زايد السيد - إسلام أون لاين 2/9/2009
يوسف ندا و محمود غزلان
على مدى شهور أشعل يوسف ندا، أحد رموز الإخوان بالخارج، شرارة معركة ساخنة حول موقف الإخوان من الشيعة والعلاقة معهم، وامتدت نار هذه المعركة إلى الداخل الإخواني، فأثارت الكثير من الجدل داخل الأوساط الإخوانية، والتي اتخذت موقفا معارضا لكلام ندا واعتبرت رأيه يصب في خانة الترويج للفكر الشيعي، وكان من هؤلاء المعارضين القيادي محمود غزلان، والذي رفض تصريحات وآراء ندا واعتبر أنه يدافع عن المذهب الشيعي.
وكان هذا سببا كافيا لأن يقوم ندا بالدفاع عن نفسه أمام هذه الهجمة متمسكا بآرائه حول الشيعة، ورافضا في الوقت ذاته "ما قيل عن الشيعة بتزمت وتعنت.. ونعتهم بالرافضة"، ومؤكدا أن "المشكلة الشيعية أصلها خلاف على الولاية والإمامة، وليست على قواعد الدين وأصوله؛ أي أنها خلاف سياسي.. بدأ سياسيًّا ويجب أن يحل سياسيًّا".. بجانب هذا فقد كال ندا الاتهامات لمخالفيه ووصفهم بأنهم مراهقون دينيا لا ينطلقون في آرائهم عن علم بالملف الشيعي.
امتد النقاش إلى القواعد في الجماعة، وكان لابد من حسم الخلاف، وهنا جاء الرد الثاني لمحمود غزلان "نحن والشيعة مرة أخرى" ليضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بموقف الجماعة من آراء يوسف ندا، وأنه لا يعبر عن رأي الجماعة بقدر ما يعبر عن رأيه الشخصي، وأن رأي مكتب الإرشاد يخالف ما نشره من آراء بشأن الشيعة، مؤكدا أنه "لما كان المقال يروج للفكر الشيعي ويتعارض مع الفكر السني الذي يعتنقه الإخوان، ونتيجة للبلبلة التي أثارها في أوساط أهل السنة ولدى قواعد الإخوان اضطررت اضطرارا لتبيان الحقيقة".
حدود العلاقة مع الشيعة
ويبدو أن نيران هذه المعركة الساخنة لم تنطفئ داخل البيت الإخواني؛ وهو ما دفع الجماعة إلى شرح موقفها للقواعد الإخوانية، خاصة بعد القبض على ما يسمى بخلية "حزب الله" الشيعي في مصر خلال شهر أبريل 2009، وكان على الجماعة أن تبين حدود علاقتها مع الشيعة وموقفها الواضح من التشيع، وفي هذا السياق أصدرت الجماعة مذكرة بعنوان "عليك بالفقه واحذر من الشرك"، حملت توقيع جمعة أمين عبد العزيز عضو مكتب الإرشاد.
يتناول جمعة أمين قضية السنة والشيعة من ناحيتين: أولاهما الناحية التاريخية، ويشير فيها إلى أن الحق الذي تدين به الجماعة هو"منهاج أهل السنة والجماعة، وهو منهج السلف الصالح الذي يقوم على صحة النقل وصراحة العقل، نجتمع على الأصول ويعذر بعضنا بعضا في اختلاف الفروع".
ويضيف: "إن المذاهب الفقهية غير الفرق الإسلامية التي اختلافاتها في أمر العقيدة، أما المذاهب فاختلافاتها في فروع الأحكام، وشتان بين الاثنين، فالأولى تفرق وتشتت وتمزق الجماعة الواحدة، وهي خارجة عن منهاج أهل السنة والجماعة مع إسلاميتها، وأما المذاهب فإنها تجمع وتعطي السعة والتوسعة، واختلاف الرأي فيها لا يفسد للود قضية، فكلهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتمس".
وينتقل جمعة في حديثه عن الشيعة فيقول: "الشيعة مع اختلاف فرقها، بين القريب من أهل السنة والبعيد كل البعد عن منهج الإسلام نفسه، تعتبر فرقة من الفرق الإسلامية وليست مذهبا من مذاهب أهل السنة والجماعة، مع الحكم بإسلاميتها إلا ما خرج منها عن أصول الإسلام نفسه".
ومستشهدا بما قاله مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا يقول: "ومع اختلافنا البين بيننا وبينهم فلم يتحدث الإمام البنا يوما بإساءة عن الحقبة التاريخية التي ظهرت فيها الفرق الإسلامية، ولكنه تحدث عن عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية، ويذكر منها الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرئاسة والجاه، والخلافات الدينية والمذهبية، والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ ومصطلحات.. وإهمال كتاب الله وسنة رسوله".
خلافات مذهبية
الناحية الثانية التي يتناول فيها جمعة أمين القضية هي الناحية المذهبية، ويؤكد في مذكرته على أن "هناك اختلافا واضحا بين مذاهب أهل السنة والجماعة وبين الفرق الإسلامية المتباينة، والتشيع ليست له أرضية في أوساطنا، بل لا خلاف أن الفكر الشيعي يتعارض مع الفكر السني الذي يعتنقه الإخوان المسلمون".
مضيفا: "الذي نريد أن نؤكده أن وحدة الأمة خصوصا في هذا الوقت تقتضي الإعراض عن الخوض في هذه المسائل الخلافية، وأهل السنة والجماعة كل همهم أنهم حريصون على رأب الصدع ووأد الفتنة لتتوجه الجهود وتتوحد تجاه عدو واحد له مشروع صهيوأمريكي يعمل على تحقيق أهدافه بكل طريقة".
ويؤكد جمعة أمين أن الإخوان لا ينبغي عليهم أن يزجّوا بأنفسهم في هذه الخلافات الفقهية والمذهبية، رافضا الخروج بالقضية للإعلام، مشيرا إلى أن "الحديث في هذه القضية في وسائل الإعلام الآن ليس وقته لا فقهيا ولا دعويا ولا سياسيا".
وفي ذات الوقت الذي يطالب فيه جمعة بعدم الخوض في المسائل الخلافية وتركه لمجالات البحث العلمي الرصين يشير إلى ما قاله أحد العلماء الشيعة، وهو محمد الموسوي الذي "خطأ الشيعة وأنكر عليهم فكرة الإمامة المنصوص عليها من الله، وأن الأئمة معصومون، وأن منزلتهم تساوي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفوق منزلة الأنبياء الآخرين، وأن لهم بعض صفات الله كعلم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وأن أعمال العبد تعرض عليهم".
ويستكمل: "لقد خطأ هذا العالم الشيعي هذه الأفكار كلها، وغير ذلك من أقوال واعتقادات، ألا يكفي توضيح مثل هذه الكتابة مدى ابتعاد هؤلاء عن منهج أهل السنة والجماعة؟! ومع هذا كله فوحدة المسلمين مقدمة على هذا كله، ولا يجوز إثارة هذه الخلافات في وقتنا الحاضر، وأمامنا العدو الحقيقي الذي يتوجه اليوم إلى المسجد الأقصى ويقيم عليه هيكله".
"السياسة تحكمها الأصول الفقهية"
وفيما يتعلق بالناحية السياسية يقول جمعة أمين: "المواقف السياسية تحكمها الأصول الفقهية والقواعد الأصولية؛ فهي مواقف في إطار الشرع لا تخرج عنه.. فمقياسها دائما الحق والعدل، فإن اتفقت المواقف مع ذلك أيدناها لا يحكمنا الهوى والظن، بل تحكمنا السياسة الشرعية التي تؤيد قضايا استقلال الدول وحريتها، فما بالك لو كانت هذه الفرق الإسلامية تؤيد وتدعم حركات المقاومة في المنطقة، خاصة المقاومة الإسلامية التي تدافع عن الأرض والعرض في فلسطين وتتصدى للمشروع الغربي وتحارب الصهيونية بكل قواها.. نحن نؤيد هذه المواقف كلها ونعضدها".
وأضاف: "ولنا في سيرة رسول الله الدليل على ذلك في حلف الفضول الذي عقد بين المشركين والرسول لنصرة المظلوم، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: دعيت في دار ابن جدعان لحلف لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت".
ومطالبا أعضاء الجماعة بترك الأمور السياسية للجماعة يقول أمين: "ولذلك فإن مثل هذه القرارات السياسية تقررها الجماعة بمؤسساتها، ولا يجوز لفرد أن يتخذ قرارا فيها بمفرده كائنا من كان، حتى ولو كان رأيه سديدا؛ لأن الأمور الاجتهادية والمواقف السياسية تحسمها الشورى ولا ينفرد الفرد فيها برأي ولو كان صوابا".
وفي الإطار ذاته يكرر أمين استشهاده بكلام الإمام البنا قائلا: "إن الإخوان المسلمين يرون الناس بالنسبة لهم قسمين: قسما اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه وآمن ببعثة رسوله وما جاء به وهؤلاء تربطنا بهم أقدس روابط رابطة العقيدة"، وقوم ليسوا كذلك، ولم نرتبط معهم بهذا الرباط، فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا، ونحب لهم الخير ما كفوا عدوانهم عنا (...) هذا لأهل الكتاب الذين كفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أليست الفرق الإسلامية أولى بهذه المعاملة من غيرهم؟! كل هذا حرصا على وحدة الأمة وعدم تفريقها.
هل حسمت الجماعة الخلاف؟
وفي نهاية مذكرته قال جمعة: "لقد تنبه المصلحون من المسلمين إلى الأضرار التي تتعرض لها الأمة الإسلامية بسبب هذا الانقسام فراحوا ينادون بوحدة الصف الإسلامي ونبذ أسباب الفرقة بين أبناء الدين الواحد، وقد تزعم هذه الدعوة في بدايتها الإمام جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، ثم أخذت الدعوة شكلا جماعيا بعد ذلك فنشأت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي شارك فيها الإمام البنا"، مشيرا إلى أن "الإخوان المسلمين وهم مشغولون بقضايا الوطن والمنطقة، خاصة قضية فلسطين، وهي قضية محورية، يجب عدم انشغالهم بهذه الأمور الفرعية بالمرة أو إثارتها، بل الكف عن الحديث فيها".
سألت جمعة أمين عن حقيقة هذه المذكرة، وعما إذا كان الجدل بشأن العلاقة بين السنة والشيعة لم يحسم بعد داخل الإخوان، فأكد لي أنه كتبها لتوضيح بعض النقاط في هذه القضية، إلا أنه ليس هناك جدل حاليا بشأن العلاقة مع الشيعة، قائلا: "كانت هناك بعض الخلافات في المفاهيم حسمتها الجماعة في بيانها بهذا الشأن"، وطالب جمعة في حديثه معنا بأنه لا داعي لنبش هذا الخلاف مرة أخرى، خاصة أن هناك الكثير من العلماء الكبار أمثال القرضاوي تحدثوا باستفاضة عن الفرق بين النظرة السياسية والدينية للشيعة.
نص المذكرة
عليك بالفقه واحذر من الشرك
جمعة أمين عبد العزيز
(باختصار يسير لضيق المساحة)
لتأصيل الكلام في قضية كثر فيها اللغط و الغلط في هذه الأيام إلا وهي قضية السنة والشيعة الذي كثر الكلام عنها ، وبعض هذا الكلام لا ينقصه حسن النية وان ضر ، والكثير منه يراد به صرف المسلمين عن قضاياهم الكبرى وتوسيع هوة الخلاف بين امة المسلمين الواحدة وهؤلاء ( هم العدو فاحذرهم ) .
سنتناول بمشيئة الله تعالي الموضوع من نواحي عدة
أولا: من الناحية التاريخية: أن العناية بدراسة ومعرفة الفرق الإسلامية لا يلزمنا اليوم إلا بمقدار ما نتعرف علي المنهج الصحيح الذي رد به سلف هذه الأمة علي فرق الضلال، لنجابه به الضلالات المعاصرة، فأهل السنة في كل زمان واجهوا الباطل في زمانهم وشغلوا أنفسهم بما ينفع مجتمعهم، فعالجوا مثل هذه القضايا التي اعتبروها مهمة في زمانهم.
واليوم هناك فرق ضالة حديثة كالبهائية والقاديانية، والماسونية، والماركسية، وغيرها من الفرق الضالة التي ظهرت في زماننا لحرب الإسلام، أليست هي الأولي بالمواجهة من الفرق القديمة إلا بمقدار معرفة وجه الشبه بين القديم والحديث، وننظر في منهج العلماء الذي واجهوا به أهل الباطل في زمانهم، فان أفادنا ونفعنا فبها ونعمت، وإلا فلا داعي لتجديد قديم اندثر ننشره بالحديث عنه والجدال فيه.
ما ندين به: ونقولها بصوت مسموع أن الحق الذي ندين به هو مناهج أهل السنة والجماعة ، وهو منهج السلف الصالح الذي يقوم علي صحة العقل وسلامة النقل ، نجتمع علي الأصول ويعذر بعضنا بعضا في اختلافنا في الفروع.
فعن عمر مرفوعا: ( سألت ربي عن اختلاف أصحابي من بعدي فأوحى إلى: يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها اقوي من بعض، ولكل نور، فمن اخذ بشئ مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي علي هدي) ولذلك كانت المذاهب الإسلامية كل منها علي صواب فيما تقول.
ولهذه المنزلة العالية فإننا لا نتعرض لخلافهم وأشخاصهم بشئ فيما اختلفوا فيه، ويا لروعة ما قاله بعض العلماء عندما سئل عما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم من خلاف فقال: تلك دماء قد طهر الله منها أيدينا، فلا نلوث بها ألسنتنا و سبيل ما جري بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته حين قال:" لا تثريب عليكم".
والجدير بالذكر هنا أن المذاهب الفقهية غير الفرق الإسلامية التي اختلافاتها في أمر العقيدة، إما المذاهب فخلافتها في فروع الأحكام، وشتان بين الاثنين، فالأولى تفرق وتشتت وتمزق الجماعة الواحدة، وهي خارجة عن مناهج أهل السنة والجماعة مع إسلاميتها، وأما المذاهب فإنها تجمع وتعطي السعة والتوسعة، واختلاف الرأى فيها لا يفسد للود قضية فكلهم من رسول الله صلي الله عليه وسلم ملتمس.
والشيعة مع اختلاف فرقها بين القريب من أهل السنة والبعيد كل البعد عن منهج الإسلام نفسه تعتبر فرق من الفرق الإسلامية وليست مذهبا من مذاهب أهل السنة والجماعة مع الحكم بإسلامها إلا ما خرج منها عن أصول الإسلام نفسه، ومع اختلافنا البين بيننا وبينهم فلم يتحدث الإمام البنا يوما بإساءة عن هذه الحقبة التاريخية التي ظهرت فيها الفرق الإسلامية، ولكن تحدث عن عوامل التحلل في كيان الدول الإسلامية وتفرقها فيقول رضوان الله عليهم.
من أهم هذه العوامل:-
1- الخلافات السياسية والعصبية وتنازع السياسة والجاه ، مع التحذير الشديد الذي جاء به الإسلام في ذلك، والتزهيد في الإمارة ولفت النظر إلي هذه الناحية التي هي سوس الأمم ومحطمة الشعوب والدول (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) ومع الوصية البالغة بإخلاص لله وحده في القول والعمل والتنفير من حب الشهرة والمحمدة.
2- الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلي ألفاظ ، ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة،وإهمال كتاب الله وسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، والجمود والتعصب للآراء والأقوال، والولع بالجدل والمناظرات والمراء وكل ذلك مما حذر منه الإسلام ونهي عنه اشد النهي حتى قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:( ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) وكل كلام في هذا الموضوع من الناحية التاريخية لا ينبني عليه عمل فالخوض فيه من التكلف الذي نهينا عنه.
ثانيا: من الناحية المذهبية: هناك اختلاف واضح بين مذاهب أهل السنة والجماعة وبين الفرق الإسلامية المتباينة، والتشييع ليست له أرضية في أوساطنا بل ولا خلاف أن الفكر الشيعي يتعارض مع الفكر السني الذي يعتنقه الإخوان المسلمون والذي نريد أن نؤكد أن وحدة الأمة خصوصا في هذا الوقت تقتضي الإعراض عن الخوض في هذه المسائل الخلافية وأهل السنة والجماعة كل همهم أنهم حريصون علي رأب الصدع ووأد الفتنة لتتوجه الجهود تجاه عدو واحد له مشروع صهيون أمريكي يعمل علي تحقيق أهدافه بكل طريقة وهو العدو الحقيقي الذي نبذل لصده كل الجهود المخلصة.
ونحن كحركة وجماعة لا نزج بأنفسنا في هذه الخلافات الفقهية والمذهبية خاصة والدماء تنزف ، والأعراض تنتهك والهوية تشوه ، والثروات تنهب ، والإسلام بمذاهبه السنية وفرقه المذهبية مقصود ومحارب ولذلك كان الحديث في هذه القضية في وسائل الأعلام الآن ليس وقته لا فقهيا ولا دعويا ولا سياسيا. علما بان الفقه له رجاله المتخصصون وقد أوضحوا هذه القضية بلا لبس ولا إبهام بل هي واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار وليس مجال ذلك المناظرات والمساجلات في الفضائيات خاصة المغرضة منها والتي تحاول صرف الأمة عن التحديات الحقيقية التي تواجهها لصالح المشروع الصهيوأمريكي، فمن العقل أن نحرص علي عدم الخوض فيها ونتركه لمجالات البحث العلمي الرصين.
إلا يكفيك ما قاله عالم من علمائهم هو الدكتور مرسي الموسوي الذي خطا الشيعة، وأنكر عليهم فكرة الإمامة المنصوص عليها من الله، وان الأئمة معصومون، وان منزلتهم تساوي منزلة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وتفوق منزلة الأنبياء الآخرين، وان لهم بعض صفات الله كعلم ما كان، وما هو كائن وما سيكون، وان أعمال العبد تعرض عليهم، خطأ هذا العالم الشيعي هذه الأفكار كلها، وغير ذلك من أقوال واعتقادات، ألا يكفي وضوح مثل هذه الكتابة ابتعاد هؤلاء عن منهج أهل السنة والجماعة؟ ومع هذا كله فوحدة المسلمين مقدمة علي هذا كله ولا يجوز إثارة هذه الخلافات في وقتنا الحاضر وأمامنا العدو الحقيقي الذي يتوجه اليوم إلي المسجد الأقصى ليهدمه ويقيم عليه هيكله.
لهذا فان الإمام البنا في رسالة إلي الشباب يقول :- يخطئ من يظن إن الأخوان المسلمين دعاة تفريق عنصري بين طبقات الأمة، فنحن نعلم إن الإسلام عنى أدق العناية باحترام الرابطة الإنسانية العامة بين بني الإنسان في مثل قوله:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير ) كما انه جاء لخير الناس جميعا ورحمة من الله للعالمين، ودين هذه مهمته ابعد الأديان عن تفريق القلوب، وإيغار الصدور، وبهذا جاء القران مثبتا لهذه الوحدة مشيدا بها في مثل قوله تعالي: (لا نفرق بين احد من رسله) وقد حرم الإسلام الاعتداء حتى في حالة الغضب والخصومة، فقال تعالي: (ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). هذا بالنسبة لأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بكتاب الله ولا برسوله صلي الله عليه وسلم فما بالك بالفرق الإسلامية التي تتحد معنا في التوحيد ورسالة الرسول صلي الله عليه وسلم وفرائض الإسلام بصرف النظر عن المتطرفين فيهم.
ثالثا: من الناحية السياسية: المواقف السياسية تحكمها الأصول الفقهية والقواعد الأصولية فهي مواقف في إطار الشرع لا تخرج عنه وقد اشرنا إلي ذلك من قبل – فمقياسها دائما الحق والعدل فان اتفقت المواقف مع ذلك لا يحكمنا الهوى والظن بل تحكمنا السياسة الشرعية التي تؤيد قضايا استقلال الدول وحريتها فما بالك لو كانت هذه الفرق الإسلامية تؤيد وتدعم حركات المقاومة في المنطقة خاصة المقاومة الإسلامية التي تدافع عن الأرض والعرض في فلسطين وتتصدى للمشروع الغربي وتحارب الصهيونية بكل قواها وتحارب الفساد والمفسدين. فكيف مع هذا كله نعاديها ونضعها في صف الأعداء ؟ بل نحن نؤيد هذه المواقف ونعضدها.
ولنا في سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم الدليل علي ذلك في حلف الفضول الذي عقد بين بعض مشركين ورسول الله صلي الله عليه وسلم لنصرة المظلوم وقال عنه صلي الله عليه وسلم:" دعيت في دار بن جدعان لحلف لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت "، ولذلك فان مثل هذه القرارات السياسية تقررها الجماعة ومؤسساتها ولا يجوز لفرض أن يتخذ قرارا فيه بمفرده كائنا من كان حتى ولو كان رأيه سديدا لان الأمور الاجتهادية والمواقف السياسة تحسمها الشورى ولا ينفر الفرد فيها برأي ولو كان صوابا.
يقول الإمام البنا في رسالتة دعوتنا: " إن الإخوان المسلمين يرون الناس بالنسبة لهم قسمين:
قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه وآمن ببعثة رسوله صلي الله عليه وسلم وما جاء به وهؤلاء تربطنا بهم أقدس الروابط رابطة العقيدة.
وقوم ليسوا كذلك ولم نرتبط معهم بهذا الرباط، فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا، ونحب لهم الخير ما كفوا عدوانهم عنا، ونعتقد أن بيننا وبينهم رابطة هي رابطة الدعوة، علينا أن ندعوهم إلي ما نحن عليه لأنه خير الإنسانية كلها، وان نسلك إلي نجاح هذه الدعوة ما حدده الدين نفسه من سبل ووسائل، فمن اعتدي علينا منهم رددنا عدوانه بأفضل ما يرد به عدوان المعتدين (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم إن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). هذا لأهل الكتاب الذين كفروا بما جاء به محمد صلي الله عليه وسلم أليست الفرق الإسلامية أولى بهذه المعاملة من غيرهم؟ كل ذلك حرصا علي وحدة الأمة وعدم تفريقها.
يقول المولي عز وجل:(وأن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون) يقول الشيخ شلتوت: إن معني ذلك أن الله سبحانه وتعالي طلب من امة الإسلام أن تتوحد كلمتها و ألا تكون شيعا وأحزابا يضرب بعضهم رقاب بعض لقد فهم المسلمون الأولون روح هذا الدين الحنيف وبرغم اختلافهم في بعض النصوص إلا إنهم كانوا متحدين في الغايات والمبادئ، ثم خلف من بعدهم خلف جعلوا دينهم لأهوائهم فتفرقت الأمة إلي شيع وأحزاب، ومذاهب وعصبيات واستباح بعضهم دماء بعض وصار باسهم بينهم شديد.
ولقد استغل المستعمرون أسباب الفرق بين المسلمين أعظم استغلال فراحوا ينبشون قبور التاريخ ويستخرجون منها ما يثير العداوة والبغضاء، وراحوا ينفقون في نار خمد أوارها وانطفأ لهيبها ليظل المسلمين علي حالهم من التفكك والانقسام فيسهل القضاء عليهم ويعلوا بنيان أعدائهم.
ولقد تنبه المصلحون من المسلمين إلي إضرار التي تتعرض لها الأمة الإسلامية بسبب هذا الانقسام فراحوا ينادون بوحدة الصف الإسلامي ونبذ أسباب الفرقة بين أبناء الدين الواحد، وقد تزعم هذه الدعوة في بدايتها الإمام جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده ثم أخذت الدعوة شكلا جماعيا بعد ذلك فنشأت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي شارك فيها الإمام البنا، وهي دعوة لا تعني نصر مذهب علي مذهب ، وإنما هي دعوة لتنقية المذاهب من الشوائب التي أثارتها العصبيات والنعرات الطائفية وأزكتها العقلية الشعوبية وإنما هي دعوة لتنقية المذاهب من الشوائب التي أثارتها العصبيات والنعرات الطائفية وأذكتها العقلية الشعوبية
يقول الشيخ السيد القمي وهو عالم من علماء الشيعة عن الإمام البنا:(ماذا فقد الإسلام بعد الأستاذ حسن البنا والله إني لأشعر بفراغ كبير في جوانب نفسي، واشعر بالدار موحشة من حولي منذ فقدت جماعة التقريب جهوده المباركة في التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة. لقد كان الخلاف وتشتت الرأي هو عدوه اللدود، وكانت الوحدة السليمة من اعز أمانيه التي يعمل لها جاهدا صادقا، ولقد كان مذهبه في القريب أن يتعاون الجميع لتحقيق الأصول المعترف بها منهم أنها حق، وان يعزر بعضهم بعض فيما وقع فيه الخلاف على أن يحاول كل فريق من جهته أن يضيق شقه الخلاف بينه وبين أخيه مستهديا روح المحبة الإسلامية والوحدة التي في لب الأيمان وسر القوي والعزة، وبعد فلعل أكثر الناس لا يعرفون إن الأستاذ حسن البنا هو صاحب الفكرة الأولي في تأليف جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية) .
ولذلك فان الإخوان المسلمين وهم مشغولون بقضايا الوطن والمنطقة خاصة فلسطين وهي قضية محورية تشغل جماعة الأخوان وتتوجه إليها بكل قواها لا يشغلها عنها أي قضية جانبية أو أمور فرعية فضلا عن إن الأمة تواجه موجات عاتية من قبل أعدائها الصهاينة الذين يسيرون في ركابهم وهم يحملون أعباء دعوة الإسلام ورحمة الله علي الإمام البنا حين قال: ( إن الواجبات أكثر من الأوقات ) – أقول – في هذه الظروف التي تحيط بالدعوة من كل جانب والتي تتطلب معرفة طبيعة المرحلة وواجب الوقت فيها وترتيب الأولويات وأهميتها لا يجب الانشغال بهذه الأمور الفرعية بالمرة أو إثارتها بل الكف عن الحديث عنها.