السنة والشيعة في السعودية
خالد الدخيل – الإتحاد الإماراتية 22/7/2008
( هذا نموذج لتفكير كثير من المثقفين والمحللين للمشكلة الشيعية بسبب غياب الرؤية الشرعية حول حقيقة الفكر الشيعي! الراصد )
هذا موضوع كان يجب تناوله قبل هذا الوقت. كنت أعلل نفسي بأنني في حاجة إلى استيعاب القضية من كل جوانبها حتى يمكنني تناولها بما تستحق من أهمية. وربما أعتذر بأن هذا موضوع يجب أن يبقى خارج إطار المناسبات والمواسم، لأنه بأهميته وخطورته موضوع كل المواسم، وكل الأزمنة. لا ينبغي أن ننتظر حادثاً هنا أو هناك، في السعودية أو خارج السعودية حتى يكون مناسبة للمسارعة بالحديث عن الطائفية. منطلق موضوع هذه المقالة هو العلاقة بين السنة والشيعة بشكلعام، وفي السعودية بشكل خاص، وموقف كل طرف منهما تجاه الآخر. العلاقة بين السنةوالشيعة مثال حي يجسد مفهوم "الآخر"، والموقف من هذا الآخر. لكن رغم أن الطائفيةاحتلت من تاريخنا قروناً وقروناً، إلا أننا لم نتبين مفهوم الآخر فيها بأبعادهالسوسيولوجية والفلسفية إلا في أواخر القرن العشرين، وعندما جاء إلينا من الغربتحديداً. لماذا؟ هذا سؤال مهم، ومحرج في الوقت نفسه. لعل السبب هو أن أغلبنا كانولا يزال يجسد الآخر تجاه الآخر المقابل، قبلياً وعشائرياً أولاً، ثم طائفياًثانياً. وعندما تكون لصيقاً باللعبة الاجتماعية والسياسية إلى هذا الحد، وتكونجزءاً منها، فإن ذلك لا يسمح لك بأن توجِدَ المسافةَ الكافية التي تستطيع من خلالهاالتفكير والتأمل، والتحليل، ومن ثم أن تستبين طبيعة اللعبة ومنطلقاتها السوسيولوجيةوالفلسفية.
يبدو أننا، أو على الأقل أغلبنا منغمس في هذه اللعبة لأسبابودوافع لها علاقة بانتماءاتنا الأولية، وولاءاتنا للمؤسسات الاجتماعية الطبيعية. ورغم أننا تعرفنا، أو هكذا يبدو، على طبيعة مفهوم الآخر ودلالته، فإننا لم نتجاوزاللعبة الطائفية تماماً. والغريب أن انكساراتنا وعثراتنا التاريخية المستمرة لم تكنمحفزاً للانفكاك من هذه اللعبة المدمرة. التجربة اللبنانية برهنت على قدرة الطائفيةعلى إعادة إنتاج نفسها في إطار مؤسسات حديثة، مثل الدولة الوطنية، والأحزابالسياسية، وعلى توظيف مفاهيم حديثه تستتبعها لأغراضها مثل المقاومة، والديمقراطية،والمشاركة، ...إلخ. ثم يأتي العراق ليبدأ تجربته السياسية من جديد تحت الاحتلال علىأسس ومنطلقات طائفية، تعيد إنتاج التجربة اللبنانية، ومعها تعيد إنتاج تاريخ طائفيطويل. وهو ما يؤكد خطورة هذه الآفة السياسية الاجتماعية.
قدرة الطائفيةوالقبلية على إعادة إنتاج نفسها، وتجديدها في المنطقة طوال هذه القرون، دليل علىضعف الدولة كمفهوم، ومؤسسات، وأيديولوجيا أيضاً. وهذا الضعف المزمن مؤشر واضح علىأن الدولة بحد ذاتها مرتهنة لبنى ومصالح طائفية أو قبلية، أو كليهما معاً. حتى مثقفالمرحلة الحديثة لم يتمكن تماماً من تجاوز آثار هذه اللعبة. فرغم أنه يعيش في منطقةتستوطن الطائفية فيها منذ قرون، وخبِرَ الطائفية، وربما مارسها، لم يكتشف المثقفالعربي مفهوم "الآخر" من خلال هذا التاريخ الطويل، والموروث الغني. مما يؤشر، ضمنما يؤشر إليه، إلى محدودية، وربما انعدام الاستقلال السياسي والفكري لهذا المثقف.
حالة مفهوم الآخر هذه تشبه كثيراً حالة مفهوم الليبرالية في العالم العربيفي وقتنا الحاضر، وقبله مفهوم الاشتراكية، والماركسية. كلها مفاهيم لم يتسن لها أنتتحول إلى أيديولوجيا. برز مفهوم الآخر في الغرب لأن التراكم الفكري، والتجربةالسياسية المصاحبة خلقت منظومة جديدة من القيم والأطر الاجتماعية والسياسية فرضتبروز هذا المفهوم كآلية لا مفر منها للتحليل والتمييز والفهم. من هنا أصبح منالممكن إيجاد مسافة كافية من الحدث، ومن التاريخ، تسمح ببروز مفاهيم أكثر حيادية،وأكثر قدرة على التحليل من أجل الفهم. هنا حل مفهوم الطبقة مثلاً، والأيديولوجيا،مكان "الطائفة"، والمذهب، والدين. الطبقة والأيديولوجيا ليست أقل انحيازاًمن مفهوم الطائفة أو المذهب أو القبيلة، لكن نطاقها أوسع، ومنطلق الانتماء إليهاليس محصوراً في دين أو مذهب معين، أو نسب لابد منه. ميزة هذه المفاهيم الجديدة أنهاأكثر اتساعاً ورحابة من الطائفة، أو العشيرة أو الدين. وبالتالي فهي تمثل من هذهالناحية مرحلة تاريخية متقدمة. كأن اتساعها ورحابتها تعكس حركة تاريخية انتقالية. كل هذه المفاهيم، القديم منها والحديث، تنضوي تحت مفهوم الآخر، الأكثر حيادية منهذه الزاوية، ومن ثم الأكثر قدرة على التحليل من أجل الفهم.
ما حدث فيالسعودية قبل أشهر قليلة يقدم مثالاً واحداً على تجدد اللعبة الطائفية في المنطقة. فعلى خلفية اجتياح قوات "حزب الله" لمدينة بيروت في شهر مايو الماضي، وفي إطارالصراع السياسي الدائر حالياً في لبنان، أصدر 22 من العلماء والمثقفين السلفيين فيالسعودية بياناً استعيدت فيه لغة التكفير والإقصاء القديمة على أساس من اختلافالانتماء المذهبي. أبرز ما في هذا البيان تأكيده على تكفير الطائفة الشيعية، وذلكانطلاقاً من مسلمات عقدية يرى موقعو البيان أنها كافية لتكفير أتباع هذا المذهب. منهذه الزاوية ليس في الأمر من جديد حقاً.
وهنا تكمن المشكلة تحديداً، لأنموقف هؤلاء العلماء يعيد مرة أخرى المواقف نفسها، والمرئيات ذاتها، وكأن شيئاً لميتغير منذ قرون. وهي مشكلة لأن مفهوم المذهب ينافس في هذه الحالة مفهوم المواطنةوالوطن، ومنطق الدين، والفكر الديني بشكل خاص، ينافس وبقوة مفهوم الدولة بصيغتهاالوطنية الحديثة. الشيعة في السعودية مواطنون مثلهم في ذلك مثل بقية المواطنين، أوهكذا يجب التعامل معهم. ما العمل في هذه الحالة، ووفقاً للبيان المذكور، مع مواطن "كافر"؟ هل يمكن أن يكون المواطن كافراً؟ وبأي معنى؟ تجدر الإشارة هنا إلى أنه ليسبين موقعي البيان السلفي أحد من علماء المؤسسة الدينية الرسمية، مثل هيئة الإفتاء،أو هيئة كبار العلماء. بل إن اقتصار عدد موقعي البيان على 22 يشير إلى محدوديةالدعم الذي حظي به، وهذا مؤشر إيجابي.
من جانبهم أجاب مجموعة من علماءومثقفي الشيعة السعوديين على ذلك ببيان مضاد. جاء عدد هؤلاء كبيراً (85) مقارنة معموقعي البيان الأول، وحاولوا فيه تصحيح وجهة الجدل والحوار مع الطرف الآخر. لميواجهوا التكفير بتكفير مقابل ومماثل، بل اعتبروا أن تكفيرهم نوع من التحريض،وتعبير عن "فتنة عمياء". وهذا موقف جميل، ويستحق الثناء. واللافت أن البيان "الشيعي" لحظ أن البيان "السني" صدر بالتزامن مع مؤتمر حوار الأديان في مكة، والذيدعا إليه العاهل السعودي. وكان تفسير الموقعين بأن هذا يمثل محاولة من أصحاب البيانالأول للتشويش على ذلك المؤتمر. وهي ملاحظة ذكية. وقد ختم الشيعة بيانهم بدعوةإخوانهم الذين بغوا عليهم، "أن يقفوا في تأمل ليراجعوا حساباتهم وليعيدوا قراءتهمللواقع الشيعي المعاصر بموضوعية ومسؤولية...". والحقيقة أن البيان الشيعي كانإيجابياً، واتسم بروح فروسية ترفّع من خلالها الموقعون عن الانزلاق إلى لغة صدامية،أو التورط في لعبة التكفير المقابل.
لكن إذا ما وضعنا ذلك جانباً، يبقى أنالبيان الشيعي احتفظ بمنطقه الديني، وبمنطلقاته المذهبية على المستوى نفسه الذي كانعليه البيان السني. ونكون هنا إزاء بيانين مذهبيين، أحدهما كان تكفيرياً بشكل فج،وآخر تصالحيا بشكل ملحوظ. لكن المنطق الذي حكم كلا منهما بقي هو المنطق الدينيوالمذهبي نفسه. غابت عن كلا البيانين مفاهيم يعيش في كنفها الجميع، مثل مفهوم "الدولة"، والوطن" و"المواطنة" والأخوة التي تتأسس عليهما. وغابت عن البيانين أيضاًمفاهيم أخرى نحن في أمس الحاجة إليها، مثل الحرية والتعددية.
تقرأ فيالبيانين خطابين متوازيين، مما يؤكد غياب وحدة الخطاب والمخاطبة بين مواطنين، وذلكبسبب انقسامهم على أساس من المذهب. فإذا كانت الطائفية البغيضة برزت في موقف "التكفير" في البيان السني، فإنها تبرز بقول أصحاب البيان الشيعي بأنهم "يعتزونويفتخرون بالانتماء إلى... القمم السامقة من العترة النبوية الهادية". ألا يمكن أنيعني هذا بأن الطرف الآخر لا ينتمي إلى الشيء نفسه؟ يبدو أنه بسبب هذا النفس الدينيللبيان الشيعي امتنع عدد من مثقفي الشيعة الذين يرفضون لغة الاصطفاف الطائفي عنالتوقيع عليه. وهذا موقف يحسب لهم، لأنه يعبر عن التزام واضح بمبادئ أكثر ليبراليةوتنويرية.
إذا كان الهم الأساسي للجميع هو الإصلاح، ونشر مبادئ التسامح،والتعددية، والحرية وحقوق الإنسان، فهذا يعني أن بؤرة الاهتمام يجب أن تتركز حولمفهوم الدولة، والوحدة الوطنية، وبالتالي ينبغي أن يبقى المذهب الديني خارج هذاالإطار. من دون ذلك سيبقى الجميع أسرى للعبة الاصطفاف المذهبي، الذي يتناقض معالدولة، ومع وحدة الوطن.