الحلم الشيعي
كتب أحمد الصراف - القبس 11/11/2008
لست معنياً، لا من قريب ولا من بعيد، بالاختلافات والأحقاد الطائفية التي تعصف بمجاميع كبيرة من مواطني وطني، ولست مجبرا على تبرير وجهات نظري أو الدفاع عن مواقفي، فهذا ليس غرضنا ولا هدفنا هنا.
تبلورت فكرة هذا المقال مع الساعات الأولى لانتخاب باراك اوباما لأقوى منصب تنفيذي في العالم. وان ينجح أميركي من أصل أفريقي ومن خلفية دينية مثيرة للجدل، ومن خارج آلة الواسب WASP الرهيبة، التي لم تخترق إلا لمرة أو اثنتين في تاريخ أميركا، وفي دولة كانت العنصرية، ومعاداة السود والتحيز الشديد ضدهم، هي السمة الغالبة، ولا تزال، في الكثير من الولايات الأميركية، فإن هذا يعني انه ليس هناك ما لا يمكن تحقيقه، خاصة في عالمي السياسة والعلاقات الإنسانية.
وصول «أفريقي» للرئاسة حقق حلما طالما راود «مخيلة» القلة من الأميركيين، فالغالبية لم يخطر على بالها حتى أن تفكر في هذا الحلم لشدة بعده عن الواقع، وحتى قبل ساعات قليلة فقط من تحققه، ومع هذا أصبح الحلم واقعا، وأصبح من كان والده مسلما كينيا وعاش في أميركا مسلما كينيا، وعاد إلى وطنه مسلما كينيا، بعد سنتين فقط من ولادة ابنه، ليموت هناك مسلما كينيا، أصبح ابن ذلك الرجل المسلم الكيني، وبالرغم من كل المحاذير والعوائق، وحتى التهديدات، رئيسا لأقوى آلة عسكرية وسياسية ومالية عرفها التاريخ.
من هذا المنطلق من حقي أن احلم، كما حلم زعيم الحقوق المدنية الأسود، القس مارتن لوثر كينغ، قبل قرابة نصف قرن، في خطابه الشهير الذي ألقاه في واشنطن في اكبر تظاهرة مناوئة للعنصرية في تاريخ أميركا من حقي كمواطن كويتي أن احلم بوطن يتساوى فيه الجميع أمام القانون، وتكون للجميع فيه حقوق مدنية واحدة، من حقي أن احلم لأنني لا أود أن اصدق أن ينجح من لم يتجاوز الـ47 من العمر في الوصول للمنصب رئيس الولايات المتحدة، بالرغم من كل العوائق العرقية والدينية والعنصرية، ولا يستطيع، لا بل يحرم على، مواطن كويتي، أبا عن جد عن جد اكبر، ولو بلغ الستين من العمر، يحرم عليه العمل كمراسل في 50% من الشركات المساهمة، وبالذات الإسلامية، دع عنه عدم قبول المواطن نفسه للعمل في عشرات الجهات والدوائر الحكومية الحساسة، لا لشيء إلا لأنه شيعي، ولو كان من القطيف، ولو كان تراب أكثر من مقبرة تضم رفات أبيه وجده الأول ومن سبقه!
كيف يمكن أن نصدق أن من جاء الكويت قبل أكثر من 200 عام ليس أهلا للثقة فقط لأنه شيعي، وان الآخر، وفقط لأنه من مذهب آخر، تفتح كل الأبواب أمامه ويرحب به في كل جهاز خاص وسري. بالرغم من انه لم يحصل على الجنسية إلا قبل 10 أو 12 سنة مضت؟ ولماذا يصبح من يربي لحية وينتسب للسلف أو الإخوان ويحارب في جيوش جمع الأموال لديهم، لماذا يصبح أفضل من غيره، ويسمح له بالخطابة في المولات وتفتح له من التلفزيون القنوات ليقدم من خلالها التمثيليات والهلوسات، ويعالج المرضى والمريضات بالضرب بالهراوات ليخرج الجن من أبدانهم المتعبات؟ هل يمكن أن يصدق عاقل هذا الذي يجري في الكويت، وحتما في غيرها من الدول الإسلامية؟ وهل يلام هذا «المواطن»، أو غيره من الذين مورست مختلف صور التحيز العرقي والمذهبي ضدهم، أن قام بدفن أحزانه ويأسه في الحسينيات أو تجنب المجتمعات وغرق في التطرف وأرسل الخمس إلى خارج الدولة ونادي بالولاء الديني للآخر، وأقام المآتم المثيرة للجدل وتعسف في صوته الانتخابي، وأعطاه، نكاية أو اقتناعا، لأكثر المرشحين تطرفا وغلواء؟
لدي حلم بان تقوم حكومتنا بالتخلي عن الحيرة التي تعصف بها وان تحزم أمرها، وتصدر برنامج قواعد وأخلاقيات العمل، أو Affirmative Action، تمنع بموجبه أي جهة، وان تبدأ بنفسها، من ممارسة التمييز العنصري ضد احد بسبب الجنس أو العرق أو المذهب، وان يكون للجميع الحق في الحرية والعمل والحق في السعي بحثا عن السعادة، فهذا اقل ما هو مطلوب من الحكومة القيام به.
فوطن يشكو جزء كبير من مواطنيه من مثل هذا التحيز في المعاملة معرض دائما لان يخان ولا يصان ولا يحترم! فالوطن، أي وطن، لا يساوي شيئا، ولا يستحق الدفاع عنه والإخلاص له والذود عن حياضه إن لم يشعر مواطنوه بالحرية والكرامة فيه، وبان للجميع حقوقا متساوية في العيش الشريف تحت مظلة القانون.
وقد سبق أن قال مارتن لوثر كينغ في خطابه الشهير: «.. الآن هو وقت الوفاء الحقيقي لوعودنا الديموقراطية. الآن هو الوقت لان ننهض من ظلام الوديان المهجورة والى طرق العدالة الاجتماعية المضيئة. الآن هو الوقت الذي نرفع فيه امتنا من حفر الرمال المتحركة والى صخور الأخوة الصلبة والمستقرة.، الآن هو الوقت الذي يمكن أن نجعل فيه العدالة حقيقة للجميع، وليس للبعض فقط».