الأكراد في إيران: إنفجار محتمل
السبت 29 نوفمبر 2008
الأكراد في إيران: إنفجار محتمل
سامي شورش - الغد الأردنية 22/11/2008
 
تشكل الحالة الكردية أحد أهم مصادر الخطر الداخلي على النظام الديني الحاكم في إيران خصوصاً في المرحلة الحالية التي تعصف فيها بإيران رياح صراعات خارجية وداخلية لا تحصى. فعلى الصعيد الخارجي، تواجه إيران معضلات بفعل توتراتها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والإقليمي حول برامجها النووية والصاروخية وتدخلاتها في العراق وأفغانستان ولبنان، إضافة إلى سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان.
أما على الصعيد الداخلي فإنها تواجه أزمات معيشية واقتصادية متصاعدة بفعل العقوبات الأميركية والعزلة السياسية والاقتصادية المفروضة عليها.  وفي خطوة دراماتيكية أخرى، أصدر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد تعليمات لكبرى البنوك في بلاده بسحب مدخراتها وودائعها من البنوك الأوروبية وتحويلها إلى البنك المركزي الإيراني تحوطاً من احتمال فرض عقوبات دولية على حكومته.
علاوة على هذا، تمر إيران باحتقانات اقتصادية شديدة بفعل انتهاج الرئيس نجاد سياسة الاعتماد على الواردات النفطية كمصدر أساسي لميزانية الدولة. في هذا الصدد، تشير التقارير إلى أن الموازنة المالية لحكومة نجاد تعتمد بنسبة 70% على عائدات النفط. مع هذا، تشهد نسبة النمو الاقتصادي في البلاد انخفاضاً مستمراً حيث وصلت في الفترة الأخيرة إلى 4%. ما يفاقم الحالة، أن الحكومة لا تخصص هذه الواردات لتنشيط العجلة الاقتصادية، إنما لاستكمال برامجها النووية والصاروخية ونشاطاتها الأمنية وتقوية أجهزتها الاستخباراتية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وسط هذا الموزاييك المعقد، تكتسب الحالة الكردية في إيران اهتماماً خاصاً. فانفجار برميل البارود (الكردي) في دولة مرهقة ومتخمة بالمشكلات مثل إيران، سيؤثر حتماً لا على مجمل الأحوال السياسية فيها فحسب، بل، أيضاً، على مصير نظامها السياسي. في الواقع، تحاول الحكومة نزع فتيل الانفجار الكردي. لكن المشكلة أنها لا تنظر في المعالجة الصحيحة القائمة على السياسة والتنمية والحوار، إنما تنظر في وسائل القمع والسحق بحق الأكراد وباقي المكوّنات التي لا تتفق في الإثنية والدين والمذهب مع النظام الإيراني.
إلى ذلك، تواصل السلطات الحكومية سياسة كتم الأفواه وغلق الصحف واعتقال الناشطين في مجال حقوق الإنسان في المناطق الكردية. ففي تموز الماضي ألقت هذه السلطات القبض على محمد صادق كابواند رئيس منظمة حقوق الإنسان في كردستان رئيس تحرير صحيفة (بيام – الرسالة) الأسبوعية بتهمة الترويج لدعايات مضادة ضد النظام. في حادث آخر، نفّذت حكم الإعدام شنقاً بحق شاب كردي معارض جرى تعليق جثته في شوارع مدينة سنندج.
بعد أيام على هذا الحادث، اندلعت تظاهرات كبيرة في مهاباد وسنندج وسقز وبانه قتل فيها نحو عشرين متظاهراً، كما أصيب ضعف هذا العدد بجروح. في ما بعد، تواصلت التظاهرات لأكثر من شهر، حيث اعتقلت السلطات المئات من المتظاهرين بينهم صحافيون جرى إعدام عدد منهم.
إلى هذا، أصدرت المحاكم الإيرانية قراراً منعت بموجبه صحيفة (آشتي) ومجلة (آسو) الكرديتين من الصدور بتهمة تحريضهما المواطنين على التظاهر.
يشار إلى أن منظمة العفو الدولية نشرت في شهر تموز الماضي تقريراً قالت فيه إنها تخشى من تصاعد القمع الذي يتعرض له الأكراد في إيران، خصوصاً العاملين منهم في الوسط الصحافي، مشددة على أن الأكراد يعانون في إيران من الاضطهاد في حياتهم السياسية والثقافية والاجتماعية. كما أن مناطقهم تعاني الإهمال والتمييز.
في الحقيقة، يمثل الأكراد عاملاً مؤثراً في الوضع الداخلي الإيراني نظراً لتعدادهم السكاني الكبير حيث يشكلون ثالث قومية كبيرة في إيران (نحو 15 مليوناً) بعد الآذريين الذين يفرضون هيمنتهم الاقتصادية على البازار، والفرس الذين يديرون دفة السياسة والثقافة في البلاد. كما أن مناطق انتشار أكراد إيران تتاخم أجزاء أخرى من كردستان في العراق وتركيا حيث ينشط الأكراد في المطالبة بالاستقلال الذاتي. إلى ذلك، يشتهر أكراد إيران بمعارضتهم التاريخية للأنظمة الإيرانية المتعاقبة. آخر مثال في هذا الصدد هو جمهورية مهاباد التي لم تعش سوى أقل من عام في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، إضافة الى الانتفاضة المسلحة التي شملت كردستان إيران بين عامي 1979 و 1983. يشار إلى أن أجهزة الأمن الإيرانية نجحت في عام 1989 في اغتيال الأمين العام للحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني الدكتور عبد الرحمن قاسملو في فينا. وبعد نحو عامين نجحت في اغتيال خلفه الدكتور سعيد شرفكندي في مقهى بألمانيا.
أما في الوقت الراهن، حيث تتجه إيران لمرحلة جديدة من التوترات مع الولايات المتحدة الأميركية في ظل رئيسها المنتخب باراك أوباما، فيشعر الأكراد بأن خيارات عدة أصبحت متاحة أمامهم:
الأول، الذهاب إلى تحالف وثيق مع التيارات الإصلاحية في الانتخابات المقبلة. هذا الاحتمال، سيمهد حتماً لرجحان كفة الإصلاحيين على حساب التيارات المتشددة كما حدث في عام 1997 حينما صوّت الأكراد بشكل عارم لصالح الرئيس الإصلاحي المعتدل الدكتور محمد خاتمي.
الثاني، التوجه لتطوير حركتهم المسلحة. هذا الاحتمال في حال تحققه، يمكن أن يخلق فرصة كبيرة للتحالف مع مجموعات إيرانية معارضة، خصوصاً منظمة مجاهدي خلق التي تعاني من الافتقار إلى مساحة جغرافية تؤويها داخل إيران. ما يزيد هذا الاحتمال أن حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي يقود العمليات المسلحة يشدد على الدوام على رغبته في العمل مع بقية الأطياف الإيرانية من أجل بناء دولة فيدرالية ديموقراطية موحدة.
الثالث، التحالف مع أي قوة إقليمية أو دولية تريد المسّ بالوضع الإيراني الراهن كالولايات المتحدة الأميركية أو الدول المتحالفة معها في المنطقة. في هذه الحالة، يمكن للوضع الكردي أن يحضّ بقية المكونات الاثنية والدينية والمذهبية في إيران للشروع بدورها في زعزعة الوضع الداخلي الإيراني.
يعتقد الأكراد أن الخيارات الثلاثة متاحة أمامهم. والأرجح أنهم سيلجئون إلى اختيار الأنسب منها بحسب السياسة التي ستنتهجها حكومة الرئيس نجاد ضدهم. فالوطنية، في المعتقد الكردي، تظل في النهاية محكومة بدرجة المسؤولية التي تبديها الأنظمة الحاكمة في احترام الأكراد والاعتراف بهويتهم الذاتية وقبول دمجهم طواعية في الهويات الوطنية.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: