حسن فحص* – موقع مجلة المجلة 12/6/2009
سياق الاحداث يكشف أن المعركة بين قطبين، مير حسين موسوي والمرشد آية الله خامنئي، فانتصار موسوي يعيد فرض معادلة جديدة في الداخل اطارها العام اخراج الثورة والنظام من مأزق تحد الوجود والاستمرار وتكريس الديمقراطية وتعزيز الحريات، المطالبة بالحد من صلاحيات المرشد واعادة هذا الموقع إلى مكانه الطبيعي تحت سقف الدستور، في حين لو فاز خامنئي فان التيار الإصلاحي والمؤيدين له سيكون عليهم الانسحاب من الحياة السياسية لفترة طويلة وانتظار التغيير من خارجهم وخارج اطر الثورة والنظام والقبول بمرحلة من الحكم المنفرد والمطلق لولي الفقيه والغاء كل المؤسسات الدستورية ذات الشكل الديمقراطي ودخول الثورة والإرث الخميني في نفق مظلم ومصير غير واضح المعالم ولا يعرف الوريث فيه.
كان من الممكن للانتخابات الرئاسية الإيرانية ان تمر مرور الكرام، من دون ان يرافقها هذا الجدل الواسع والمتابعة الدقيقة، لو أن النظام وقيادته في طهران ترك للعملية الديموقراطية ان تسير في مساره العادي والطبيعي، غير أن حجم التحدي الذي شكله الخطاب الإصلاحي منذ عقد من الزمن، حول هذه الانتخابات حاليا الى معركة وجود بين نظريتين متعاكستين حتى لا يقال متناقضتين، واحدة تريد سوق إيران نحو ترسيخ نظرية ثيوقراطية بمحورية ولي الفقيه او المرشد الاعلى، واخرى تريد الحفاظ على الشعار الذي شكل إحدى أسس الثورة، في المزج بين الجمهورية والإسلامية، والتأكيد على رأي الشعب او كما عبر انذاك المؤسس اية الله الخميني " الميزان هو رأي الشعب ".
هذا الصراع بين النظريتين تبلور بشكله الحاد خلال رئاسة محمود احمدي نجاد، التي كانت مهمتها التمهيد العملي لترسيخ هذه الثيوقراطية وتركيز السلطة في يد ولي الفقيه من دون منازعة او مساءلة، بعد ان استطاعت الأجهزة التابعة له إقصاء القوى الإصلاحية الوفية لمنطلقات الثورة عن ساحة التأثير، وهي تحاول حاليا من خلال التوسل بكل الأساليب للإبقاء على هذه السيطرة ، لكن عودة او استفاقة القوى الإصلاحية والشارع الشعبي مدفوعة بالخوف على استمرارية ايران وتجربتها إربك مسار دعاة الثيوقراطية، خصوصا التحدي الذي سيشكله دخول مير حسين موسوي السباق الرئاسي، والذي يتجاوز كونه صراعا على الرئاسة بين مرشحين، ليصل الى صراع بين نظريتين قطباها الثيوقراطي خامنئي والديمقراطي موسوي.
لم تكن الارقام التي قدمها النائب الإصلاحي بهروز افخمي عن حجم القاعدة الشعبية للتيار المحافظ والكتلة الناخبة له في خطابه الاول والاخير امام البرلمان الاصلاحي عام 2004 بعيدة عن الواقع، خصوصا وانها جاءت بعد ان استطاع التيار المحافظ انتزاع المجالس البلدية في المدن الكبرى خصوصا في طهران من يد التيار الاصلاحي في معركة شكلت اختبارا لمعركة يعد لها للسيطرة على المقاعد النيابية.
افخمي في خطابه، اعتبر ان القاعدة الشعبية التي مكنت المحافظين من انتزاع البلديات، خصوصا في العاصمة طهران لا تتعدى العشرة بالمئة من مجموع الناخبين، ولا تتجاوز الخمسة عشر في أفضل التقديرات في كل ايران.
وفي مقارنة سريعة، ففي العام نفسه جرت الانتخابات البرلمانية التي استبعد فيها الاصلاحيون اما بسيف مجلس صيانة الدستور او بالسماح فقط لأشخاص مغمورين بالترشح، فتصدر لائحة الفائزين في طهران غلام علي حداد عادل الذي تولى لاحقا رئاسة البرلمان بمجموع اصوات لم تتعد 800 الف صوت، في حين فاز محمد رضا خاتمي قبل اربع سنوات بمجموع اصوات تجاوز 2 مليون ومئتي الف صوت.
تراجع نسبة المشاركة الشعبية كانت هدفا سعت له السلطة والتيار المحافظ، لان فرصة استعادة زمام السلطة والسيطرة لم تكن ممكن في تصورهم في حال كانت المشاركة الشعبية واسعة في أي عملية اقتراع، من هناك كانت الخطة التي حيكت بتأن واتقان على مدى ثماني سنوات من رئاسة السيد محمد خاتمي، تقوم على احباط القاعدة الشعبية التي شاركت بكثافة في عملية الاقتراع وفرض واقعا شكل مفاجأة للتيار المحافظ على حساب مرشحه في الرئاسة انذاك علي اكبر ناطق نوري وتجاوز حجم الاقتراع لصالح خاتمي حدود العشرين مليون صوت.
خاتمي الذي وصل الى الرئاسة بخطاب فكري وسياسي متقدم يقوم على مفردات تتمحور حول تعزيز الديموقراطية والحريات العامة والخاصة وحرية الرأي والفكر والتعبير واللامركزية الادارية والمشاركة الشعبية، كانت على نقيض من الخطاب المحافظ الذي كان يحاول تفريغ العملية الديموقراطية والانتخابية من محتواها لحساب نظرية ثيوقراطية تولى التنظير لها الشيخ محمد تقي مصباح يزدي، وترى في ولي الفقيه موقعا مطلق الصلاحية يعينه الله تعالى ويكشف عنه للجمهور باساليب مختلفة، وهو صاحب الامر في تحديد من يتولى منصب رئيس الجمهورية او أي منصب اخر، وما عملية الاقتراع سوى تأييد وتأكيد لرأي واختيار هذا الولي.
ولمواجهة التحدي الذي اوجده خطاب خاتمي التجديدي والاصلاحي، استنفرت كل القوى المؤلفة للتيار المحافظ بما فيها المؤسسة العسكرية خصوصا الحرس الثوري والتعبئة (البسيج) ومؤسسة الاذاعة والتلفزيون لمواجهة ودرء هذا الخطر الاتي من خارج توقعاتهم ومخططاتهم. فركزت جهودها على افشال التجربة الاصلاحية واحباط القاعدة الشعبية المؤيدة لها والتي كانت تضم قوى مؤمنة بالنظام وشرائح سيطر عليها الموقف السلبي ومقاطعة الانتخابات.
التيار المحافظ خطط ونجح في تحقيق اهدافه لانتزاع السلطتين التشريعية والتنفيذية من سيطرة الاصلاحيين، مستخدما ما في يده من سلطات رقابية وامنية، كمجلس صيانة الدستور الذي طالت مقصلته كل النواب الاصلاحيين وحتى الشخصيات الاصلاحية البارزة، والسلطة القضائية التي اقترفت مجزرة حقيقة بحق الصحافة الايرانية واقفلت مئات الصحفة والمجلات في يوم واحد، وحرمت هذا التيار من قناة التواصل الوحيدة مع جمهوره التي كانت متاحة امامه واعتقلت العديد من الصحافيين والمفكرين المؤثرين.
النتيجة الاولى لهذه الاجراءات كانت عزوف القاعدة الشعبية عن المشاركة في الانتخابات وتراجعها الى الحد الادنى الذي يطمح له المحافظون، وبرز ذلك في الانتخابات البرلمانية عام 2004 ما مهد الطريق لعودة المحافظين للسيطرة على هذا المركز، ومهدت الطريق امام وصول محمود احمدي نجاد في العام التالي 2005 الى سدة رئاسة الجمهورية على حساب احد اساطين الثورة والنظام الشيخ هاشمي رفسنجاني.
استراتيجية المحافظين في قصر عملية الاقتراع على قاعدتهم وكتلتهم الشعبية التي تشكل اقلية لا تتعدى الخمسة عشر بالمئة من الايرانيين لم تستمر طويلا، اذ واجهت اول تحد لها في الانتخابات البلدية الثانية في عهد احمدي نجاد قبل عامين، حيث اضطرت اجهزة وزارة الداخلية لفرض تغيير جزئي في نتائجها بعد ان تمخضت عن هزيمة شقيقة الرئيس بروين احمدي نجاد وكل مرشحي لائحة الرئيس لصالح مرشحي التيار المحافظ وتحالف علي لاريجاني - محمد باقر قاليباف ، ولاحقا في تدخل للداخلية ايضا لفرض نتيجة الانتخابات البرلمانية في ابريل 2008 لصالح لائحة احمدي نجاد في طهران على حساب لائحة لاريجاني - قاليباف ايضا بعد استبعاد كلي للمرشحين الاصلاحيين الذين نافسوا بقوة على المقاعد الثلاثين للعاصمة.
هذه النتائج دقت ناقوس الخطر لدى قيادة التيار المحافظ ومراكز القرار في النظام بوجود امكانية العودة إلى دائرة الخسارة من جديد، فكان لا بد لها من استجماع ما تملكه من قدرات لرسم نتائج الانتخابات الرئاسية وفرض التجديد لاحمدي نجاد لضمان سيطرتها على مفاتيح القرار.
وعلى الرغم من تصاعد حدة الاعتراضات على تصرفات وسياسات احمدي نجاد الداخلية خصوصا الاقتصادية والادارية، والخارجية ووصول الامور إلى شفير الخطر والمواجهة مع المجتمع الدولي والاقليمي على حساب كل الانجازات التي استطاعت طهران تحقيقها في السنوات الاخيرة ، وقد تبلورت هذه الاعتراضات بعزوف معظم الاحزاب المحافظة ذات الثقل في التيار الجامع لها عن تبني احمدي نجاد مرشحا لرئاسة الجمهورية لمرة ثانية ، والحديث عن مساع لايجاد مرشح اجماع لتمثيلها في هذه الانتخابات .
خطورة المرحلة والاعلان المبكر للرئيس محمد خاتمي الدخول في السباق الرئاسي عجل في الكشف عن كلمة السر التي طالما فضل مرشد النظام تأجيلها، فتراجعت الاصوات المعترضة على احمدي نجاد لتتحول إلى اصوات ومواقف مؤيدة له، واعتباره مرشحها الوحيد الذي يمتلك ارجحية على أي مرشح محافظ اخر، ان لجهة ضمان وقوف المؤسسة العسكرية والامنية إلى جانبه وان لجهة وجود طبقة شعبية استطاع كسبها على مدى السنوات الاربعة من رئاسته من خلال اغداق الاموال والمساعدات المباشرة عليها في زياراته إلى الاقاليم الايرانية، ويشكل الخيار الافضل لمواجهة شبح عودة خاتمي المدجج هذه المرة بتأييد شعبي قديم ومستجد استنهضته سلبية الممارسات النجادية والمؤسسات الامنية ـ اضافة لما تسرب من تفاصيل عن اللقاء الذي جمعه مع مرشد النظام الذي كان صريحا في رده على استفسار خاتمي حول موقفه من قرار ترشحه حين قال "اذا كنت تسأل عن رأيي كسيد علي خامنئي فانني اعارض هذا الترشيح، واذا كان السؤال كوني القائد فانني على مسافة واحدة من كل المرشحين" فما كان من خاتمي الا ان اعلن دخوله السابق مباشرة بعد اللقاء. ما يشير إلى الخطورة التي يشكلها استيقاظ المارد الشعبي المؤيد للاصلاحيين .
انسحاب خاتمي لصالح مير حسين موسوي على الرغم من كل الالتباس الذي رافقه، كان انسحابا مدروسا شكل قاعدة لتقديم موسوي لقاعدة التيار الاصلاحي الشعبية ومحاولة ارباك التيار المحافظ بمرشح اشكالي لا يملكون سلاحا فاعلا لمحاربته، ففرض عليهم الاصطفاف خلف احمدي نجاد والتغاضي عن خلافاتهم خوفا من الخسارة، ودفعت المرشد الاعلى للتدخل مباشرة واعلان دعمه لاحمدي نجاد خلال زيارة من خارج السياق لاقليم كردستان المعروف بموقفه السلبي من الحكومة المركزية .
خامنئي اضطر ان يقدم تنازلات متأخرة جدا لكسب الاكثرية السنية التي تشكل النسيج الاثني والديني في كردستان، ففي خطوة تأخرت ثلاثين عاما اصدر مكرمة بالسماح ببث الاذان السني من التلفزيون المحلي، من دون التطرق إلى حقوق هذه الاثنية باللغة والادارة والمشاركة التي ضمنها الدستور الإيراني في المادتين الخامسة عشر والتاسعة عشر.
وعلى الرغم من كل هذه الخطوات، تشير استطلاعات الرأي ان الاقليات القومية والاثنية تميل باتجاه المرشح الاصلاحي مير حسين موسوي، خصوصا في كردستان وخوزستان (العرب) اضافة للقومية الاذرية (التركية) التي ينتمي اليها موسوي وكذلك خامنئي، ما قدر يفرض على الاخير، وحسب توقعات في الداخل الإيراني ان يقوم خامنئي بزيارة إلى اقليم أذربيجان ومخاطبة سكانه بلغتهم المحلية لقطع الطريق على موسوي.
وفي خطوة اخرى، دفع التيار المحافظ بمحسن رضائي القائد الاسبق لحرس الثورة لدخول السباق الرئاسي ليس بهدف الفوز، حيث يفتقر للتأييد الشعبي، بل بهدف اجتذاب الاصوات الرمادية التي لا تؤيد احمدي نجاد داخل التيار المحافظ وقد تفضل الاقتراع لموسوي لما عرفته عن تجربته خلال توليه منصب رئيس الوزراء.
اما استمرار مهدي كروبي الرئيس الاسبق للبرلمان في المعركة الانتخابية، يمكن ان يشكل عاملا مساعدا لموسوي لارباك التيار المحافظ، خاصة وان لجرأة كروبي في التصدي العلني للمخالفات التي تقوم بها المؤسسات التابعة لمرشد النظام العسكرية والتعبئة ومجلس صيانة الدستور ورفع مستوى الحديث عن حقوق الاثنيات القومية الدستورية.
في الخلاصة، يمكن القول ان معركة الانتخابات الرئاسية في إيران، وان كان عنوانها الابرز التنافس بين قطبين اصلاحي هو مير حسين موسوي ومحافظ هو محمود احمدي نجاد، فهي معركة داخلية بامتياز لا تنافس فيها على السياسات الخارجية والاستراتيجية الايرانية على الساحتين الاقليمية والدولية لكونها تتعدى صلاحيات الرئيس او أي مؤسسة اخرى في النظام وتقع مباشرة في يد مرشد النظام. الا ان سياق الاحداث يكشف عن معادلة هي اقرب إلى الواقع، قطباها مير حسين موسوي من جهة ومرشد النظام آية الله علي خامنئي من جهة اخرى.
ففي حال انتصار موسوي ومعه التيار الاصلاحي فانه سيعيد فرض معادلة جديدة في الداخل اطارها العام اخراج الثورة والنظام الاسلامي من مأزق تحد الوجود والاستمرار والانفتاح على كل الحساسيات السياسية والفكرية والقومية والاجتماعية وتكريس العملية الديمقراطية وتعزيز الحريات العامة والخاصة والتعبير، ويفتح المجال سهلا امام مرحلة الحد من اطلاقية صلاحيات مرشد النظام واستثاره بالقرار والسلطة واعادة هذا الموقع إلى مكانه الطبيعي تحت سقف الدستور، في حين لو فاز خامنئي فان التيار الإصلاحي والمؤيدين له سيكون عليهم الانسحاب من الحياة السياسية لفترة طويلة وانتظار التغيير من خارجهم وخارج اطر الثورة والنظام والقبول بمرحلة من الحكم المنفرد والمطلق لولي الفقيه والغاء كل المؤسسات الدستورية ذات الشكل الديمقراطي ودخول الثورة والإرث الخميني في نفق مظلم ومصير غير واضح المعالم ولا يعرف الوريث فيه. ما يعني ان المنتصر في هذه المعركة ستقع على عاتقه مسؤولية استمرارية النظام والثورة وموقعهما على الساحتين الداخلية والدولية.
*حسن فحص - صحفي و خبير في الشؤون الإيرانية