جولة الصحافة\العدد السادس والسبعون - شوال 1430 هـ
بين أحمدي نجاد والمحافظين
الثلاثاء 22 سبتمبر 2009

حازم صاغية  - الحياة 25/8/2009

بعد أقلّ من أسبوع تبدأ المواجهة الساخنة بين محمود أحمدي نجاد و «المجلس» الإيرانيّ. وثمّة، على الأقلّ، موضوعان يفصلان بينه وبين «المحافظين» الذين يشاطرونه العديد من آرائه وتوجّهاته. فهناك مسألة قريبه أسفنديار رحيم مشّائي الذي عُيّن، في المرّة الأولى، نائباً أوّل لأحمدي نجاد، ثمّ عيّن، ثانيةً، مديراً لمكتبه.
وفي المرّتين كان الفشل والخذلان نصيب الرئيس الإيرانيّ. وهناك، أيضاً، توزير ثلاث نساء، الأمر الذي أراد أحمدي نجاد من ورائه تجميل صورة النظام فواجهته مقاومة المستغنين عن مثل هذا التجميل. وثمّة مسألة ثالثة تعتمل في الظلّ، وقد تكبر بين يومنا ويوم المواجهة الأحد المقبل، تتعلّق بترشيح أحمد وحيدي لوزارة الدفاع. فذاك الشطر من المحافظين الأكثر اهتماماً بصورة إيران في الخارج، وبتسكين الغضب عليها، يتخوّف من الترشيح المذكور لأنّ وحيدي مطلوب، منذ 2007، لدى الإنتربول لاتّهامه بالضلوع في عمليّة إرهابيّة حصلت عام 1994 في الأرجنتين وحصدت 85 قتيلاً يهوديّاً كما أفضت إلى جرح 300 شخص آخرين.
وهذه بذاتها عناوين تشي بحجم الأزمة التي تعانيها المجموعة الحاكمة في علاقاتها الداخليّة. فكيف حين نضيف مفاعيل الانتفاضة والقمع، وما كشفه مهدي كرّوبي من أعمال تعذيب واغتصاب في السجون، والاتّهامات المسرحيّة للأجانب، والمحاكمات الاستعراضيّة للمعتقلين، والدعوات المتواصلة للعقاب، وأخيراً تزوير كلام هاشمي رفسنجاني في ما خصّ «طاعة الوليّ الفقيه»؟.
بيد أن الخلاف الناشب بين أحمدي نجاد وسائر المحافظين يكتسب معنى مميّزاً. والحال أن النزاع هذا كان قد سبق الانتفاضة بقليل، وبدت علامته الأولى مع الشروط التي اشترطها حبيب الله أصغر أولادي، رئيس الائتلاف المحافظ الأكبر، على المرشّح أحمدي نجاد مقابل اقتراعه له. ترافق هذا مع تكاثر الإشارات، في أوساط المحافظين أنفسهم، إلى الرئيس وتجاهله آراء سواه.
فهو، مثلاً، نحّى البرلمان جانباً عند اتّخاذه بعض القرارات الدقيقة والحسّاسة، لا سيّما منها تلك الماليّة التي ما لبثت نتائجها السلبيّة أن تكشّفت. وهو تجاهل سلطة كبار الملالي إذ، للمرّة الأولى منذ 1979، لم يعيَّن إلاّ رجلا دين اثنان في الحكومة التي أعقبت انتخابات 2005. ولئن سمّي هذان لحقيبتي الداخليّة والاستخبارات، فإنّهما ما لبثا أن أُزيحا من منصبيهما وسط جوّ متوتّر.
وفي المناخ هذا ترشّح ضدّه، في الانتخابات الأخيرة، إلى جانب مير حسين موسوي ومهدي كرّوبي، المحافظ الآتي من صفوف «الحرس» محسن رضائي، الذي كان حذّر، في تصريح شهير، من «تفسّخ» محتمل للدولة. أمّا بعد الانتخابات، فأخذت عليه أوساط محافظة تلكّؤه في استجابة رغبة خامنئي إزاحة مشّائي عن نيابة الرئاسة، حتّى أن جماعة صغيرة تُعرف بـ «رابطة المهندسين الإسلاميّة» حذّرته من أنّه يخاطر «بتكرار تجربة بني صدر». والمجموعة هذه، على صغرها، نافذة ومؤثّرة، بدلالة أن أحمدي نجاد ذاته ظلّ عضواً في مجلس إدارتها حتّى انتخابه رئيساً في 2005. وكانت الإشارة الأخيرة في السياق هذا عدم حضوره اجتماع «مجلس تشخيص المصلحة»، ما عُدّ كسراً لتقاليد الجمهوريّة الإسلاميّة وطرق اشتغال مؤسّساتها.
وقصارى القول إن المواجهات داخل صفّ المحافظين الواحد، والتي بدأت قبل الانتخابات، غدت حدثاً يوميّاً بعدها. وهذا لئن استفاد من الأجواء التي وفّرتها الانتفاضة، فإنّه، مثله مثل الانتفاضة، تعبير عن أزمة النظام العميقة. ذاك أن الشرعيّة الايديولوجيّة للسلطة الخمينيّة انكسرت بنتيجة صراع «الجمهوريّة» و «الإسلاميّة».
وحين تنكسر الايديولوجيا في نظام ايديولوجيّ فهذا حدث خطير لا يستطيع القمع وقف تداعياته. غير أن الانكسار هذا إذ يصغّر المسائل الكبرى، فإنّه يفجّر الاعتبارات والحساسيّات الشخصيّة، ويغري كلّ واحد من الأطراف بتحميل المسؤوليّة للطرف الآخر، أو يدفع الكتلة الحاكمة المأزومة إلى البحث عن أكباش محارق.
في هذه الخانة يمكن إدراج أزمة أحمدي نجاد مع «عشيرته» السياسيّة
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: