علويون تركيا
محمود صادق - الوطن العربي 2/4/2008
احتاج الأمر نحو العامين حتى تستجيب الحكومة التركية لضغوط الاتحاد الأوروبي ومطالب المحكمة الأوروبية وتحقق للطائفة العلوية في تركيا حلمها بعدم تدريس الدين الإسلامي على المذهب الحنفي لأطفالها في المدارس، ورغم أنها ذات الحكومة التي رفضت قرار المحكمة الأوروبية حين صدر في العام 2006، إلا أنها عادت ووضعت واستجابت متنازلة بذلك عن قاعدة سياسية ثابتة تعاملت بها الحكومات المتعاقبة مع العلويين ومطالبهم مثلما تعاملت مع مطالب باقي الإثنيات العرقية التي تتألف منها الدولة التركية.
وقد تمكن أهالي الطلبة من الطائفة العلوية في تركيا من الحصول على حكم قضائي باستثناء أبنائهم من حضور دروس الدين الإلزامية في المدارس، وذلك بعد أن حكمت محكمة التمييز لمصلحة أبوين علويين تقدما بدعوى لاستثناء أبنائهما من تلك الدروس واستندت محكمة التمييز في حكمها إلى مواد الدستور التي تؤكد علمانية التعليم في تركيا، وبذلك يكون العلويون قد خطوا خطوة كبيرة نحو الحصول على جزء من مطالبهم في الخصوصية في العبادة والتعليم، علماً بأن إقرار المحكمة بحق الطالب العلوي في عدم حضور دروس الدين وعدم احتساب درجاتها في سجله، يعفيه من هذه المادة ككل باعتبار أن تعليم المذهب العلوي يتطلب تعديلا كبيراً في قانون التعليم التركي، وهو أمر ليس على أجندة الحكومة التركية في الوقت الحالي.
وكان العلويون قد طرقوا باب الاتحاد الأوروبي شاكين بعد أو أوصدت أبواب الحوار مع الحكومات التركية في وجوههم وقد أصدرت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قبل عامين حكماً مماثلاً طالبت فيه تركيا بتوفير تعليم ديني خاص للعلويين والأقليات الدينية والمذهبية الأخرى، ووجدت الحكومة التركية نفسها أمام خيارين، إما إلغاء درس الدين بالكامل وتحويله درساً اختياريا، أو توفير دروس ومناهج للعلويين بدل دروس الدين الحالية وفضّل رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الحل الأول بجعل دروس الدين اختيارية، لكنه تراجع بضغط من قاعدته الشعبية الإسلامية التي رأت في هذه الخطوة تراجعاً كبيراً عن الصفة المحافظة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
عصيان وثورة
ورغم أن عددا من المراقبين السياسيين اعتبر هذا القرار انتصارا للعلويين وخطوة نحو تحقيق مطالبهم، إلا أن آخرين تشككوا في أن يساهم القرار بتحقيق مزيد من الاستقرار بديلا للتنازع العرقي والإثني في البلاد والذي سينتهي إلى تنفيذ مخطط التفتيت والتجزئة الذي تسعى الإدارة الأمريكية من خلاله لإعادة رسم خريطة المنطقة، وأكد هؤلاء المراقبون أن صفة الاتحاد الأوروبي التي تطالب بإعطاء العلويين وضع الأقلية لم تأت على هوى العلويين الذين يرون أن ذلك من شأنه أن يزيد من عزلتهم ونفور المجتمع التركي منهم خصوصا مع اختلاف علويي الأناضول في ثقاتهم ومعتقدهم مما خلق جدارا بينهم وبين بقية المجتمع التركي.
ويرفض البروفسور عز الدين دوغان، زعيم جمعية جم، أكبر المجموعات العلوية في تركيا، وصف التقرير الأوروبي للعلويين بالأقلية مؤكداً أنهم عنصر أصلي، وقد جاء مصطفى كمال لدى تأسيس الجمهورية إلى مدين كيرشهر للحصول على دعم شيخ علوي وعند التصديق على قوانين الثورة في البرلمان كان شيخ مولوي يجلس إلى يمين أتاتورك وشيخ علوي هو شلبي أفندي، يجلس إلى يساره والدعم الأكبر في معركة الاستقلال كان من النواب العلويين.
وقال دوغان في تصريحات صحفيه إن العلويين أسسوا مع أتاتورك الجمهورية التركية الجديدة، وأن نموذج الدولة الذي أسس الجمهورية واستمراريتها هو نتاج العلويين أيضاً، وحذر من أن النموذج البديل لهذه الدولة. في الجغرافيا نفسها، هو الجمهورية الإسلامية على الطريقة الإيرانية، مشيراً إلى أن الدولة الحالية "ليست دولتنا"، ووصف ما يحدث من قبل العلويين بأنه ليس ثورة بل عصيان فنحن فقط ندافع عن هذه الدولة كموطنين لجمهورية علمانية، لكن إذا ظهرت مقومات أي دولة إسلامية فإن ذلك سيقودنا إلى الثورة، وهذا يعني ـ وفقا للمراقبين السياسيين ـ حربا أهلية بين طوائف وأعراق الشعب التركي.
وزعم زعيم جمعية جم العلوية أن قادة حزب العدالة والتنمية الذين يحكمون تركيا حاليا ليسوا صادقين في الاستجابة لمطالب الاتحاد الأوروبي بل إنهم يريدون التوجه إلى أوروبا فقط لإلغاء تأثير الجيش، وكما يستغلون الديمقراطية يستغلون الاتحاد الأوروبي، وهدفهم النهائي أن يؤسسوا عبر الانتخابات، ديمقراطية إسلامية على النمط الإيراني، وقال إن العلويين في تركيا يتحضرون، مدعومين من الاتحاد الأوروبي، لخوض أهم معاركهم الاستقلالية منذ أباده السلطان سليم وخلفاؤه في القرن السادس عشر.
وكانت حكومة أردوعان قد وضعت حقوق الأقلية خلال السنوات الخمس الماضية، في إطار مسعى تركيا للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وفي تطور لافت قامت تركيا العلمانية التي يحكمها حزب إسلامي سني ينتمي إلى الإخوان المسلمين. قامت رسميا وللمرة الأولى، بإحياء مراسيم عاشوراء التي ظلت ممنوعة على امتداد عقود، وبقيت شأنا خاصاً بالطائفة العلوية وحضر رئيس الحكومة رجب طيب أردوعان يرافقه سياسيون ووزراء ونواب بينهم رئيس الشؤون الدينية على برداق أوغلو، حفل إفطار في أنقرة رفعت خلاله صوراً إسلامية جنبا إلى جنب صور أتاتورك والعلم التركي.
مشكلة مفتوحة
وقد اتخذت المسألة العلوية في تركيا خلال الفترة الأخيرة منحى جديداً بعدما أعلنت الحكومة التركية أنها تسعى لتحسين أوضاع العلويين في البلاد فيما تصاعد خطاب الأقلية العلوية بحدة معلناً أنه حان الوقت لوضع نهاية لهذه المشكلة، وتعتبر المسالة جديدة تضاف على مشكلات كثيرة تقع في صلب هوية تركيا. وإذا كان النظام العلماني قد فشل في إرساء علمانية حقيقية فإن حزب العدالة والتنمية الذي يحاول تقديم نموذج على أن التجربة التركية في ظل الإسلاميين حقيقية وليست لفظية في الاعتراف بالآخر ولذلك فهو يريد إيجاد حل لهذه المشكلة.
ويسعى العلويون لتجاوز المطالب الشكلية السابقة التي كانت تختصر في الاعتراف بهم كأقلية مسلمة والاعتراف بحقهم في أن يتمثلوا في رئاسة الشئون الدينية أسوة بالسنة أو السماح لهم. بإنشاء مجلس ديني خاص بهم، حيث هناك توجه جامع وكاسح في أوساط العلويين، وتشير مصادر علوية إلى أنه إن لم يُعترف بهم كأكبر الأقليات المسلمة بعد السُنة في تركيا وإشراكهم في صناعة القرار فإنهم سوف يتوجهون لرفع رسالة إلى المفوضية الأوروبية لتشكيل كيان خاص بهم أو العمل بسياسة المحاصصة على غرار ما يجري في العراق وأن يكون لهم مناصب وزارية عليا وسيادية ووزراء ونواب في البرلمان كانت في السابق تحتكرها الأحزاب اليسارية ووفقا لحجمهم السكاني.
ويعترف العلويون بأن هناك بعض التحسن في ممارسة الطقوس الدينية والأداء المذهبي إلا أن ذلك لم يكن بالشكل الذي يضمن لهم حقوقهم بالتساوي مع بقية المذاهب وخاصة السنة ولذلك فإنهم سوف يبدأون في تحضير تقرير يتضمن اقتراحات عملية للبدء بمشروع الانفتاح العلوي في تركيا أملا بحل كل المشاكل العلوية خلال عامين، وستتم دعوة كل الجمعيات والأوقاف العلوية في تركيا إلى اجتماع لاستشارتها ولاستماع إلى آرائها حول التقرير قبل إعطائه الشكل النهائي، وتشير المعالم الأولية للتقرير إلى أنه سيتم تشكيل مؤسسة لتمثيل العلويين تحت اسم "المديرية العامة لشؤون العلويين" على أن تكون تابعة إما لرئاسة الوزراء أو لرئاسة الجمهورية، ووفقا لمصادر صحفية فإن ثلاثة آلاف موظف سوف يعملون في هذه المديرية، وربما يزيد على ذلك بينما ستخصص الدولة ميزانية ما بين 3.2 ملايين ليرة تركية (أي حوالي المليوني دولار) لدعم هذه المؤسسة، كما يقترح التقرير إقامة معاهد خاص للمحافظين العلويين يتم فيها تدريس "علم الاجتماع في الدين العلوي" و "تاريخ الدين العلوي" و "الخبراء العلويين" وتدرس في بنيته أيضاً العلوم الأكاديمية والبحث في الدين العلوي، لكن أهم خطوة في هذا المشروع الانفتاحي هو السماح بتأسيس "ديار علوية" ضخمة في كبرى المدن التركية، مثل إسطنبول وأنقرة وازمير. بينما تتكفل المديرية العلوية في الدولة بمصاريف إنشاء هذا الديار، وفي المقابل سوف يطلب من البلديات تسهيل مسألة شراء الأراضي على العلويين.
رقم صعب
والعلويون في تركيا لهم خصوصياتهم ويشكلون رقما صعبا في التركيبة الاجتماعية والثقافية، حيث يتجاوز عددهم العشرة ملايين نسمة، ولكنهم لا يشعرون بالانسجام أو الألفة داخل المجتمع التركي كما يقال بسبب عاداتهم وطقوسهم ومعتقداتهم، ويقول علويون أتراك إنهم يعانون من التمييز رسميا وشعبياً، وإنهم طلبوا تدخل الاتحاد الأوروبي للضغط على تركيا لإنصافهم، ولكنهم عادوا ووقفوا إلى جانب الدولة في رفض اعتبارهم أقلية في البلاد ويصرون على تحقيق مساواة كاملة باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات.
والعلويون في تركيا طوائف مختلفة في طقوسها واعتقاداتها. يقترب بعضها من شيعة إيران في شرق تركيا ويمتد بعض الآخر ليتحد مع العلويين في سورية، أما الأغلبية الباقية فهي التي يطلق عليها علوية الأناضول، ولها من الطقوس والمعتقدات ما يميزها عن غيرها، وتقام هذه الطقوس في بيت الجبة ويتخللها العديد من الحركات الأدائية التي قد تبدو غريبة جداً لغير العلوي، هذه الطقوس تعتبرها الأغلبية المسلمة السُنية في تركيا بدعا وإنكار عليويي الأناضول لعدد من أركان الإسلام مثل الصلاة والصيام والحج جعل قسما من أهل السُنة في تركيا يرون في العلوية خروجا عن الإسلام، وإذا ما أضفنا تقدم العلويين اليساري إلى صفاتهم فإننا ندرك سر عداء القوميين لهم الموروث عن الخلاف القديم بين القوميين والشيوعيين.
والعلوية، هي عطاء لعدد كبير من الجماعات الدينية الشيعية، ومعظم العلويين هم إثنياً ولغوياً أتراك انحدروا من وسط وشرق الأناضول، وأطلقت عليهم عدة تسميات من قبيل القزلباش ) kizilbach ( والبكتاشية (Bcktashi) والتهتاجية (Tahtaci) فضلاً عن تسميات أخرى لها طابع إثني، مثل الزاز (Zaza) إلخ، ويشمل مسمي العلوية جماعات عدة متباينة، مثل، الأتراك والعرب والأكراد والتركمان (Turkomans) واليورك (Yoruk) والتهتاجي (Tahtaci) وتختلف نسب توزعهم الإحصائي بين الانتساءات المذكورة، غير أن المتفق عليه أن أكثرهم من الأتراك ويليهم الأكراد، ويواجه العلويون مشكلات عديدة، ذلك أن مفهوم الهوية لديهم غير محدد أو متفق عليه بينهم، كما أن التوزع أو التنوع الإثني العرقي واللغوي يوسع دائرة الجدال الداخلي بينهم حول أولوية الانتماء.. هل هي للأساس الديني أم للأساس الإثني؟
وقد واجه العلويون إقصاء جغرافيا وسياسياً وبيولوجياً في فترة الدولة العثمانية التي لم تعترف بهم، بل قامت بحملات منظمة ضدهم خلال عدة قرون، وقد دفعهم ذلك إلى تبني وتطوير نظام عقيدي وسلوكي بهدف الحفاظ على وجودهم الأمر الذي وصل بهم تاريخياً إلى طقوس دينية وتجليات ثقافية تختلف عن الطقوس الدينية والثقافية المعروفة في المجال الإسلامي.