جولة الصحافة\العدد الثامن والستون صفر 1430 هـ
محيي الدين بن عربي‏..‏ في مصر
السبت 31 يناير 2009
 
محيي الدين بن عربي‏..‏ في مصر
الأهرام العربي – 27/12/2008
 
جامعة الأزهر‏,‏ دار الكتب والوثائق القومية‏,‏ السفارة الإسبانية بالقاهرة‏,‏ ثلاث جهات تكاتفت لإنجاز هذا المؤتمر الذي استمر علي مدار ثلاثة أيام تحت عنوان ابن عربي في مصر‏:‏ ملتقي المشرق والمغرب إضافة إلي صندوق التنمية الثقافية الذي أقام معرضا للفنانة التشكيلية أنا كريسبو في قصر الأمير طاز‏,‏ حيث أنجزت لوحاتها من وحي أشعار الشيخ الأكبر ابن عربي‏,‏ فجاءت أكثر ميلا إلي التجريد باستخدام الألوان الرمادية‏,‏ بجانب الأبيض والأحمر‏.‏
وما يبعث علي الدهشة أن هذا المؤتمر يجري في القاهرة بعد عشر سنوات تقريبا من مطالبة عدد من أعضاء مجلس الشعب بمصادرة كتاب الفتوحات المكية لابن عربي الصادر في‏36‏ جزءا‏,‏ و كأن الأعضاء الذين طالبوا بذلك قرأوا الكتاب وكأنهم حين قرأوا فهموا ما يقول‏.‏
كانت مصر محطة رئيسية في مسيرة ابن عربي‏,‏ الذي ولد في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي بمدينة مرسية شرقي الأندلس‏,‏ ثم انتقل إلي أشبيلية فأقام بها ما يقرب من عشرين عاما‏,‏ بعدها ارتحل إلي مكة للحج ولم يعد إلي مسقط رأسه‏,‏ فقضي حياته بين مصر وبلاد الشام‏,‏ إلي أن استقر في دمشق التي توفي ودفن فيها‏,‏ تاركا وراءه إنتاجا غزيرا‏,‏ وصل لدي البعض إلي حوالي‏300‏ كتاب‏,‏ أشهرها علي الإطلاق الفتوحات المكية وقد حظي بشهرة عريضة في الشرق والغرب‏,‏ حيث ترجم إلي العديد من اللغات العالمية‏.‏
جرت وقائع الافتتاح بمسرح الجمهورية وسط حضور إعلامي وثقافي مكثف‏,‏ إلي جانب ضيوف المؤتمر الذين تنوعت تخصصاتهم من المهتمين بدراسة مسيرة الفيلسوف المتصوف ابن عربي وتجاوز عدد المشاركين بالمؤتمر أربعين عالما وباحثا من مصر وسوريا وتونس والأردن وإسبانيا وإنجلترا وفرنسا‏,‏ وكان علي رأس قائمة الحضور السفير الإسباني بالقاهرة أنطونيو لوبيث الذي ألقي الكلمة الافتتاحية للمؤتمر مشيرا إلي أهمية فكر ابن عربي في إرساء قيم التسامح بين الحضارات والعقائد‏,‏ وتحدث بعده الدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر ملقيا الضوء علي مسيرة ابن عربي باعتباره فيلسوفا جمع بين الغرب وأسراره والشرق وأنواره منذ نشأته في بلاد الأندلس‏,‏ في حقبة تاريخية شهدت ازدهار الحضارة الإسلامية وانتصاره للتسامح‏,‏ بعدما استشرت الحروب والمواجهات بين الشرق والغرب التي اتخذت الصبغة الدينية برغم استنادها لأسباب سياسية واقتصادية‏,‏ وبخاصة تلك التي عرفت بالحروب الصليبية‏,‏ كما فند د‏.‏ الطيب جانبا من الاتهامات التي رددها خصوم ابن عربي في عصره واتهامهم له بالكفر‏,‏ مشيرا إلي أنه كان متمسكا بالشريعة المحمدية‏,‏ لكن فلسفته قامت علي قبول الآخر مهما كانت عقيدته استنادا لمفهومه الرحب عن الإيمان‏.‏
أما الدكتور محمد صابر عرب رئيس الهيئة العامة للكتب والوثائق القومية فقد استهل كلمته مشيرا إلي أهمية تأمل فكر ابن عربي في تلك الحقبة التي يبدو فيها العالم ماضيا نحو تدمير ما أنجزه البشر من حضارة في ظل تصادم وتصارع الحضارات والمذاهب‏,‏ ولعل هذا ما جعل مؤلفات ابن عربي التي تجاوزت الثلاثمائة كتاب تلقي اهتماما بدراستها وتحقيقها شرقا في مصر والهند وتركيا وفارس حتي أوروبا والأمريكتين غربا‏.‏ وأكد عرب ضرورة قراءة فكر ابن عربي في سياقه الفني والتاريخي‏,‏ فقد عاش الفيلسوف المتصوف في نهايات القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الميلادي‏,‏ حيث اشتعل الصراع بين الشرق والغرب وبدأت شرارته الأولي بالأندلس‏,‏ ربما يفسر ذلك كثيرا من أفكار ابن عربي ورؤاه المتسامحة مع كل العقائد‏.‏
ابن عربي ـ لدي د‏.‏ سليمان العطار ـ نقل التصوف تماما من مرحلة الأفكار الغامضة التي تنوء التفسيرات والشروح بمحتوي ألفاظها إلي مستوي الفلسفة ذات الأبعاد التي تعتمد علي علاقة التباديل والتوافيق بين الله والإنسان والعالم‏,‏ وللوصول إلي هذه الأبعاد ـ كما توصل د‏.‏ العطار في بحثه ـ قدم ابن عربي نظرية في المعرفة تعتمد علي الخيال ونظريات تتعلق بالجمال والدين والأخلاق‏.
وكشف د‏.‏ ستيفان هيرتنشتين‏,‏ عن أن جمعية محيي الدين بن عربي أقامت عام‏2001‏ أرشيفا رقميا لأعمال ابن عربي‏,‏ عقب فقدان أكثر من مائة كتاب من إحدي مكتبات المخطوطات الكبري في تركيا‏,‏ التي تضمنت كتبا كثيرة تعود إلي فترة حياة ابن عربي‏,‏ وكانت جزءا من المكتبة الخاصة لوريثه صدر الدين القوني‏,‏ وقد قامت الجمعية في السبع سنوات الأخيرة بجمع نسخ رقمية لأهم مخطوطات ابن عربي‏.‏
ركزت أبحاث المؤتمر علي علاقة ابن عربي بمصر‏,‏ حيث أوضح د‏.‏ ألفونسو كارمونا أن الشيخ الأكبر عندما جاء إلي مصر كان بالنسبة للبعض صوفيا تسبقه شهرة ما‏,‏ أما بالنسبة للآخرين فكان فقيها أتي من المغرب الإسلامي‏,‏ مدافعا عن المذهب الظاهري‏,‏ الذي تلقاه بشكل أساسي عن ابن حزم من خلال بعض أساتذته‏.‏
وعن الجانب الشعري في رحلة ابن عربي‏,‏ دار بحث د‏.‏ عبدالناصر حسن حول تأثير الشيخ الأكبر علي القصيدة الشعرية المعاصرة‏,‏ وقد يرجع ذلك ـ كما يشير الباحث ـ إلي أن فكرة الخلق الشعري لديه لا تنفصل في جوهرها عن فكرة خلق العالم وكيفية الخلق‏,‏ وبالتالي فإن لغة ابن عربي في تجسيدها لفكرة الخلق‏,‏ تحمل طبيعة جمالية‏,‏ يجسد من خلالها فكرة وجود العالم‏,‏ وكان لديوانيه ترجمان الأشواق والديوان الأكبر تأثيرات عميقة في الشعر المعاصر عبر نماذج محددة لدي عدد من رواد شعر التفعيلة‏,‏ أمثال عبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور ومحمد عفيفي مطر‏.‏
من المعروف أن ابن عربي مر بمصر في رمضان عام‏598‏ هجرية‏,1202‏ ميلادية‏,‏ ثم عاد بعد ذلك إليها عام‏603‏ هجرية‏,1207‏ ميلادية‏,‏ ولذلك كانت علاقته بالأندلسيين المقيمين في مصر وكذلك بالمتصوفة أمثال ابن الفارض وذي النون المصري موضوعا لأكثر من بحث في المؤتمر‏,‏ فالدكتور جوزيبي اسكاتولين عقد مقارنة لغوية بين سلطان العاشقين ابن الفارض والشيخ الأكبر ابن عربي‏.‏
وكما يقول فإن التحليل اللغوي لشعر ابن الفارض وابن عربي يثبت عدم تأثر كل منهما بالآخر‏,‏ وإن كان لا ينكر أن هناك رابطة قوية بين أفكارهما‏,‏ ترجع إلي أنهما استلهما هذه الأفكار من ذات الخلفية الصوفية‏,‏ خصوصا ما يتعلق منها بمفهوم الإنسان الكامل‏,‏ الذي عبر عنه ابن عربي من منظور فلسفي‏,‏ بينما عبر ابن الفارض عنه من منظور شخصي قائم علي التجربة‏.‏
وإذا كان اسكاتولين قد نفي أن تكون العلاقة بين القطبين الصوفيين علاقة التلميذ بالأستاذ‏,‏ فإن د‏.‏ عبدالرحمن التليلي يستنتج إمكانية قيام ابن الفارض بقراءة نصوص ابن عربي قبل تأليف التائية الكبري لكن علاقة التتلمذ بدت واضحة لا لبس فيها حين دار الحديث حول علاقة ابن عربي بـذي النون المصري فقد كان الثاني عنوانا لأحد كتب الأول‏,‏ وقدم د‏.‏ محمود علي مكي قراءة في مخطوطة الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري لابن عربي‏.‏
المخطوطة التي حققها د‏.‏ مكي‏,‏وتنتظر طباعتها‏,‏ تبدأ بقصيدة من‏38‏ بيتا‏,‏ ثم يشرع ابن عربي في ترجمة حياة ذي النون‏,‏ ومشاركته في علم الحديث‏,‏ وما رواه من أحاديث نبوية‏,‏ بعد ذلك يفرد فصلا طويلا لمحنة ذي النون المصري حين اتهم بالزندقة‏,‏ ومن ثم تمت مواجهته بالخليفة جعفر المتوكل الذي اقتنع ببراءته فرده إلي مصر معززا مكرما‏,‏ تهمة الزندقة ذاتها لاحقت ابن عربي‏,‏ ولعل ذلك يعود إلي مذهبه في وحدة الوجود‏.‏ وضمن آثاره في مصر‏,‏ وهو كان صاحب طريقة صوفية‏,‏ تأثرت به الطريقة الشاذلية‏,‏ واستفاد منه أحد شيوخها الكبار ابن عطاء الله السكندري كما يذكر د‏.‏ أحمد الجزار‏.‏
وفي قصر الأمير طاز بالقاهرة أقامت الفنانة الإسبانية أنا كريسبو معرضا لأعمالها في مجال التصوير‏,‏ وقد أقيم المعرض بالتعاون بين السفارة الإسبانية بالقاهرة وصندوق التنمية الثقافية المصري وافتتحه رئيس قطاع الفنون التشكيلية المصري والسفير الإسباني بالقاهرة‏.‏
عرضت الفنانة مجموعة من أعمالها التي أنجزتها من وحي كلمات وأشعار المتصوف العربي الشهير ابن عربي الذي كانت كلماته وأشعاره ملهمة لأعمالها منذ سنوات‏.‏
وعن هذه العلاقة بينها وبين كتابات ابن عربي تقول‏:‏ كنت قبل معرفتي بابن عربي أمارس الرسم والتلوين كأي فنان آخر مستلهمة أعمالي من الطبيعة أو الخيال أو من أي شيء آخر‏,‏ إلي أن التقيت قبل نحو عشرين عاما بأشعار وكلمات ابن عربي المترجمة إلي الإسبانية‏,‏ ومن هنا حدث هذا التحول الذي أعتبره نقطة محورية في تجربتي الفنية‏,‏ فمنذ هذا التاريخ بدأت علاقتي تتنامي بهذا المتصوف وبدأت رحلة البحث عن إنتاجه وأشعاره المترجمة إلي الإسبانية أو الإنجليزية‏,‏ كانت كلماته مؤثرة بالنسبة لي‏,‏ كانت تخترقني وتحرك في داخلي أحاسيس ومشاعر لا أستطيع أن أصفها أو أترجمها سوي باللون والأشكال‏,‏ ومن هنا بدأت العلاقة بين أعمالي وكلمات ابن عربي‏,‏ فأنا أعتبر لوحاتي ترجمة شكلية لهذه الكلمات والأشعار‏,‏ أو بمعني آخر هي ترجمة لأحاسيسي ومشاعري الداخلية تجاهها‏.‏
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: