إيران والاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية
د.محمد السعيد إدريس
مختارات إيرانية ـ ديسمبر 2008
لم تكن السياسة الإيرانية مفعمة بالغموض كما هي الآن بالنسبة للموقف من موافقة الحكومة العراقية وبعدها البرلمان العراقي على الاتفاقية الأمنية العراقية – الأمريكية، ولم تكن هذه السياسة الإيرانية براجماتية (عملية أو نفعية) على نحو ما هي بالنسبة للموقف من التوقيع العراقي على هذه الإتفاقية التي سبق أن ووجهت برفض إيراني مطلق، وهجوم شديد اللهجة ليس فقط من جانب كبار المسئولين الإيرانيين ولكن أيضا من جانب مراجع دينية على نحو ما جاء على لسان آية الله العظمى كاظم الحائرى القريب من مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري في العراق، ففي بيان صدر عن الحائرى ونقلته وكالة الأنباء الإيرانية (ايرنا) قال: "نحن مدركون أن هذا الاتفاق سيؤدي إلى ضياع السيادة العراقية وإذلال العراقيين" ووصفه بـ"الاتفاق المذل".
وبسبب الرفض الايراني العنيف والصريح ذهب نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية إلى طهران وتعهد بأن ينص الاتفاق على منع القوات الأمريكية من شن أي هجمات ضد إيران انطلاقا من الأراضي العراقية، كما تعهد بإنهاء وجود قوات منظمة (مجاهدي خلق) الإيرانية المعارضة داخل الأراضي العراقية، والأهم من ذلك أن المالكي قام بتوقيع اتفاق تعاون استراتيجي مع إيران يشبه كثيراً اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع تركيا الذي وقعه المالكي في بغداد مع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان.
رغم هذه المبادرات العراقية الثلاثة التي استهدفت طمأنة إيران، فإن الرفض الإيراني لم يتوقف، كما لم تتوقف ضغوط حلفاء إيران داخل الحكومة الإيرانية ومؤسسات السلطة على الأمريكيين لفرض التعديل بعد التعديل في محاولة لتحجيم المكاسب الأمريكية ولتأمين توازن مصالح بين إيران والولايات المتحدة في العراق.
هذا الموقف الإيراني أخذ يخفت ويتراجع في الأسابيع الثلاثة الأخيرة مع إعلان فوز باراك أوباما في انتخابات الرئاسة الأمريكية.
ففي تعليق حول تطور عملية إقرار الاتفاقية من جانب المؤسسات الرسمية العراقية قال علي لاريجانى رئيس مجلس الشورى أن الإتفاقية (( تعاني من إشكالات)). توصيف باهت لكنه مقصود ولا يختلف كثيراً عن التعبير الذي استخدمه عدد من الأكاديميين الإيرانيين في الحديث عن الموقف الإيراني من توقيع الحكومة العراقية على الاتفاقية حيث قالوا أن (( إيران غير مرتاحة وأنها (إيران) لا تريد التدخل بشكل مباشر في موضوع الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد، إلا أنها غير مرتاحة لموضوع (البصم) العراقي على الاتفاقية معتبرين أنها ستترك آثارا سلبية في مستقبل الأجيال القادمة)).
ما الذي حدث في الموقف الإيراني، وكيف استطاعت إيران أن تحصر موقفها من التوقيع العراقي فى الاتفاقية في حدود الرفض الهادئ أو القبول الغامض، والأهم هو لماذا؟
يمكن تحديد ثلاثة أسباب رئيسية تفسر هذا الموقف الإيرا ني الغامض وتكشف مدى براجماتية السياسة الإيرانية وبالذات من منظور فهم تكييف إيران للتوقيع العراقي على الاتفاقية وعلاقته بالمشروع الإيراني في العراق.
أول هذه الأسباب يتعلق بالعلاقة بين توقيع الحكومة والبرلمان العراقي على الاتفاقية وبين النفوذ والمشروع السياسي الإيراني في العراق على ضوء التهديد الأمريكي بالانسحاب من العراق في نهاية ديسمبر الجاري إذا لم تقبل الحكومة العراقية بالتوقيع على الاتفاقية.
هذا التهديد الأمريكي بالانسحاب نجحت واشنطن في توظيفه بكفاءة عالية ضمن عملية ترويع لأركان التحالف الرباعي الشيعي – الكردي الحاكم في بغداد وترويع إيران أيضاً. فواشنطن تدرك أن هذا التحالف الرباعي الحاكم (عبدالعزيز الحكيم ونوري المالكي مع جلال طالباني ومسعود برزاني) لن يستطيع البقاء في الحكم يوما واحداً إذا تم سحب القوات الأمريكية من العراق، وأن بقاء القوات الأمريكية هو الضمانة الأساسية لتأمين سيطرة هذا التحالف الرباعي على السلطة بكل ما يعنيه ذلك من استمرار مرتكزات المشروع الأمريكي في العراق المقبول إيرانيا وبالذات الدستور العراقي الذي أشرف بول بريمر على صياغته وأرسى قاعدة المحاصصة السياسية، وفرض الفيدرالية كقاعدة للحكم في العراق.
إدراك إيران لخطر ضياع هذا كله كان أهم دوافع طهران للقبول الضمني أو القبول الصامت أو المراوغ للاتفاقية، فهذا التوقيع ضمن لإيران بقاء وتأمين سيطرة حلفائها على السلطة في العراق، وهذا الأمر يعتبر أهم ضمانات إيران في الدفاع عن مصالحها ومشروعها في العراق، كما أن حلفاء إيران في منظومة الحكم العراقي استطاعوا الحصول على تعهد أمريكي بعدم شن أي هجوم أو اعتداء على إيران انطلاقا من الأراضي العراقية.
ثاني هذه الأسباب هو قناعة إيران الكاملة بضرورة تفادي تعرضها لأي عدوان أمريكي أو اسرائيلي ضد برنامجها النووي، وطموحها إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة في ظل الإدارة الأمريكية الجديدية برئاسة باراك أوباما الذي تعهد في حملته الانتخابية بأمرين: أولهما، الانسحاب من العراق في غضون 18 شهراً من تسلمه السلطة وهذا مكسب إيراني. وثانيهما، فتح حوار مع إيران لترتيب انسحاب أمريكي مشرف ومطمئن من العراق دون مطبات أو عثرات تؤثر سلبياً على سمعة إدارته، وإغرائه بأن نجاح الحوار مع إيران حول العراق يمكن أن يتيح فرصا مواتية لحوار إيجابي حول البرنامج النووي الإيراني.
لم يكتف الإيرانييون في رهانهم على هذه الخطوة ولكنهم زادوا عليها بسلسلة من المبادرات كان أولها الرسالة ((غير المسبوقة)) التي وجهها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى الرئيس الأمريكي المنتخب وقال فيها أن ((جميع الشعوب في العالم تتوقع تغييرات رسمية أساسية وواضحة في السياسة الخارجية والداخلية لواشنطن )).
إيران، التواقة إلى حوار مع الولايات المتحدة، أوقفت هذه الرسالة بخطوات أخرى إيجابية منها إشارة وكالة أنباء ((فارس)) المقربة من الرئيس أحمدي نجاد وجناحه السياسي ، إلى أن الأخير لم يكن ضمن الطلبة الذين قاموا با حتلال السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن الأمريكيين لمدة 444 يوما في نوفمبر 1979 ، وهو الادعاء الذي بثته الإدارة الأمريكية عند انتخاب أحمدي نجاد عام 2005 .
هذه الإشارات الإيجابية الإيرانية وغيرها نحو الإدارة الأمريكية الجديدة شكلت خلفية القبول الإيراني الضمني لتوقيع الحكومة العراقية على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وشجعت صحيفة ((صداى عدلت)) ، (صوت العدالة – 30/11/2008) على تقديم العديد من المبررات لقبول الحكومة العراقية لتلك الاتفاقية، منها أن إقرارها لم يكن ممكناً إلا بعد الضمانات والتغييرات التي أجريت عليها بحيث تغير اسمها من الاتفاقية الأمنية إلى اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وإلا بعد أن تم تحديد الموعد النهائي لانسحاب القوات الأمريكية من العراق بنهاية 2011، وبعد أن أحيلت قضية الحصانة القانونية للجنود الأمريكيين إلى لجنة عراقية وأمريكية مشتركة، وبعد أن تعهدت الإدارة الأمريكية بأن لا تشن حملة عسكرية من الأراضي العراقية ضد الدول المجاورة .
أما السبب الثالث، فهو الحرص على احتواء الضغوط الإسرائيلية المكثفة على إدارة أوباما ومن قبل أن تتسلم مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، بعد أن أدرك الإسرائيليون بوادر خطر من فرص الحوار الممكنة بين إدارة أوباما وإيران، خصوصاً بعد أن نجحت هذه الضغوط في دفع أوباما إلى التراجع عن تعهده السابق نحو إيران وتعمده توجيه انتقادات لاذعة ضد إيران عندما طالبها بالكف عن دعم المنظمات الإرهابية وشدد على أنه لا يمكن قبول محاولاتها لصنع السلاح النووي داعيا إلى بذل جهود دولية لمنعها من ذلك.
إيران وعت مبكراً أن إسرائيل لن تستسلم لتراجع إدارة بوش عن فكرة الحل العسكري لأزمة البرنامج النووي الإيراني، ولكن هذا الوعي تحول إلى يقين في ظل دعوات كبار المسئولين الإسرائيليين للولايات المتحدة بعدم التخلي عن الحل العسكري وتعهدهم بعدم تمكين إيران من الإفلات ببرنامجها النووي، في ظل ما تم تسريبه من معلومات، نقلتها صحيفة ((هارتس)) الإسرائيلية عن خلاصة وثيقة ((تقويم وضع)) قدمتها المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وتضمنت توقعاتها وتوصياتها بخصوص السياسة الواجب اعتمادها في عام 2009 على أن يتم دمجها مع تقرير وزارة الخارجية ضمن إطار التقويم السنوي الذي ستعرضه هيئة الأمن القومي على الحكومة بعد نحو شهر.
هذه الوثيقة تعرضت للوضع الإقليمي وميزان القوة الإقليمية ومواقف الأطراف الإقليمية وعلى رأسها إيران، حيث أوصت بضرورة الاستعداد ((لشن هجوم على إيران)) لأنها ((لا تتمتع إلا بنافذة وقت محدودة قبل أن ينجح المعسكر المتطرف بالحصول على سلاح نوي وتحقيق هيمنة إقليمية ))، ووصفت الوثيقة التهديد الإيراني بأنه ((وجودي)) والصواريخ الإيرانية بأنها ((التهديد الاستراتيجي))، وخلصت من ذلك إلى استنتاج مفاده أن إسرائيل ((تقف وحدها تقريباً حيال هذه التهديدات)) ، وعليه ينبغي عليها أن تعمل من أجل ترسيخ خيار عسكري حيال إيران في حال بقائها وحدها في المعركة))، وتوقعت الوثيقة إجراء حوار بين إيران والولايات المتحدة (( قد يؤدي إلى ترتيب أو اتفاق بين البلدين))، وأوصت لمواجهة هذا الاحتمال بالعمل مع الولايات المتحدة على (( منع حصول ترتيب إشكالي بالنسبة لإسرائيل)).
إدراك ووعي إيران بهذا التخطيط الإسرائيلي أجبرها على اتخاذ خطوة هجوم حسن نوايا استباقي نحو إدارة أوباما بالسماح بتمرير الاتفاقية الأمنية العراقية – الأمريكية أملا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها في العراق وطموحا في فتح حوار مع الإدارة الجديدة يسمح بإيجاد حلول مناسبة لأزمة البرنامج النووي الإيراني ويحول دون اللجوء إلى الحل العسكري وتأمين شراكة إقليمية في المنطقة بدايتها الشراكة في العراق.