طهران واشنطن: "المؤامرات" أولاً
الأربعاء 1 يوليو 2009
أنظر ايضــاً...
سعد محيو - الخليج الإماراتية 13/06/2009
 
حين تلقى كاتب هذه السطور دعوة من مؤسسة الأبحاث الأمريكية “سانتشاري فاونداش” للمشاركة في مؤتمر في واشنطن عبر تقديم ورقة حول العلاقات الإيرانية الأمريكية ودور حزب الله، تأرجح انطباعه الأول بين أمرين: إما أن المؤتمر محاولة جادة، و”بريئة”، لتمهيد الطريق أمام الحوار الإيراني- العتيد، أو أنه يرمي إلى "تزخيم" الخلافات والصراعات العربية- الإيرانية.
في البداية، كانت اليد العليا للهدف الثاني خاصة وأن عنوان المؤتمر الذي حضره نحو مائة أكاديمي وإعلامي ومسؤول رسمي، إضافة بالطبع إلى تواجد كثيف "لابد منه" لبعض ممثلي أجهزة الأمن الأمريكية الـ15 كان: "إيران والشرق الأوسط": نفوذ متوّسع، وتصاعد في سباق التسلح: خرافة أم حقيقة؟ .
ثم خاصة أيضاً وأن أحد رعاة المؤتمر كانت مؤسسة “هاينريش بول ستيفنغ”، التي سارع مديرها في بداية الجلسات إلى المطالبة بحذف كلٍ من كلمة الخرافة وعلامة الاستفهام من عنوان المؤتمر، قائلاً إنه لا حاجة لهما لأن "السلوكيات الإيرانية العدوانية والهادفة إلى الهيمنة في الشرق الأوسط، جلية وواضحة".
لكن، وما أن بدأت المداولات حتى تغيرت الصورة سريعاً، فقد استقبل الحضور مداخلة الشخصية الإيرانية المميزة د.محمد ماراندي (رئيس دائرة دراسات أمريكا الشمالية وأوروبا في جامعة طهران) والتي كانت صريحة في دعوتها إلى اكتشاف أوجه وإمكانات التعاون بين أمريكا وإيران ولكن أكثر صراحة في رفض الاعتراف بـ"إسرائيل" انطلاقاً من موقف مبدئي- إيديولوجي، بالقليل من النقد العنيف والكثير من محاولات فهم المواقف الإيرانية "العملانية".
وتكرر الأمر نفسه مع مداخلة كاتب هذه السطور، التي عقدت المقارنة بين الحرب المفتوحة التي شنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إيران منذ اليوم الأول لثورتها، مع تلك التي فرضتها هذه الإدارات على الثورة المصرية الناصرية والتي تكرّست في سلسلة لا تنتهي من الحروب وعمليات الخنق الاقتصادي والعزل السياسي ضد مصر.
في كلتا الحالتين المصرية والإيرانية، كان الهدف الحقيقي هو رفض القرار القومي المستقل . وفي كلتا الحالتين كانت القوة والعنف وموازين القوى هي الوسيلة الوحيدة التي انتهجتها واشنطن لضرب هذه الاستقلالية .
 لماذا ساد الهدوء والتهدئة هذا المؤتمر، على غير عادة المؤتمرات الأمريكية التي غالباً ما تكون صاخبة وطاحنة؟
ربما لأن طريق طهران- واشنطن مفروش هذه الأيام بالكثير من الآمال بأن يؤدي الحوار إلى صيغ تفاهم ما بين الطرفين، حتى ولو كانت تكتيكية أو مؤقتة. ربما أيضاً لأن الجانبين يكتفيان في هذه المرحلة بإطلاق مجسات استطلاعية لسبر غور مواقف بعضهما البعض.
لكن، ثمة شيء واحد مؤكد هنا: كلا الطرفين يكنّ شكوكاً عميقة في نوايا الآخر الحقيقية.
هذه المسألة، أي الشكوك، ستحتاج على ما يبدو إلى جهود خارقة لتبديدها، على رغم شهرة الطرفين التي طفقت الآفاق حول براغماتياتهما الشديدة . ومن طرف إيران، كما عبر عن موقفها د.ماراندي، المطلوب بالتحديد هو انتقال أوباما من الكلام المعسول والمنمّق إلى الأفعال الجميلة والمحسوسة .
كما هو واضح، الحوار الإيراني الأمريكي يقف الآن على عتبة مسألة الثقة وطبيعة جدول أعمال الحوار المترجمة لهذه الثقة. لكن حيثيات مؤتمر “سانتشاري فاونداشن” كشفت أيضاً عن وجود توجهات واقتراحات لتخطي هذا الحوار إلى ما هو أوسع بكثير: البحث عن ترتيبات أمنية إقليمية شاملة، يمكن في إطارها حل كل أو معظم مشكلات المنطقة .
 
إيران والمنطقة: حرب أم نظام؟
سعد محيو - الخليج الإماراتية 14/06/2009
 
 أشرنا بالأمس إلى أن المشاركين في مؤتمر مؤسسة “سانتشاري فاونداشن” الأمريكية حول النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، انقسموا إلى فريقين توزعا على محصلتين اثنتين:
الأولى، هي اعتبار هذا النفوذ خطراً استراتيجياً وإيديولوجياً ماحقاً يجب التصدي له بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك العنف والحروب والاصطفافات والتحالفات الإقليمية.
والثانية، اعتباره مجرد ورقة ضغط يستخدمها نظام إيراني كانت شهرته البراغماتية الفائقة أكثر بكثير من شهرته الإيديولوجية الثورية، لحمل الغرب على القبول به طرفاً وشريكاً في لعبة الأمم في الشرق الأوسط.
إدارة الرئيس بوش طبقت المحصلة الأولى بحذافيرها فأحرق أصابعها والشرق الأوسط. وبالتالي، رأى الفريق الثاني أن استمرار هذه السياسة الآن، لن يسفر سوى عن مآس كبرى جديدة في مقدمها احتمال انفجار المشرق العربي - الإسلامي برمته مع نزعاته المتطرفة في وجه أمريكا.
المحصلة الثانية تتطلب حلولاً مختلفة تماماً. حلولاً تاريخية، إذا ما جاز التعبير، تستند إلى وضع الحوار الإيراني - الأمريكي العتيد في سياق هدف أوسع هو إقامة نظام إقليمي أمني جديد، يتم في إطاره وضع مصالح كل الأطراف الإقليمية وهمومها الأمنية بعين الاعتبار.
في السابق، كان مثل هذا النظام مستحيلاً بسبب محاولة القوى الدولية والإقليمية الرئيسة بالتفرد بزعامة هذا النظام طيلة القرن المنصرم، بدءاً من البريطانيين والفرنسيين في أوائل القرن العشرين (مع اتفاقات سايكس - بيكو)، إلى المصريين (مع مشاريع جمال عبدالناصر القومية العربية الطموحة) ثم السعوديين في منتصفه، ثم “الإسرائيليين” في أواخره، وأخيراً الأمريكيين أنفسهم في أوائل القرن الحادي والعشرين.
كل هذه المشاريع تحطمت الواحد تلو الآخر، وفشلت في تحقيق الأحادية القطبية في المنطقة. وهذا ما أسفر الآن كأمر واقع عن ولادة تعددية قطبية في الشرق الأوسط لا بد أن يعترف بها كل من يريد أن يحوّل هذه المنطقة الاستراتيجية من ساحة حرب إلى واحة سلام. أمر واقع تبرز فيه ليس فقط إيران الإسلامية، بل أيضاً تركيا “العثمانية الجديدة”، جنباً إلى جنب مع مصر والسعودية و”إسرائيل”.
كل هذه التطورات خلقت، برأي الفريق الثاني، وقائع جديدة في الشرق الأوسط تسهّل فكرة تأسيس نظام إقليمي أمني جديد. لكن، هل ستستخدم إدارة أوباما هذه الوقائع لبلورة هذا النظام تحت مظلة أمريكية تشمل كل دولة، أم أنها ستواصل سياسة المحاور والاصطفافات الاستراتيجية والحروب التي انتهجها سلفه بوش، وأدت إلى كل الكوارث الراهنة لشعوب الشرق الأوسط كما للزعامة العالمية الأمريكية نفسها؟
هذا السؤال لم يحظ بإجابة وافية في مؤتمر واشنطن، والسبب لا يكمن فقط في أن إدارة أوباما لم تبلور بعد المدى والأبعاد التي يمكن أن تصل إليها في حوارها مع طهران، ولا حتى (ربما) الاستراتيجية التي ستنتهجها في هذا الحوار، بل أيضاً لأن قوى نافذة جداً في واشنطن تعتبر أي حديث عن نظام إقليمي جديد متعدد الأقطاب في الشرق الأوسط هو الكفر بعينه.
على رأس هذه القوى اليمين اليهودي الأمريكي المتطرف والمتمثّل في لوبي “أيباك”، وبالطبع الليكود “الإسرائيلي” الذي يحظى بنفوذ قوي في أو على الكونجرس الأمريكي.
لكن، ومع ذلك، مجرد طرح مسألة الحل الإقليمي الشامل لأزمات الشرق الأوسط على جدول أعمال النقاش في واشنطن، يعتبر تطوراً بارزاً ولافتاً، خاصة حين نتذكّر أن هذه المنطقة عاشت طيلة العشرين سنة الماضية على وقع موسيقا واحدة هي موسيقا المارشات العسكرية البوشية - “الإسرائيلية”، التي كانت تسعى إلى إقامة شرق أوسط جديد، ولكن في إطار الأحادية القطبية القديمة.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: