال تقارير عن منظمة حقوقية لها مصداقيتها ونفوذها في سوريا، بالإضافة إلى اتصالات نجحت في الوصول بها إلى معتقلين داخل السجن تم تهريب هواتف نقالة إليهم.
وكان صوت أحد المعتقلين وهو يتحدث كأنه طلقات رصاص، تحدث بالتفصيل الكامل عن المذبحة والحرائق وإهانة المصحف الشريف أمام المعتقلين لتحطيم معنوياتهم، على طريقة الأمريكان في جوانتانامو.
كما نجحت البي بي سي في الاتصال بمواطنين سوريين كانوا يحاولون زيارة أبنائهم ووصفوا لنا كمستمعين المشهد الذي يرونه بكل دقة، ومع ذلك ظللت أقلب القنوات العربية والإذاعات العربية طوال الليل وحتى صبيحة اليوم التالي فلم أجد أي إشارة، الكل صمت والكل ابتلع لسانه.
من الطبيعي أن ينفي البعثيون في سوريا أخبار المذبحة، ولكن يكون فضيحة إعلامية بامتياز أن تتجاهل الخبر قنوات فضائية، كانت تنقل لنا "دبة النملة" في القاهرة أو الرباط أو الخرطوم، ناهيك عما كان يحدث في العراق أو أفغانستان، لو وقعت تظاهرة من اثنين فقط في ميدان التحرير نجد صورتها بعد نصف ساعة على الهواء في أكثر من فضائية إخبارية عربية كبرى، أما المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من خمسة وعشرين قتيلا ومئات الجرحى وما زالت فصولها دائرة حتى صباح أمس، فلم نسمع عنها شيئا، وأغمضوا أعينهم وصموا أذانهم، ربما لأنه من غير اللائق أن ينتقدوا نظام الممانعة والمقاومة، لأن هؤلاء مقدسون لا يخطئون وإذا أخطأوا فهم مغفور لهم ما تقدم من ذنب وما تأخر.
كذلك أفزعني ما أفزع أخي الأستاذ أحمد موفق زيدان، الذي أشفقت على قلبه من وطأة الحزن والاكتئاب لموقف بعض القوى الإسلامية المفترض أنها تعرف أكثر من غيرها بؤس نظام البعث في سوريا وتاريخه الحافل بالمذابح الدموية ضد شعبه وضد اللبنانيين وضد الفلسطينيين، وكلها مذابح من النوع الثقيل، الذي تصل فيه أعداد القتلى عادة إلى الآلاف، وهو نظام لم ينتصر في أي مواجهة خاضها ضد الصهاينة، فقط انتصر على شعبه ومواطنيه وعلى الشعبين اللبناني والفلسطيني بدموية غير مسبوقة.
ولكن طالما فتح أحمد الجرح فلم يعد بالإمكان إخفاء أسفي الشديد على تجاهل الإخوان المسلمين في مصر محنة هذا الشباب السلفي في معتقلات الأسد، لم يكن من اللائق أبدا أن يغمض الإخوان المسلمون أعينهم ويصموا آذانهم عن أنين هؤلاء الضحايا من إخوانهم في الدين.
لقد قطع الأخوان قلوبنا بالكتب والأشرطة التي تتحدث عن مذابح الأسد والبعث ضد الشباب الإخواني في حماة وجسر الشغور وحلب وغيرها، كما مزق ضميري وأبكاني طويلا مذكرات أحد شبابهم عن فترة سجنه وعذابه في سجن "تدمر"، شاهد ومشهود، وهي مشاهد مروعة، فلماذا يتجاهلون محنة ضحايا "صيدنايا"، هل لأنهم من غير الإخوان، هل لأنهم شباب سلفي تهمتهم الوحيدة هي التصدي للعبث الشيعي الصفوي في سوريا، لم أفهم قول القيادي الأردني عن أنه ليس لديه معلومات عن الأحداث، إنه لم يفكر حتى في أن يطلب التحقيق في المجزرة.
لقد بدا ـ مع الأسف ـ كمن يريد التستر على القتلة والجلادين بالبحث عن مهرب كلامي، .. لقد كنت محبطا من المشهد كله وتداعياته، شيء مؤلم، وكنت زاهدا حتى عن التعليق عليه، غير أني خشيت أن أكون شريكا في "جريمة" الصمت، فكتبت تلك السطور، براءة إلى الله وإلى ضحايا "صيدنايا".
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: