خطة إيران لفرض ولاية الفقيه على الشيعة العرب
الأربعاء 9 أبريل 2008
 خطة إيران لفرض ولاية الفقيه على الشيعة العرب
رياض علم الدين - الوطن العربي 26/3/2008
السيد مقتدى الصدر غائب أم مغيب؟! وهل اختفى طوعاً.. وبإرادته.. أم أنه مرغم على الإقامة الجبرية في قم وبقرار وتهديد إيرانيين؟!
وما هي الأسباب الحقيقية وراء غياب زعيم جيش المهدي؟ وهل اعتزل فعلا العمل السياسي والجهاد ضد الأميركيين؟ وهل سيظهر مجددا؟ ومتى وبأي دور؟
آخر مرة ظهر فيه السيد مقتدى الصدر كان في مايو "أيار" من العام الماضي، ومنذ ذلك الوقت تحول غيابه إلى لغز محير لأنصاره قبل خصومه، وفي كواليس الدول المعنية بمستقبل العراق، والعارفة بحجم الدور الذي يمارسه مقتدى على الساحتين الأمنية والسياسية من خلال قيادته لميليشيا تعد أكثر من ستين ألف مسلح من شيعة العراق، ثمة عملية رصد شبه يومية لأبعاد التحولات المفاجئة للزعيم العراقي الشاب وخططه المستقبلية المثيرة للشبهات، خصوصاً على ضوء ما يشاع عن وقوعه تحت السيطرة الكاملة للإيرانيين.. التساؤلات العراقية والعربية والدولية حول استراتيجية مقتدى الصدر الحقيقية اتخذت فجأة أهمية قصوى إثر البيان الذي وزع يوم الجمعة في السابع من مارس "آذار" الجاري في كربلاء على شكل رسالة جوابية كتبها السيد مقتدى إلى مجموعة من أنصاره ومحبيه استفسروا منه عن أسباب انقطاعه عن المجتمع، كانت الرسالة مفاجئة ولافتة لمحبي الصدر ومنافسيه وأعدائه وأصدقائه في آن.. إذ أرجع زعيم جيش المهدي انقطاعه إلى إحباطه من عدم تحرير العراق وعدم انصياع الكثير من أنصاره له، وانحرافهم عن الخط المستقيم "وهو ما دفعني إلى الاعتزال لإبراء ذمتي"! "وبعد أن وجدت أن الساحة العراقية ساحة دنيوية وهي فتنة أرتأيت أن أكون بعيدا عنها" وتحدث الصدر عن خيبته "لعدم رجوع الكثيرين إلى حوزتهم الناطقة وتفرقهم عنها وتفرقها عنهم وانغماسهم في مهاوي السياسة".. ولهذا قرر الاعتزال والانصياع لوصية والده آية الله محمد صادق الصدر الذي أوصاه بالدرس واختار التكامل مع العبادة والتفرغ لإكمال دراسته الدينية.. ولم ينس الصدر أن يعد أنصاره بأنه "سيعود إن زالت الأسباب".
ورقة تفاوض
لكن السؤال الأهم الذي طرحه المراقبون.. ما هي الأسباب الحقيقية وراء رسالة الصدر؟ وهل قرر فعلا اعتزال العمل السياسي ووقف "الجهاد لتحرير العراق" من الاحتلال الأميركي والتفرغ فقط للدراسة الدينية ليعود كما يقال حاملا لقب "آية الله" وصفة مرجعية دينية؟!
..............
مخطط إيراني
هذه التطورات الأخيرة زادت من حدة التساؤلات عن أسباب غياب الصدر وخطته، وعن الدور الإيراني الخفي في كل ما يجري، وثمة قناعة بأن إيران هي التي تقف وراء كل هذا المخطط وأنها هي وراء "هدنة" جيش المهدي ووراء عمليات تصفيته وتطهيره، ووراء إبعاد مقتدى الصدر عن الساحتين السياسية والعسكرية العراقية، ووراء اختفائه ووضعه في الإقامة الجبرية في "قم" وإقناعه بالعودة إلى الدراسة الدينية والعودة إلى العراق "آية الله"..
وتؤكد مصادر عراقية مطلعة أن غياب الصدر هي عملية تغييب قسرى تلعبها إيران لحسابات متعددة ووفق استراتيجية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وفي الحسابات الإيرانية أن طهران قد اختارت إنهاء دور الصدر وجيش المهدي في المرحلة الحالية، وقررت تقديمه "فدية" لخدمة مشروعها العراقي والصفقة المرجوة مع الأميركيين على أمل إعادة استخدامه في استراتيجية بعيدة المدى بدأت تعد لها منذ الآن، وتشير هذه المصادر إلى أن طهران قد اختارت وضع يدها على جيش المهدي الذي فقد مقتدى الصدر سيطرته عليه منذ فترة طويلة، وثم تقارير تتحدث عن دور إيراني في تطهير هذا الجيش وتصفية العديد من عناصره وقياداته بهدف إعادة تأهيله بعيدا عن قيادة الصدر.
وفي هذه المعلومات أن خبراء من الحرس الثوري وضباطا في الاستخبارات الإيرانية لعبوا دورا في إثارة الانحرافات والانشقاقات داخل جيش المهدي، وذلك لثلاثة أهداف:
الأول هو وضع حد لاختراق الأميركيين والبريطانيين للعديد من جماعات المهدي وفي إطار خطة تأسيس مجالس صحوة شيعية على طريقة مجالس الصحوة السنية.
الثاني حسم موازين القوى داخل شيعة العراق لصالح "فيلق بدر" وقوات عبد العزيز الحكيم، وذلك تحسبا للحرب الشيعية ـ الشيعية التي تنذر بالانفجار في أقاليم الجنوب، خصوصا أن طهران تستعد لمعركة البصرة وفرض هيمنتها الكاملة على جنوب العراق بدون أن تترك للأميركيين القدرة على إشعال هذه الفتنة الشيعية ـ الشيعية عبر تنظيمات مسلحة مؤيدة لهم.
الثالث هو رغبة إيران في ضبط "جيش المهدي" ليصبح تنظيما مواليا لها مائة في المائة عبر إعادة تنظيمه وتركيبه على طريقة "حزب الله" اللبناني وتصفية كل الأجنحة المشبوهة فيه، وتشير بعض التقارير في هذا المجال أن مجموعات من "حزب الله" اللبناني تشارك حاليا في إعادة تنظيم جيش المهدي بعدما شارفت طهران على إكمال عملية وضع يدها كليا عليه والسيطرة الكاملة على عملياته ونشاطاته.
غياب أم تغييب؟!
وإذا كان لعبة إيران الحالية في قضية تحول جيش المهدي وهدنته وتصفيته وإعادة تنظيمه واضحة لجهة حسم موقف طهران الداعم لحكومة المالكي وتيار عبد العزيز الحكيم والتفاوض مع الأميركيين على صفقة عراقية، إلا أن الشكوك والتساؤلات تحيط بلغز غياب مقتدى الصدر والخيار المفاجئ لزعيم جيش المهدي بالاعتكاف والعودة إلى الدراسة الدينية والأهداف الحقيقية له.
شكوك المصادر المطلعة بدأت عندما تبين أن "اختفاء مقتدى الصدر هو ليس غيابا بل هو تغييب، وأن التقارير تشير إلى أن الرجل ليس معتكفاً في النجف كما تقول جماعته بل إنه يعيش في قم منذ عدة أشهر وبحماية إيرانية مشددة، تجعل إقامته هناك أقرب إلى الإقامة الجبرية، وقد تعززت هذه الشكوك مؤخراً عندما أشيعت قبل أيام من رسالة الصدر إلى أنصاره معلومات تفيد أنه تعرض إلى محاولة اغتيال عن طريق التسميم، نُقل على أثرها للعلاج في طهران، وفي رأي مصادر مطلعة أن هذه التسريبات لم تكن سوى إشارة واضحة لتهديد إيراني بتصفية الصدر في حال عدم رضوخه لمطالب طهران وقبوله بخطة الاعتكاف لأسباب دينية، وتبنيه لهذه الاستراتيجية الإيرانية البعيدة المدى.
وفي المعلومات أن هذه الاستراتيجية تستند إلى خطة إيرانية لإنجاز السيطرة الإيرانية الكاملة على العراق ومواجهة مخطط إرغام الأميركيين على الانسحاب بعد سنوات وهي خطة يقال: إن طهران أقنعت مقتدى الصدر بأنه سيكون صاحب الدور الأول فيها، لكن المطلعين على حقيقة هذه الاستراتيجية يؤكدون أن هدفها الأول ليس الأميركيين بل النجف، وأن المحور الأساس لها هو أن الإيرانيين الذين هم في صدد إكمال السيطرة السياسية والاقتصادية والأمنية على العراق من خلال تكريس حكم الجماعات الشيعية الموالية لهم يخططون لإنجاز عملية الهيمنة على العراق من خلال حسم المرجعية الدينية وإنهاء مرجعية النجف لحساب مرجعية قم، ولهذا السبب توقف المراقبون عند "اختيار" مقتدى الصدر لحوزة قم لإكمال دراسته وليس حوزة النجف، واعتبروا ذلك في صلب المخطط الإيراني الجديد الذي يهدف إلى إسقاط مرجعية النجف والسيستاني لحساب قم ومرجعية ولاية الفقيه بعدما أنجزوا عملية إسقاط صدام حسين والسيطرة السياسية على العراق، وفي المعلومات المتداولة أن مقتدى الصدر الذي أشيع سابقاً أنه بدأ الدراسة على يد آية الله إسحاق الفياض في النجف لم يلجأ فقط إلى حوزة قم، بل يقال إنه ابتعد عن آية الله كاظم الحائري الذي كان مرجعه التقليدي حتى الآن وهو معروف برفضه لنظام ولاية الفقيه، وقد اختار الدراسة على يد آية الله مكارم الشيرازي المعروف بأنه من ملالي السلطة ومن جماعة ولاية الفقيه، وهذا يعني في نظر الخبراء أن طهران نجحت في استغلال الخلافات بين مقتدى الصدر والسيستاني من أجل استقطاب أبرز رموز "الشيعة العربية" ومؤيدي حوزة النجف ومعارضي ولاية الفقيه إلى حوزة قم ونظام ولاية الفقيه، مما يكشف بوضوح الخطة الإيرانية ليس فقط لهيمنة قم على النجف، بل لتكريس مرجعية قم لدى الشيعة العربية مع ما يعني ذلك من تكريس للمرجعية الإيرانية على الشيعة العرب، وفي المعلومات المتداولة أن خطة طهران الحالية هي الاستعداد لوفاة آية الله السيستاني الإيراني المولد، والذي يعتبره ملالي طهران رافضاً للمشروع الإيراني في العراق، وإعداد نجل آية الله محمد صادق الصدر لخلافة السيستاني، أو على الأقل للعب دور مهم في معركة خلافة السيستاني التي يتوقع أن تكون فرصة إيران للقضاء على مرجعية النجف، ومن هنا مسارعة الإيرانيين إلى دفع مقتدى الصدر لإكمال دراسته الدينية وإغرائه بالعودة للظهور مجددا في العراق بصفة آية الله.
آية الله
والسؤال المطروح اليوم في عدة أوساط شيعية هو هل يستطيع مقتدى الصدر الحصول على لقب "مرجع ديني" وكم سنة دراسة يحتاج للقب آية الله؟! مصادر فقهية شيعية عديدة تشكك بقدرات مقتدى الصدر للحصول على لقب ديني يسمح له بمنافسة المرجعيات الشيعية الكبرى، أو حتى بإصدار فتاوى واجتذاب مقلدين له على الأقل في صفوف أنصار التيار الصدري الذين يختار الكثير منهم "منافسه" السيستاني، والمعلومات الآن أن السيد مقتدى الذي لا يحمل حتى الآن سوى لقب "حجة الإسلام" وهو من المراحل الأولية في التراتبية الشيعية قد بدأ منذ اختفائه تلقى الدروس لنيل درجة الاجتهاد، التي تعتبر درجة حوزية عليا في المذهب الشيعي، وعلى الرغم من أن أنصار الصدر بدأوا التسويق لنجاحه المبكر في دراساته بالتركيز على أنه "يتميز بسرعة البديهة والذكاء والفطنة" بما يسمح له اختصار المدة المحددة، لكن المصادر الفقهية تشير إلى أن الحصول على لقب "آية الله" يحتاج إلى ما بين خمس وعشر سنوات.. إلا إذا لعبت الحسابات السياسية دورا في تسريع تكليف مقتدى الصدر بالدور الديني الذي أغراه به الإيرانيون الذين وعدوه على ما يبدو بالمرجعية الدينية العراقية، وما تشمله من نفوذ على الأوقاف وعائداتها المالية مقابل تخليه عن منافسة خصمه اللدود والتاريخي عبد العزيز الحكيم والتنازل عن طموحاته السياسية الحالية، والمطالبة بحصة في التركيبة العراقية، ودوره في موازين القوى الشيعية العراقية، وحتى مقابل وقف الجهاد ضد الاحتلال الأميركي حتى إشعار أخر، والسؤال المطروح حاليا هو ماذا يبقى من جيش المهدي والتيار الصدري إذا استمر غياب مقتدى الصدر خمس سنوات، وهو سؤال يميل عدد من المراقبين إلى الإجابة عنه بأن الصدر سيضطر للظهور مجدداً وبسرعة على الساحة العراقية قبل تصفية جماعته وتياره بمباركة مستضيفيه في قم.. هذا إذا لم يكن قرار غيابه أو تغييبه نهائيا، وهو ما ستكشف عنه الأشهر المقبلة على ضوء تقدم المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية، والعراقية ـ الأميركية وظهور حاجة الإيرانيين إلى مقتدى الصدر "السيد" لا "آية الله"..
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: