اليسار الإسلامي... و"الثلج المقلي"!
الأربعاء 9 أبريل 2008
اليسار الإسلامي... و"الثلج المقلي"!
( هذا المقال نموذج لمحاولات الشيوعية واليسار إيجاد إسلام يساري على غرار الإسلام الأمريكاني !! الراصد )
على رغم المداخل الواضحة لليسار الإسلامي وعرض أوجهه المختلفة إلا أن تجربة ربع قرن من محاولات تأسيسه لم تمنع من توجيه بعض الاعتراضات الرئيسية عليه. وهي شبهات تثار من الأحزاب السياسية الدينية والعلمانية، المحافظة والتقدمية، ومن الدولة ومؤسساتها الدينية، ومن الأفكار الشائعة نتيجة للإعلام المزيف، وما تعود عليه الناس من تقليد لما هو سائد دون التفكير الأصيل. إذ يقال عن اليسار الإسلامي:
1- ليس في الإسلام يسار ويمين. الإسلام دين واحد، جوهره واحد، وعقائده ثابتة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، خيره وشره. كبائره معروفة وصغائره محصاة. لا تختلف العبادات من قُطر إلى قُطر، ولا من قارة إلى قارة، ولا من شعب إلى شعب، ولا من ثقافة إلى ثقافة. شهادة أن لا إله إلا الله على كل لسان. ينطقها المسلم ليعلن انتماءه وانتسابه إلى الأمة. وهذا صحيح نظراً، ولكن عملاً تتعدد القراءات والممارسات الإسلامية خاصة في المعاملات والعادات. يشير اليسار الإسلامي إلى إحدى القوى الاجتماعية الموجودة في المجتمع، الفقراء والمحرومين والمساكين والطبقات الدنيا في مقابل إسلام الأغنياء وشركات توظيف الأموال ورجال الأعمال وموائد الرحمن وبيوت الزي الإسلامي. ففي كل مجتمع هناك يسار ويمين، فقراء وأغنياء، طبقة دنيا وطبقة عليا.
اليسار الإسلامي سياق اجتماعي سياسي تاريخي للإسلام في مرحلةتاريخية معينة وفي عصر معين ولدى شعب معين، في مرحلة تفاوت الدخول. وكما أن هناكتمايزاً بين المذاهب الفقهية الأربعة والاتجاهات الفلسفية والفرق الكلامية والطرقالصوفية هناك تمايز أيضاً في تفسير الإسلام طبقاً لحاجات الناس وطبقاتهم الاجتماعيةالتي تتغير بتغير الزمان والمكان، وكما فعل الشافعي بين العراق ومصر.
2 -  اليسار الإسلامي نزعة توفيقية وأحياناً تلفيقية بين نزعات عدة تجمع بين عدةمتناقضات. هو مشروع مستحيل مثل "الثلج المقلي"، يرفضه اليسار واليمين، فاليسارعلماني لا ديني، واليمين ديني لا علماني. والحقيقة أن هذه الشبهة إنما تنتج منعقلية الاستقطاب بين مطلبين كلاهما صحيح، القديم والجديد، الماضي والحاضر، التراثوالمعاصرة، الأصل والفرع، الآخرة والدنيا. وكل سمات اليسار الإسلامي مطالب فعليةللعصر. فهو إسلام مستنير لحاجة العصر إلى العقلانية والاستنارة كما عبر عن ذلك بعضالمفكرين العرب المعاصرين مثل محمد عبده ومصطفى    عبدالرازق وطه حسين. وهو إسلامليبرالي لحاجة العصر إلى الحرية كما عبر عن ذلك الطهطاوي والعقاد والشرقاوي، وهوإسلام اشتراكي جماعي لحاجة العصر للعدالة الاجتماعية والمساواة كما عبر عن ذلكمصطفى السباعي في سوريا، وهو إسلامي قومي كما هو الحال عند منير شفيق وخلف اللهومحمد عمارة نظراً لمخاطر التجزئة والتفتيت للأقطار بعد أن قضى على الخلافة لصالحالقومية في 1923 ثم قضى على القومية لصالح القطرية، ثم قضى على القطرية لصالحالطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية والقبلية. وهو إسلام إنساني كما عبر عن ذلكالعقاد وغيره نظراً لخرق حقوق الإنسان في عصرنا وتعذيب المعتقلين السياسيينبالآلاف. وهو إسلام تقدمي كما هو الحال في تونس نظراً لتصنيف الشعوب العربيةوالإسلامية ضمن الدول المتخلفة أو النامية. وهو إسلام طبيعي يبدأ من العالم والناسنظراً لغلبة العقائدية القطعية والنصية الحرفية مثل أحمد كمال أبو المجد وسليمالعوا. وهو إسلام وطني مثل طارق البشري نظراً للهويات الطائفية السائدة الآن وتواريالأوطان. وهو إسلام أممي مثل عادل حسين نظراً لما فعلته الحدود الوطنية من تجزئةوتقسيم ومعارك حدودية ونزاعات بين القبائل على طرفي الحدود على الثروات الطبيعية. وهو إسلام علماني مثل أحزاب الوسط نظراً لسيادة النزعات الدينية المعادية لقيمالعقل والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وهي قيم إسلامية أصيلة تجلت فيالتراث الإسلامي. وهو إسلام عملي حركي مثل بعض الأجنحة المستنيرة في الحركةالإسلامية نظراً لسيادة الخطاب الديني النظري الوعظي الذي يدخل في أذن ويخرج منالأذن الأخرى.
 
3 - اليسار الإسلامي نزعة مادية وتيار ماركسي شيوعي إلحادي. لايهتم بالغيب ولا بالحياة بعد الموت إلى آخر ما هو معروف من أمور المعاد. والحقيقةأن هذه صورة نمطية للإسلام منذ العصر العثماني، تغليب الآخرة على الدنيا، والنفسعلى البدن. وهو ما قاومته حركات الإصلاح الديني الحديثة. فالتراث الإسلامي قام علىأساس الاهتمام بالعالم. يبدأ علم الكلام وهو علم العقائد بالعالم أولاً للاستدلالبه على وجود الله. ويتحدث الفلاسفة عن الطبيعيات كمقدمة للإلهيات. ويدافع بعضالصوفية عن وحدة الوجود، الجمع بين الحق والخلق. ويقوم علم أصول الفقه على تعليلالأحكام بالعلل المادية ليقيس عليها أحكام الوقائع الجديدة.

 
 
6 - اليسار الإسلاميقد يرفضه الناس لأنه يمس عقائدهم الشعبية. هو تيار نخبوي يسهل حصاره من اليمينواليسار والدولة. هو عند اليمين الديني شيوعية وإلحاد مقنعان. وعند التيار العلمانيإسلامي مقنع، وفي أجهزة الدولة الأمنية اليساريون الإسلاميون "إخوان شيوعيون" كمااتهم الشاه من قبل فصائل الثورة الإسلامية مثل "مجاهدي خلق". هو غير مؤثر، أقليةمعزولة أمام الأغلبية الطاغية للحزب الحاكم. والحقيقة أن الاتصال المباشر بيناليسار الإسلامي والجماهير يدل على قدرته على التعبير عن الأغلبية الصامتة، عنالوسط بين الجناحين السلفي والعلماني. يريد المحافظة على الشرعيتين في نفس الوقت،الإسلام والعالم، الدين والثورة. ليس حريصاً على السلطة والحكم بل هو للحفاظ علىوحدة الأمة في مسارها التاريخي، إن الله يبعث للأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لهادينها.


 
 

5 - اليسار الإسلامي خلط بين الدين والسياسة، يرغب في الوصول إلىالحكم. هو مجرد توزيع أدوار داخل الحركة الإسلامية التي مازالت تسعى للوصول إلىالسلطة. اليسار الإسلامي مجرد واجهة إعلامية مستنيرة تقوم بدور الغطاء النظريللحركات الإسلامية المحافظة. والحقيقة أن الإسلام -من وجهة نظري- لا يفرق بين الدينوالسياسة كما يفعل الغرب نظراً لظروف الكنيسة في صراعها مع الدولة. الإسلام يطبقالمثال في الواقع، يحول النظر إلى عمل، والفكر إلى ممارسة. هدفه تحقيق التقدموالتغير الاجتماعي من خلال التواصل وليس من خلال الانقطاع حتى لا يحدث رد فعل إلىالقديم من جديد كما حدث في الغرب. الإسلام هو اللحظة الثالثة في تطور العلاقة بينالدين والسياسة بعد اللحظة الأولى تغليب السياسة على الدين في اليهودية، واللحظةالثانية، الفصل بين الدين والسياسة في المسيحية. اليسار الإسلامي تيار معارض. ينقدبعض النظم السياسية القائمة على التبعية للخارج، والقهر والفساد في الداخل. وينقدالمؤسسة الدينية التابعة للدولة والمبررة لقراراتها في الحرب والسلم، في الاشتراكيةوالرأسمالية بنفس الرجال ونفس الفتاوى. الإسلام دين ليس به رجال دين أو كنيسة أوسلطة دينية إلا سلطة العلم. يفك الحصار عن المعارضة العلمانية بأنها ضد الدين. ويخفف من عداء الحركات المحافظة للأيديولوجيات العلمانية، ليبرالية وقوميةواشتراكية وماركسية وإسلامية مستنيرة، كما هو الحال في تركيا وماليزيا. وينقد نفاقبعض الإعلام الرسمي واستخدام الدين لصالح الحزب الحاكم.4 - اليسارالإسلامي تيار غربي يقلد "لاهوت التحرير" في المسيحية خاصة. والحقيقة أن اليسارالإسلامي استئناف لحركات الإصلاح التي أسسها الأفغاني وإقبال، وتطويرها كي تصبحأكثر جذرية وقدرة على التأثير في العالم وإصلاح المجتمعات وتأسيس نهضة الشعوب. وقدسبقت الديانات الأخرى مثل المسيحية والبوذية الإسلام في وضع أسس "لاهوت التحرير" المعاصر في تحقيق المشاريع القومية في الحرية والعدالة، والاستقلال والتنميةابتداءً من تراثها. كان القدماء منتصرين على الأرض فصاغوا العقائد النظرية. ونحنمنكسرون على الأرض في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير، وكلها تحتالاحتلال المباشر، ومازلنا نتحدث عن إرضاع الكبير. كما أن هذه الشبهة تعطي النفسأقل مما تستحق، وتعطي الغرب أكثر مما يستحق. وترجع كل تقدم وإبداع عند الأنا إلىمنابعه ومصادره عند الآخر، وكأن الأنا أصبح عقيماً رضي بأن يكون تلميذاً إلى الأبد،والآخر هو المبدع والمعلم. ولقد استطاع الإسلام في الماضي القيام بنهضة من الداخلوتأصيله في إبراهيم ولم يرَ غضاضة في التعامل مع الحضارات المجاورة، يونانيةورومانية غرباً، وفارسية وهندية شرقاً، والآن أوروبية شمالاً، وأفريقيةجنوباً.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: