جولة الصحافة\العدد السادس والسبعون - شوال 1430 هـ
صوفية السنغال قواسمنا المشتركة مع الشيعة لا تعني بالضرورة أننا مدخل للتشيع
الثلاثاء 22 سبتمبر 2009

خديجة الزغيمي - إسلام أون لاين 9/9/2009

 الطريقة التيجانية من أكثر الطرق الصوفية انتشارا في إفريقيا، وقد أسست على يد سيدي أحمد التيجاني الذي وُلِد بالجزائر عام 1737 وتُوفي بفاس بالمغرب عام 1815، ودخلت التيجانية السنغال في النصف الأول من القرن التاسع عشر على يد الحاج الشيخ عمر طال، ومن بعده قام الحاج مالك سه بنشر أفكار الطريقة التيجانية وتوسيع نفوذها في السنغال، وأسس عام 1902 أكبر زاوية للطريقة التيجانية في السنغال هي زاوية تواون.
للتعرف أكثر على الطريقة التيجانية في السنغال وعلى الأدوار التي تقوم بها في المجتمع السنغالي وعلاقتها بالقوى الصوفية والإسلامية الأخرى في البلاد كان لنا هذا اللقاء على هامش ملتقى تكماطين السنوي للفكر الإسلامي الذي عقد في أغسطس الماضي بموريتانيا مع محمد بشير أنغوم الداعية والمقدم في الطريقة التيجانية بالسنغال وعضو مركز زاوية الشيخ الحاج مالك سه للدراسات والبحوث بـ "تواون" في السنغال، وعضو هيئة التدريس في كلية الدعوة الإسلامية فرع السنغال ببر.
* ما هي أهم الأدوار التي تقوم بها الطريقة التيجانية في السنغال؟
- الطريقة التيجانية معروفة بالعمل بهدوء ولكن بالتزام، ومعروفة بدورها العلمي فلا تجد عالما متمكنا إلا وله صلة بالتيجانية، وفي هذا الإطار لدينا العديد من المدارس التي تتبع الزوايا التيجانية، فهذه الزوايا تعتبر مدارس علمية بقدر ما هي مراكز روحية.
والتعليم في السنغال به منهجان؛ المنهج التقليدي الذي يعتمد على كتب بعينها يدرسها الطالب ليصبح ملما بالمعارف الإسلامية والعربية، وهناك المنهج الحديث الذي يعتمد على المدارس.
وتتبنى المدارس التابعة للزوايا الصوفية في السنغال مناهج مختلفة، فهناك من يتبع المنهج السعودي، وهناك من يتبع المنهج المصري، وهناك من يتبع المنهج الليبي، ويمكن لخريجي مدارس الزوايا التقدم للمسابقات الحكومية لشغل وظائف مدرسي اللغة العربية والعلوم الإسلامية في المدارس، إلا أن الجامعات الحكومية في السنغال لا تقبل خريجي هذه المدارس والخيار المتوفر أمام هؤلاء الخريجين لإكمال تعليمهم هو الانضمام لكلية الدعوة الإسلامية الليبية التي لها فرع في السنغال والتي تقبل الدولة شهاداتها.
دور فاعل في السياسة
* بخلاف الجانب التعليمي والتربوي ما هي الجوانب الأخرى التي تهتم بها الطريقة؟
- تهتم الطريقة بجانب الإرشاد حتى بالنسبة لرجال الحكومة، فالطريقة التيجانية ومنذ ما قبل الاستقلال كانت محل استشارة للكوادر السياسية ابتداء من سنجور الرئيس الأول للسنغال بعد الاستقلال والذي كان مسيحيا، إلى جميع المناضلين من أجل الاستقلال الذين كانوا يراجعون الشيخ الحاج مالك؛ لأنه كان ملما بأمور الحياة، وحتى الآن يأتي رجال الدولة لاستشارة شيوخ الطريقة التيجانية.
* إذن فالطريقة التيجانية تقوم بدور فاعل في الساحة السياسية في السنغال؟
- الطريقة التيجانية تقوم بالعديد من الأدوار المؤثرة في السنغال، وأضرب المثل على ذلك بحياة الشيخ الحاج عبد العزيز سه الخليفة الراحل للطريقة الذي كان منزله قبلة للجميع، فعندما تحدث اضطرابات وإضرابات في البلد يدعو جميع الطلبة إلى بيته أو إلى زاويته، وإذا حدثت نزاعات بين رجال البرلمان كان يدعوهم كذلك، وعند حدوث الاضطرابات كان الشيخ يذهب إلى زاويته في دكار ويدعو الناس ويتكلم مع البرلمانيين فيما يخصهم في أن يتقوا الله تعالى فيما يصوتون عليه في البرلمان.
وبالتالي تقوم الطريقة بأدوار اجتماعية وقانونية وسياسية، برغم أن شيوخها لا يدخلون بأنفسهم في ساحة السياسة، إلا أن الأتباع يسهمون بقوة في العملية السياسية.
والطريقة في هذا تختلف عن جماعة مثل الإخوان المسلمين، وقد كان الشيخ محمد الحافظ التيجاني المصري شيخ التيجانية في مصر يتحدث مع الشيخ حسن البنا حول المنهج الأمثل لجماعة الإخوان، وكان البنا يرى ضرورة أن يتصدر الإخوان للسياسة وأن يكونوا على رأس المناضلين، بينما كان من رأي التيجاني أنه من الأجدى القيام بتنشئة السياسيين والنضاليين بدلا من القيام بأدوارهم، انظروا الآن إلى مصير أفكار كل من الرجلين، صحيح أن حسن البنا حقق العديد من الإنجازات، ولكنه تعرض للكثير من الصعاب بسبب منهجه.
إذن الطريقة التيجانية تتبنى أسلوب التغيير الصامت، والشيخ الحاج مالك على سبيل المثال حينما أراد أن يغير استخدم هذا الأسلوب؛ لذلك لم يكن هناك صدام بينه وبين المستعمر؛ لأنه كان يقول إنى أهتم بثلاثة أشياء تحصين العقيدة الإسلامية، ونشر المعارف الإسلامية، والتربية. ولكن ربما لا يكون التغيير الصامت وحده كافيا، وبالتالي يمكن القول إن الأسلوبين ضروريان ومكملان لبعضهما.
الله سبحانه وتعالى يقول "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، فالمقاومة والقيام للمدافعة تتطلب وجود قوة متكافئة وإلا يكون هذا انتحارا، فالأمر يحتاج لوقت وإعداد واستعداد، انظروا لحياة الرسول عليه السلام في مكة "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"، وحينما وصل إلى المدينة وتمكن وترسخت أركان الإسلام في قلوب الناس وأركان القوة الاجتماعية والاقتصادية دفع بالقوة.
العلاقة بين صوفية السنغال
* ما هو شكل العلاقة بين الطرق الصوفية المختلفة في السنغال؟
- الحاج مالك سه كان ابن عمة الشيخ أحمدو بمبا مؤسس الطريقة المريدية في السنغال، وبالتالي هناك تواصل بين الطرق الصوفية الموجودة في السنغال ولو لم يكن بشكل مستمر.
* وهل يوجد إطار تنسيقي ما يجمع مختلف الطرق الصوفية؟
- هذا ما ينقصنا، فنحن لم نصل بعد لهذا في السنغال، الفكرة موجودة، ولكن تقابلها مشاكل لا تنبع من الشيوخ أنفسهم ولكنها تأتي من الأتباع، وللأسف أصبح بعض الشيوخ مقيدين بأفكار أتباعهم.
* تعني أن الأتباع يرغبون في التميز، ويعتقدون أنهم ينتمون لطريقة تتميز عن الطرق الأخرى، وبالتالي لا يصح أن ينسقوا مع الآخرين؟
- بالضبط، وهذا أمر لا يريده الإسلام ولا التيجانية ولا أي زعيم ديني، ومن المفترض ألا يتم النظر إلى العلاقة بين الطرق الصوفية المختلفة على أنها طرق متنافسة وكل منها يسعى لزيادة أتباعه على حساب الآخرين فنحن جميعا في النهاية لدينا هدف واحد.
* ظر كثيرون الآن إلى الطرق الصوفية على أنها أصبحت شيئا من الماضي، وأنها لم تعد جذابة للشباب كما كانت من قبل، ما رأيكم؟
هذه فكرة خاطئة لأنه منذ أعوام ترى إفلاسا في المناهج الفكرية الغربية، وقد أدت العواصف التي هبت على الفكر الغربي بشكل عام إلى تحول الناس لاتجاه آخر وهو الإقبال على الفكر الصوفي، وأصبح الشباب المسلم عندنا يقبل على التصوف الإسلامي تيجانيا كان أو مريديا أو أي اتجاه صوفي آخر.
السلفية يحضرون "المولد"!
* ولكن الاتجاه للإسلام بشكل عام أو العودة إليه لا يعني بالضرورة التوجه نحو الصوفية فقط، فهناك تيارات إسلامية أخرى يمكن أن تجتذب هؤلاء الشباب، ما هو الوضع في السنغال في هذا الخصوص؟
- طبعًا هناك حركات إسلامية أخرى، مثل: عباد الرحمن والسلفيين، كذلك نشطون في السنغال، والآن أصبح هناك شبه تفاهم بين الحركة السلفية والحركة الصوفية في السنغال، وقبل ذلك كانت العلاقة متوترة بينهما وكانت هناك اضطرابات ومشادات وحواجز.
الآن تجد في السنغال سلفيا يحضر المولد النبوي، وقد وصلنا إلى هذه المرحلة باتباع سياسة الحوار، فالغرض الذي نريد الوصول إليه في النهاية واحد برغم اختلاف الوسائل، وعند الحديث بهذه الصورة يسهل التفاهم بيننا.
مثلا أنا حضرت رسالتي عن التصوف الإسلامي في السنغال وحينما تحدثت مع أحد المشايخ في السعودية وعرف ذلك، قال لي عيب عليك يا شيخ أن تكتب عن هذه الخزعبلات، وإن التصوف ليس من الإسلام، فقلت له إن الشيخ الذي حضرت عنه رسالتي عرف التصوف بأنه "صدق التوجه في إرضاء خالقنا" وعاش هذا التعريف. فالتصوف صفاء، وقد كان ابن القيم الجوزي صوفيا، وابن تيمية الذي كان يعارض التصوف الإسلامي قال في النهاية إن أحوالهم صحيحة وأذواقهم صحيحة إلا أن المشكلة في التسمية، فهو يرى أنه لا ينبغي أن يسموا بالصوفية، وإنما فليطلق عليهم الزهاد مثلا أو البكائون أو المتقون بينما مسمى الصوفية غير موجود في الإسلام.
* وهل تبنت سلفية السنغال هذه الرؤية؟
- لا، وإنما هناك تقارب في وجهات النظر.
* هل هناك موقف أو حادثة معينة أدت إلى هذا التقارب؟
- قد يرجع هذا إلى كتاب نشر في السنغال هاجم كاتبه التصوف الإسلامي هجوما عارما ثم بعد ذلك رد عليه كاتب آخر، وربما انطلاقا من هذه الردود ومن هذا الأخذ والرد بدأ التقارب؛ لأننا إذا جلسنا وتكلمنا لا بد في النهاية أن نتقارب.
لهذا أنا أقول إن الحوار المسيحي لا يهمنا في السنغال؛ لأنه لا توجد عندنا مشكلة مسيحية، وأحكي لكم موقفا يدلل على هذا: كنت يوما في مجلس عزاء في دكار وحان وقت صلاة الظهر ذهبت لأبحث عن مكان للصلاة ووجدت بيتا علقت فيه صورة الشيخ الحاج عبد العزيز سه، وهو من شيوخ الطريقة التيجانية، ويتمتع بمحبة الجميع في السنغال دخلت المنزل فوجدت ساكنته امرأة مسيحية قلت لها إنني أريد الصلاة فرحبت بي وجهزت لي المكان.
إذن لا مشكلة في الحوار الإسلامي المسيحي، وإنما نحن بحاجة إلى الحوار بين المكونات الإسلامية فهناك حاجة للحوار بين السلفية والصوفية، وكذلك للحوار بين الطرق الصوفية المختلفة.
* وماذا عن الحوار بين السنة والشيعة؟
- ليست لدينا مشكلة مع الشيعة.
* ولكن هناك حديث كبير يدور حاليا حول محاولات لنشر المذهب الشيعي في الدول السنية وأن الصوفية يمكن أن تلعب دور القنطرة للتشيع، ما موقع السنغال من هذا؟
- لدينا عدد قليل من الشيعة والعديد منهم لبنانون، ولكن لا توجد لدينا مشاكل معهم، فإذا كان الشيعة يدعون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ستجد في مؤلفات الشيخ الحاج عبد العزيز ما لا يصل إليه الشيعة من محبة رسول الله ومحبة أحبابه، والشيعة يحضرون المولد النبوي الذي تقيمه الطريقة في تواون والذي يحضره كذلك السلفيون وسفراء الدول، ووجود قواسم مشتركة بيننا وبين الشيعة لا يعني بالضرورة أن الصوفية مدخل للتشيع.
* في رأيك ما هي أهم التحديات التي تواجه الصوفية الآن؟
- التحدي الأول هو المثقفون الغربيون الذين تركوا جميع ما عرفوه من المناهج ودخلوا بثقافتهم الغربية في الحياة الروحية، وهذا يهدد الفكر الصوفي؛ لأنه لا بد أن يكون هناك عواصم وحواجز إذا أراد أي مثقف أو مفكر أن يدلي بدلوه في الحياة الروحية.
التحدي الثاني الذي يهدد الحياة الصوفية وكان قد أثاره الشيخ الحاج مالك سه هو توارث المشيخة، حيث يتولى ابن الشيخ المشيخة بعد أبيه بغض النظر عن مؤهلات هذا الابن، فحتى الآن خلافة الطرق في السنغال لا تتم سوى عن طريق التوريث للأبناء.
وهناك كذلك مشكلة الجهل وضعف المستوى التعليمي لدى أتباع الطرق الصوفية، فالإنسان إذا أراد أن يتمكن في الحياة وأن يتمكن منهجه يجب أن يقبل على العلم.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: