إنه الاقتصاد يا نجاد
إلياس حرفوش - الحياة " اللندنية 25/11/2008
عندما يقول رئيس بلد يملك ثاني احتياط من النفط والغاز في العالم إن انخفاض أسعار النفط لا يؤثر فيه، وإن بلده يستطيع أن يعيش على سعر 5 دولارات للبرميل، لأن اقتصاده يعتمد على ذاته ولا علاقة له بالخارج، يفترض أن يكون الرد على ذلك: ساعد الله هذا الشعب على ذاك الرئيس!
فإطلاق كلام كهذا له واحدة من خلفيتين: إما استهتار كامل بمصير الناس وأحوالهم المعيشية، في بلد يعيش 14 مليوناً من أهله تحت خط الفقر، وتبلغ نسبة التضخم فيه 30 في المئة، ويواجه نظاماً صارماً من العقوبات الدولية، أو جهل كامل بأثر الاقتصاد في حياة الناس وبمدى الترابط الذي صار واقعاً بين خزائن العالم وحركة أمواله، كما أثبتت الأزمة الاقتصادية الأخيرة. ولعل الأصح هو انطباق الحالين على الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد. فاقتران الجهل بالاستهتار، عندما يكون رجل في موقع السلطة، لا بد أن يؤدي إلى سوء الإدارة، وبالتالي إلى إفقار البلد وتفريغ خزينته من احتياطيها.
وكي لا يكون إلقاء الكلام على عواهنه، هذه الأرقام: من أصل ما لا يقل عن 200 بليون دولار حصلت عليها إيران من عائدات النفط خلال السنوات الثلاث الماضية لا يزال في خزينتها 25 بليون دولار. هذا في زمن كانت فيه العائدات النفطية مرتفعة بشكل استثنائي، إذ بلغت الأسعار في الصيف الماضي معدل 150 دولاراً للبرميل، لكنه هبط الآن إلى حوالي خمسين دولاراً. مما يعني أن هذا السعر سيؤدي إلى تأثير بالغ على الموازنة في بلد توفر مبيعات النفط فيه 80 في المئة من دخل الدولة،وتوضع موازنته على أساس سعر 80 دولاراً للبرميل. ذلك ان الرئيس نجاد، بحسن قراءته وبعد نظره، سبق أن توقع في تموز (يوليو) الماضي أن لا يهبط سعر البرميل إلى ما دون مئة دولار، وهو توقع لا ينافسه في الذكاء سوى توقعه باستحالة فوز اوباما بالرئاسةالأمريكية، لأنه، على حد قوله: حتى لو صوّت له كل الأمريكيين، لن يسمح له بالوصول إلى البيت الأبيض!
أين ذهبت الاحتياطات الإيرانية؟ إنفاق بالغ على استيراد المواد الغذائية والحاجات المعيشية، وكذلك على النفط الذي تحتاج إيران (البلد الغني بالنفط) إلى استيراد حاجاتها منه بسبب نقص المصافي أو الحاجة إلى إصلاحها. إلى جانب الأموال التي تدفع كرشاوى سياسية وانتخابية، فضلاً عن بلايين الدولارات التي تدفع للوسطاء للتحايل على العقوبات المفروضة على إيران بسبب تحديها العالم في البرنامج النووي. أضف إلى ذلك التمويل المكلف لامتداد الدور الإيراني في المنطقة، من «حماس» و «حزب الله» إلى عدد من الحركات في منطقة الخليج، وهو التمويل الذي بات ينتقده كثيرون في إيران، من بينهم محمد علي ابطحي، نائب الرئيس الإيراني السابق، بقوله: لقد انتخب الإيرانيون رئيسهم ليهتم بشؤونهم لا لينفق أموالهم على الشعوب الأخرى!
لا يتجاهل احمدي نجاد اثر الاقتصاد على الأنظمة إلا عندما يتعلق الأمر ببلده. فأمام الأزمة التي تعصف بالاقتصاد الغربي، يتوقع مثلاً انهيار الأنظمة الغربية وسقوط الرأسمالية، مما يمكن أن يكون مؤشراً إلى انه متابع جيد للفضائيات العربية، أو قارئ متمعن لـ «أفكار» بعض كتابنا العرب! أما بالنسبة إلى إيران وما يشبهها، فلا رابط بين الاقتصاد والسياسة ولا من يحزنون! هنا تستمر السياسة على ماهي عليه، سواء في الاقتصاد أو في أمر آخر، لأن آخر ما يعنيها هو الشأن العام ومدىقبول الناس لهذه السياسة أو اعتراضهم عليها.
ليس أدل على ما نقول من دعوةمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي احمدي نجاد وحكومته إلى العمل على أساس أنهم باقون في الحكم أربع سنوات جديدة، متجاهلاً أن الإيرانيين مدعوون إلى انتخابات رئاسية في شهر حزيران (يونيو) المقبل. هل يعني هذا أن النتائج حُسمت سلفاً، وانه حتى لو صوّت الإيرانيون كلهم ضد احمدي نجاد فلن يستطيعوا إخراجه من منصبه، مثلما كان توقعه لمصير اوباما، أم تكذّب «الديموقراطية» الإيرانية المشكّكين، وتسمحل لإيرانيين بالتصويت لمصلحة ما يخدم عيشهم وتحسين أحوالهم، بدل السير وراءالإيديولوجيات والشعارات؟