احتلال الجيران ؟!
راجح الخوري النهار اللبنانية 4/4/2008
حرص القادة العرب الذين شاركوا في قمة دمشق على أن يكون الكلام المخملي الهادئ إطارا للحديث عن الجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التي احتلتها إيران بالقوة العسكرية عام 1971!
وكان هذا الحرص ظاهرا تماما في الاجتماع المغلق. أولا عندما ظل الحديث عن "الاحتلال الإيراني" طي الكتمان فلم يُعلن، وثانيا عندما اعتمدت صياغة ديبلوماسية لا تغضب دولة الإمارات ولا تثير حنق الإيرانيين، للفقرة التي تحدثت عن هذه الجزر في "إعلان دمشق" حيث جاء النص كما يأتي:
"(...) تشجيع الاتصالات الجارية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية لحل قضية الجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، عبر الإجراءات القانونية والوسائل السلمية لاستعادة الإمارات لهذه الجزر حفاظا على علاقات الإخوة العربية – الإيرانية ودعمها وتطويرها".
وإذا كان الحرص على استعمال اللهجة الايجابية حيال إيران ظاهرا في هذا النص، فان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي تعمد توجيه صفعة قوية إلى القمة والى الدول العربية التي حضرتها، عندما أدلى بتصريحات بعد القمة تضمنت إهانتين:
أولا بالقول جزما "إن هذه الجزر إيرانية"، وثانيا بالغمز من قناة العرب عموما عبر القول "إن على العرب إن يهتموا بتحرير فلسطين"!
لقد بدا الأمر مثيرا تماما، فالذي يحتل ارض العرب في الخليج، أي الجزر الثلاث، يكاد يهزأ من الخليجيين بالقول أن عليهم تحرير فلسطين، ولكأن هناك في النهاية فرقا في مسألة احتلال الأراضي، فهنا ارض يحتلها الأعداء وهناك ارض يحتلها الأحباء والأصدقاء!
طبعا تقضي الموضوعية والواقعية بالتفريق بين العدو الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين وقسما من الأراضي العربية، والجار الإيراني الذي يحتل الجزر الثلاث ذات الأهمية الإستراتيجية الكبيرة في منطقة الخليج على تخوم مضيق هرمز. لكن وزير خارجية إيران تصرف في قمة دمشق على طريقة "يرضى القتيل وليس يرضى القاتل"، متناسيا ما يقال عن "ظلم ذوي القربى" مثلا، بمعنى انه رغم الحرص على استعمال لغة ديبلوماسية في الإشارة إلى الجزر، جزم أنها "إيرانية" وهذا تزوير فظ لوقائع التاريخ القريب، وقرع لطبول فلسطين ولكأن على دولة الإمارات وحتى على دول الخليج والعرب أجمعين أن ينسوا الجزر بانتظار تحرير فلسطين.
ليس هناك قطعا من يريد أن يوازي بين الاحتلال الإسرائيلي والاحتلال الإيراني، ولكن منطق الغطرسة الذي استعمله متكي يشكل استفزازا لكل العرب. ثم إن القمم العربية أدرجت بندا دائما في جداول أعمالها عن مسألة الجزر التي احتلتها إيران ولذلك بدا متكي كأنه يوجه إهانة مباشرة إلى كل هذه القمم.
في الواقع هناك مئات الوثائق والرسائل التي تؤكد الحق العربي في الجزر الثلاث. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، قام الوكيل الوطني في إمارة الشارقة عام 1882 بتزويد "المقيمية البريطانية" عندما كانت بريطانيا تسيطر على كل منطقة الخليج تقريبا، مجموعة من المخطوطات والخرائط والوثائق التي تثبت ملكية الجزر إلى حكام القواسم ورأس الخيمة، وقد اقر المقيم البريطاني عام 1887 في تقرير مفصل الملكية العربية للجزر الثلاث.
ورغم كل هذه الوثائق الدامغة قامت إيران أيام الشاه عام 1971 باحتلال الجزر الثلاث وذلك قبل يوم واحد فقط من انسحاب البريطانيين من المنطقة وإمارات الساحل.
وتكمن أهمية الجزر في موقعها الجغرافي الاستراتيجي الحساس وخصوصا أنها تشرف على مضيق هرمز الذي يشكل أهم شريان للنفط تعبره ناقلة عملاقة كل 10 دقائق. ثم إن الجزر تشكل قواعد حساسة يمكن منها مراقبة سواحل العراق وإيران والسعودية، وهي كذلك توازي أهمية جزيرة هرمز بالنسبة إلى المضيق، أو طنجة وجبل طارق في مدخل المتوسط، أو عدن في حوض البحر الأحمر. ومن يسيطر على هذه الجزر يستطيع التحكم بحركة المرور المائي في الخليج وممارسة مقدار كبير من الضغط على الدول العربية المطلة على الخليج.
"الجزر إيرانية اذهبوا واهتموا بتحرير فلسطين".
هذا هو كلام متكي الاستفزازي الذي إذا ابتلعه العرب الذين خسروا فلسطين فسيخسرون الجزر الثلاث الفائقة الأهمية وبعدها ربما يخسرون الخليج. وهذا أمر لا يقع على عاتق دولة الإمارات وحدها بل على العرب من المحيط إلى الخليج.
صحيح إن إيران دولة جارة وصديقة، ولكن الأصدقاء والجيران ليس من حقهم احتلال أراضي الغير، ولا من حقهم طبعا تعيير العرب باحتلال العدو الإسرائيلي.