الخليج والفتنة مراجعات عند منتصف الطريق
الأربعاء 9 أبريل 2008
أنظر ايضــاً...
 الخليج والفتنة مراجعات عند منتصف الطريق
مهنا الحبيل موقع المصريون  17 / 3 / 2008
 
كنت قد تعرَّضت في مقال سابق بعنوان (حرب الخليج الباردة من يدفع الثمن؟) إلى إرهاصات هذه المرحلة التي تشهد صراعاً وتوتراً بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتوافقاً سريَّاً يخضع لمعايير المصالح المرحلية لكل من الطرفين غير أن ذلك وبطبيعة الحال ينعكس على الميدان الأول لهذه الحرب الباردة وهو الخليج خاصة وأن الجمهورية الإيرانية تعتقد بأنها لا تزال قادرة على ملأ الفراغ في التوازن الاستراتيجي الذي برز بعد تراجع الولايات المتحدة على إثر اضطراب مشروعها في العراق وفي أفغانستان وهي كذلك في حالة صراع محتدم مع الإيرانيين على الساحة اللبنانية والتي أضاف اغتيال عماد مغنية فيها بعداً آخر لحرب التصفيات بين الجانبين.

الخليج المتوسط بين اللبنبنة والعرقنة
ذكر بعض الباحثين والمحللين السياسيين بأن اندلاع الأحداث في لبنان والمواجهات العسكرية المتوقعة بين فرقاء الساحة اللبنانية المذهبية قد تقود الخليج إلى ما اصطلح عليه باللبننة والحقيقة أن وضع الخليج بحسب ما أعتقد مختلف في بعض التوازنات والسمات العامة للحياة الاجتماعية والفكرية والنظم السياسية القائمة وإن كان متفقاً على أن فصائل الثقافة الإيرانية من التنظيمات الشيعية الحركية ترجع إلى مركزية واحدة محسومة بيد طهران في العلاقة الأيدلوجية والولاء المختلط دينياً وسياسياً .
غير أن هذا الخليج الملاصق للعراق تؤثر عليه بصورة حادة اضطرابات العراق الطائفية وتداخل الحالة السياسية في علاقتها مع طرفي النفوذ في واشنطن وطهران وما ينسحب على هذه العلاقات والجسور بين المجموعات الطائفية التي اندمجت و اتحدت مع الولايات المتحدة الأمريكية في غزو العراق وإقامة العراق البديل له صور مشابهة وإن كانت بالطبع ليست متطابقة كالمشهد العراقي وذلك من خلال علاقة الولايات المتحدة الأمريكية ودوائرها الأمنية والسياسية والإعلامية بهذه المجموعات الطائفية التي بنيت أصلاً من خلال مفاهيم وثقافة الثورة الإيرانية وهو ما يُعقد حالة الخليج ويزيد تجاذباته توتراً واحتقاناً.
 
شواهد خليجية من احتقانات المرحلة
ومع اضطرابات الساحة العراقية وخاصة في جنوبه والتي تشهد حالة احتقان طائفي داخلية لدى أبناء الطائفة الشيعية وصراع سياسي بدا فيه بأن إيران تسعى إلى إعادة توظيف تلك المليشيات والجماعات السياسية الطائفية في سياق هذه الحرب الباردة غير أن صعوبة الوضع العراقي برغم كل النفوذ الإيراني شكل عائقاً أمام الإيرانيين في إعادة تنظيم هذه المجموعات لتكون بطاقات مؤهلة للصراع مع الولايات المتحدة ولذا فليس من المستغرب أن يُحرك الإيرانيون مجموعات خليجية سواءً بصورة مباشرة أو إيحاء ضمني لبعض التوجهات لديهم وبعض الأحداث التي تساهم في توتير المنطقة وخلط الأوراق ولعل ثلاثة مشاهد رئيسية أعطت إشارة ولو رمزية لمثل هذه التحركات وإن كان ذلك لا يعزلها كلياً عن الحالة الوطنية الداخلية لكن الإشكالية الكبرى هي تداخل الخطاب الطائفي السياسي بل و تجذره مع كل حراك يصدر في الخليج عن هذه المجموعات المحسوبة على البناء العقائدي الإيراني.

مشاهد الاحتقان من الساحة الخليجية
وأول هذه المشاهد هي أعمال الشغب الدورية التي تغيب وتحضر في البحرين ولكنها تتطور بصورة تدريجية وقد يعتقد البعض بأن تعثر المسار الإصلاحي له علاقة بهذا الشغب غير أن الرصد والوقوف الحقيقي على خطاب الحركة الطائفية في البحرين والمنطقة تصل في سقفها الإصلاحي إلى التغيير التام وليس الإصلاح وهذا يعني أن منتهى الاستقرار لديها يتلخص في تطبيق الاستفتاء العام الذي دعت الحركة مجلس الأمن لتطبيقه للتصويت على هوية البحرين وتغييرها وهو ما أكده شريعة مداري مستشار السيد علي خامنئي مرارا .
 
والمشهد الثاني ما جرى ويجري في الكويت من تزايد الاحتقان ورفع خطاب الطائفية السياسية في بلد معروف على مستوى الخليج بأن حجم الديمقراطية التي عاشتها الكويت كانت ولا تزال تشمل جميع طوائفه وأعراقه بغض النظر عن ضيق هذا الهامش أو سعته أو انكسارات الحالة الديمقراطية في الكويت وما تداعيات تأبين عماد مغنية إلا عنواناً واضحاً لهذه القضية.
 
أما المشهد الثالث فهو احتكاك جرى في مدينة عنك الواقعة على الساحل الشرقي السعودي وهي حاضرة جبور بني خالد الذين يمثلون وأبناء عمومتهم من عقيل بني عامر اعرق القبائل على ساحل الخليج العربي هذا التعدي حصل من بضعة شباب ممن يُسيّرون موكب الأربعين الحسيني حين انتقلوا من أطراف حيهم لأول مرة بالموكب إلى المدينة السنية وهشموا سيارات وواجهات مباني أبناء عنك ولكن حجم الوعي العميق لدى زعماء بن خالد وإدراكهم الدقيق لخطورة تضخيم مثل هذه الجوانب أدَّى إلى احتواء هذه الحادثة بسرعة وفاعلية كبيرة حُلَّت من خلال نظام التعايش الاجتماعي الذي يتمسك به أبناء المنطقة وكان تصرف الدولة حكيماً في إحالة معالجة هذا التوتر إلى القيادات الاجتماعية وحصرها في الإطار المحدود فليس من الصالح أن تثور هذه القضايا وتتفاعل في أي موقف إضافي في الخليج.

كيف تتم المعالجة..؟
كما أنَّ التضخيم له دلالات وآثار سلبية على علاقات التعايش بين أبناء المجتمع الخليجي بين الطائفتين وبالتالي وقوع هذه القضية تحت مدارات التأثيرات الدولية والإقليمية وهو ما ذكره رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم في محاضرته الأخيرة عن ضرورة عدم الزج بالخليج في الصراع الدولي الإقليمي فهو كذلك يستوجب الحذر من الجانب الآخر وهو عدم إعطاء الفرصة للمحور الإقليمي من تطوير هذه الحالة إلى مشروع سياسي تنفيذي ذو خطاب طائفي حاد سيؤدي بكل تأكيد حين تُهمل المعالجات الأولية إلى فتنة عمياء واستفزاز جماعات أخرى وكارثة تحل بأهل الخليج.

البرنامج العملي
وبعد استيعاب هذه المقدمة في المعالجة فإن الأدوات المطلوب تفعيلها تنطلق من هذا السياق لتحقيق التوازن والحفاظ على التعايش والدفع الإصلاحي معاً ومن ذلك:
أولاً:إعادة بعث الرموز الاجتماعية الوطنية القديمة التي سعى الإيرانيون إلى طمسها وشل قدرتها وخُنقت في الخطاب الطائفي في تواز وحراك مع الرموز الاجتماعية السنية للتواصل بين أبناء الطائفتين..
ثانيا: التأكيد على أهمية ممارسة ولو حد أدنى من الاستقلال الوطني في الخليج عن الإرادة الأمريكية خاصة في هذه المسارات الحساسة..
ثالثا: من الخطورة بمكان أن نسمع تسويقاً لحل البرلمانات المنتخبة على ما فيها من قصور أو التراجع عن الحريات الحقوقية التي كفلها الإصلاح النسبي في بعض الدول الخليجية بل على العكس من ذلك المطلوب أن تدفع قضايا الإصلاح الوطني ومعالجة الحالة الاقتصادية التنموية والحقوق الفردية في الإطار الوطني المستقل والتقدم بها لتكون مدارات من الأمل التي تجمع أبناء الشعب بكل طوائفه واتجاهاته نحو هذا الحراك الوطني.
وأخيراً لا بد لدول المجلس أن تعي من أن الحفاظ على التوازن الوطني الاجتماعي وترسيخ الهوية بالعمق العربي ضرورة لا مناص لنجاة الخليج دونها وهذا يترتب عليه تفعيل المشاريع والرؤى المشتركة بين دول مجلس التعاون وتقاسم المسؤولية مع هذه الدولة وتلك لتشكل وحدة تكاملية في برنامجها الاستراتيجي حتى ولو لم تتحقق الوحدة الخليجية الكبرى التي لو كانت حاضرة في مثل هذا المشهد في صورة اتحاد كونفدرالي لكان الخليج في مأمن حقيقي عن هذه الفتن القائمة وما وراء الأكمة أشد وأكبر فمتى يعي أهل القرار خطورة الموقف.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: