غسان الشهابي – صحيفة الوقت البحرينية 20/6/2009
في العام 1993م كنت صحافياً في القسم الاقتصادي في صحيفة ""الأيام""، وأحياناً أساعد رئيس القسم على فرز الأخبار العالمية الآتية من وكالات الأنباء، ما جعلني قريب الصلة وكثيف الاطلاع-إلى حد جيد- على مجريات الاقتصاد العالمي. وحدث أن جلست في مقهى ""المشعل"" المأسوف عليه مع أحد الأصدقاء الذي بدا مستنفراً من الصحيفة وقسمها الاقتصادي، مشيراً إلى الدعايات الغربية الكاذبة في شأن إيران، فمن قال إن إيران تعاني عجزاً اقتصاديا؟
وليأتي أيٌّ من هؤلاء الكتاب العالميين بما يفيد أن نسبة البطالة في إيران مرتفعة. ويتحدثون عن الفساد في بعض القطاعات العامة في إيران؟ فلينظروا قبل هذا إلى الفساد في هذا البلد أو ذاك. وفيض كثير من هذا الكلام الذي ليس له مبرر إلا الانتماء المذهبي للمتحدث الذي يربط المذهب ونقاءه بالعمل السياسي في ذاك البلد.
هذا الموقف عايشته في صيف العام 1988م، وكنا مجموعة طلبة في الجامعة قد ذهبنا في وفد طلابي، وجمعتنا الليالي للنقاش السياسي الذي أصر فيه أحدنا على أن الحرب العراقية الإيرانية لا بد أن تستمر حتى النهاية، لأن المظلوم لا بد أن يدافع عن حقه واستعادة كرامته ولو يكلفه هذا الموقف ما يكلف. استيقظنا في اليوم التالي على قبول الراحل الإمام الخميني وقف القتال، مع إحساس مرير بتجرع السم جراء هذا القرار.
لذا، لم أستغرب هذا الاستنفار المحلي أيضاً الذي أعقب نشر مقال ""هموم الشرق.. إيران أيضاً"" يوم الاثنين الماضي، حيث اعتبرني سبعة من المعلقين متدخلاً في الشأن الإيراني، وهذا ما لا يحق لي، والأجدر أن أدع إيران وشأنها، وألا أدّعي معرفة بالشأن الإيراني، وأنه إذا ما أردتُ أن أكون منصفاً حقيقياً؛ عليّ أن أتحدث عن التجاوزات والفساد في حكومة البحرين بدلاً من الهروب إلى مشاكل الآخرين.
لن أعجب أيضاً من هذه المقولات المتطابقة والتي كأنها أتت من شخص واحد، أو من مجموعة أشخاص تلقوا تعليمات موحدّة للرد على ""التشكيك"" في النظام الإيراني. ولأن الحديث عن إيران يسبب حساسية مفرطة لا تدانيها حساسية الحديث عن دول أخرى. فالكاتب نفسه كتب عن العراق، والانتخابات اللبنانية، الرئاسة الأميركية، الشأن الفلسطيني، وصيف بيروت، وحرب غزة، وكل ذلك جاء بما أتيحت له من معلومات، وبما لا يختلف فيه عن أيّ من القراء الكرام في إعمال حساسيات العقل والمنطق والتوقعات وسيرورة أيّ من القضايا كافة. غير أن لا أحد من أصحاب الردود الأفاضل علق على أيّ من تلك المقالات بقوله ""خليك في البيت""، أو لا تتدخل في شؤون الآخرين، أو دع القضية الفلسطينية لأصحابها، أو ربما ""حاطين دوبكم ودوب أميركا""، فقد تم التغاضي عما كتب عن كل تلك الدول والحركات، إذ لم تفعل فعل الملح الذي يُجرش على الجرح كما تفعل الكتابة عن إيران.
بشكل أكثر وضوحاً ومباشرة؛ فإنه لا يخفى التعاطف الشيعي العالمي مع التجربة الإيرانية، والرغبة العارمة بنجاحها، والأمنيات بخلوها من الشوائب، وقدرتها على الوقوف في وجه ""الشيطان الأكبر"" لتثبت له وللعالم أنها على صواب. غير أن التجربة الإيرانية ما هي إلا تجربة إنسانية، لها سمات البشر في الضعف والقوة، والخطأ والصواب، والقدرة على تعديل السير إن هي انزاحت عن خطها، أو تنكبت الطريق. فها هو مجلس صيانة الدستور قد أعرب عن استعداده لإعادة فرز بعض الأصوات المشكوك فيها، في إشارة إلى عدم القطع الكلي بنزاهة ما جرى في الانتخابات وإلا لدافع عن موقف الجهات المنظمة للانتخابات، وها هي ذي المظاهرات تستمر، والناس يسقطون في الشوارع، والسجون تزدحم بمن يعارض مشيئة المنتصرين، وبغض النظر عن الأعداد، فإن الوقائع لا يمكن الإشاحة عنها.
كل ما تقدم ليس في وارد التشفي أو الشماتة، ولكنه يصب في القول بأن النظر إلى المجريات بعين السياسي لا تستدعي هذه الحساسية المفرطة من قبل مؤيدي ""الثورة""، ومحتضني ""الجمهورية"" بين شغاف القلب.