د. عبدالله فرج الله – السبيل الأردنية 15/9/2009 ( باختصار)
انطلقت في الآونة الأخيرة فضائية جديدة تحمل اسم (صوفية)، لتنضم إلى مجموعة الفضائيات الإسلامية، التي تعددت أسماؤها، وتوحد في الغالب مضمونها.
هذه الانطلاقة في الحقيقة جاءت متأخرة كثيراً، ففي الوقت الذي أسس فيه كل قوم قناة تنطق باسمهم، وتنقل أفكارهم، وتعبر عن توجهاتهم، تأخر الذين اختطوا طريق التصوف المبصر اختراق الفضاء، والوصول إلى أقماره، كي يَعْبروا من خلالها إلى البيوت وساكنيها.. وهذا حق لهم، أن يتكلموا هم عن أنفسهم، ويوضحوا معالم طريقه،بعد أن كثر متناولوهم، ومنتقدوهم، ومتهموهم.. كما أن من حق المسلم أن يطلع بشكل مباشر على (التصوف)، من خلال أهله وأتباعه..
وقد كان هذا الأمر بالذات حديثاً جرى بيني وبين الشيخ إسماعيل بن الشيخ محمد سعيد الكردي - رحمه الله -، شيخ الطريقة الشاذلية، الذي تبوأ في القناة مركز المستشار، يوم سجلنا حلقة التصوف، في برنامج الوسطية، مع الدكتور طارق سويدان،في فضائية الرسالة.. عن ضرورة وجود قناة فضائية تحمل هم التصوف، وأهله، وتعمل على نشر صورته الحقيقية، وفي الوقت نفسه، تكشف زيف المتسلقين، من المنتسبين.. سيما أن الحلقة المذكورة قدمت صورة مقبولة عن التصوف، وجلّت بعض الصدأ عنه.. ونفت عنه كثيراً من التهم والصور التي ألصقت به.. حتى جاءني بعض الشباب الذي حُشي رأسه بمعلومات خاطئة، بعد انتهاء الحلقة، متسائلاً عن حقيقة ما قاله الشيخ إسماعيل.. هل هذه هي الحقيقة؟ أم أنه يأخذ بمبدأ التقية..؟! فيقول خلاف ما يعتقد، ويعتقد خلاف ما يقول.. فقلت له: يا أخي، أمرنا أن نحكم بحسب ما نسمع وما نرى.. أما ما لا نسمعه ولانراه.. فندعه للسميع البصير الخبير - سبحانه وتعالى -.
وقد عجبت من شأن القائمين على هذه القناة، التي جاءت مباشرة،صريحة.. يحمل عنوانها رسالتها، ويعبّر شكلها عن مضمونها، فلا التواء ولا تقية، ولاخفية.. فعبرت عن هويتها باسمها.. لم توارب، أو تختف خلف اسم آخر.. أقول عجبت من شأنهم في هذه الجرأة، التي تصل درجة التحدي، الذي يؤكد أن القوم يحملون همة عالية،وعزيمة ماضية.. وحماسة للفكرة، وإخلاصاً للعمل، وبصيرة في معالم المسير.. رغم علمهم الأكيد بما سيثار حولهم من غبار كثيف.. لطمس نورها، وحجب إشعاعها.. مما سيضعها حتماً تحت مراقبة شديدة، ومتابعة كثيفة.. يرصد فيها القول والفعل..
كلنا أمل أن يأخذ القائمون على هذا العمل أنفسهم وقناتهم بمنهج أهل السنة والجماعة، والتزام ما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله في:
- اعتدال المنهج، ووسطية الدعوة.. فهذه هي سمة هذا الدين، في كل جوانبه وميادينه الاعتقادية، والسلوكية.. لا إفراط ولا تفريط، ولا تعصب ولا تمحور.. حول الذات أو الفكرة أو الشيخ.. أو الطريقة..
- اعتماد كل ما من شأنه أن يجمع كلمة المسلمين، ويوحد صفوفهم،ويقوي شوكتهم، ويرفع همتهم، ويوقظ حسهم.. فما أشد حاجة الأمة لمن يعمل على ميلادها من جديد، ويشارك في بعث الحياة فيها.. فيحيي مواتها، وينهي سباتها، ويحرك جنباتها..
- سلامة الصدر، وحسن الظن بكل المسلمين.. فإنه يحمل على التجاوزعن الإساءة، ونسيان الخطأ، وكتم الغيظ، وعدم الانزلاق إلى رد التهم، ودفع الشبهات،التي ستثار حتماً، فالتزام الحق، والسير في ركابه، خير ما يرد الشبهات، ويدفع قالة السوء.
- الفكاك من أسر العادة، إلى فضاء العبادة، فرحب العبادة ظلال تتسع معها النفوس، وتطمئن فيها القلوب، وتسمو بها الأرواح، وتهذب الألفاظ.. وتنبل المواقف والأفعال..
- الابتعاد قدر الوسع والاستطاعة عن مواطن الخلاف والاختلاف،فإنها تضيق ما اتسع، وتباعد ما قرب، وتفرق ما جمع، وتقطع ما اتصل، وتسد ما فتح.. فمجالات الاتفاق، ومساحاته كبيرة وكثيرة، في ديننا الحنيف.. وفيها غنى وكفاية لمن أراد أن يبني جسور التعاون والتواصل..
فإننا بهذا نتمنى أن تكون القناة إضافة حقيقية، يُلمس أثرها،ويُرى فعلها، وتَترك بصمتها في حياة السائرين إلى الله تعالى، وهم في الحقيقة بحاجة ماسة لهذه البصمة، خاصة في زمن الجفاف الروحي، وقساوة القلب، وجمود العين، وغياب الخشوع..
والخير كل الخير في أن تكون القناة اسماً على مسمى، بحيث تجسد حقيقة التصوف، وأخلاق أرباب الطريق، ذلة من غير ضعف، وعزة من غير تكبر، وقوة من غيرظلم.. وهمة في ذكر الآخرة وطلبها، وخمولاً في ذكر الدنيا وطلبها، وزهداً في دروبالشهرة والشهوة.. نعم، كل الخير في أن تنجح هذه القناة في تقديم الصورة الحقيقية للسائر الصادق في مسيره، المخلص في طلبه، القوي في انتمائه.. فلعلنا نرى من خلال هذه القناة صورة الصوفي الحقيقي، الصوفي المتبتل في محرابه، المتفنن في عمله،المتقن لرسالته، المبدع في صنع الحياة.. الجميل في مظهره، النظيف في مخبره.. اللطيف في حديثه، الدافئ في تعامله.. الرحيم في دعوته..
وختاماً فإني أعتقد أن هذه القناة (صوفية) سيحاربها - ولست مبالغاً بقولي (يحاربها)، فهذا شأن بعض المسلمين، للأسف الشديد في أيامنا هذه، مع المخالف (إعلان الحرب) -، سيحاربها صوفيٌّ مدّعٍ.. فالصوفي المدعي سيحاربها حتى لا تكشف حقيقته،وحتى لا يعرف الناس حقيقة التصوف، فينكشف الذين يدعونه، ويركبون موجته، ويتخذون منه وسيلة لتحقيق مآرب نفوسهم المريضة.. وأغراضهم الرخيصة..