الدكتور عبد الكريم سروش
( تعريب: د. مصطفى محمدي)
متزامنا مع الأحداث الجارية في إيران بعث المفكر والكاتب الإيراني الشهير؛ عبدالكريم سروش رسالة مفتوحة إلى المرشد الإيراني؛ آية الله الخامنهاي و اتهمه بالديكتاتورية و سلب الحريات الدينية و الفرعنة و الإستبداد.
نص رسالة الدكتور عبدالكريم سروش:
انتهى العرس الكاذب، و دخل العريس المزور على عروسه. تزلزلت صناديق الإقتراح و رقصت الشياطين طربا في الظلام الدامس. وقفت الضحايا في أكفانها البيضاء ترمق الموقف الشنيع، و أخذت المساجين يصفقون بالأكف المقطوعة، و بعين يملأها الغضب و أخرى تكاد تنفجر لعنا، ودع العالم العريس المزيف. بكت عيون الدهر طويلا و جرفت سيول الدماء إيوان الجمهورية. و انفجر الشيطان ضحكا حتى طمست النجوم و نامت الفضيلة!
السيد خامنئي:
يا ترى! من يقدر أن يصنع ما صنعته بضعف همتك وهشاشة رأيك؟!
يشكو منك الجميع في هذا العام الذي يعاني من قحط الفضيلة و موت العدالة، لكنني أشكرك جزيل الشكر!.. "لي شكر لذاك الحبيب مع الشكوى..."!
لا يعني هذا أنني لا أشكو منك. بل لي شكاوى كثيرة، لكنني أطرحها بين يدي ربي. فإنني أدرك تماما بأن آذانك قد امتلأت بالثناء والمدح الذي يقدمه لك المتزلفون، وقد ثقلت فلم تعد تسمع أنين الشاكين. لكنني أشكرك جزيل الشكر. فإنك قلت:"هتكت قداسة النظام" و انكشفت سوءته.
صدقني، فإنني لم أبشر طوال عمري بمثل هذه البشرى. أحسنت، ولا فض فوك! فإنك اعترفت بذل الفرعنة المذهبية ونكبة الإستبداد وأعلنت على الملأ حقيقة هوان الديكتاتورية.
و إنني أكاد أطير فرحا لأنني أشعر بأن صرخات المتهجدين مزقت ستائر السماء وأوقدت نيران الثأر الإلهي.
وإنك كنت والله ترضى أن يهان قداسة الرب جل وعلا ولم تكن ترضى أبدا أن تهتك قداستك! كنت ترضى أن يولي الناس أدبارهم للدين وللنبوة، و لكنك ما كنت تقبل أبدا أن يولوا ظهرهم لولايتك!.. لم تكن تحرك ساكنا لو رمى الناس الشريعة والطريقة والحقيقة في المزابل، شريطة ألا يخدش رداء سلطانك ولا يزعزع كيان عرشك... لكن الله أبى أن يكون ذلك. فلم تدعك القلوب المكلومة، والأفواه المسدودة و الدماء المريقة والأيادي المقطوعة والأعراض المتهتكة أن تسعد في أحلامك طويلا. ولم يدعك الصالحون و التقاة والزهاد والأنبياء أن تسكر في آمالك كما يحلو لك. لم يدعك فيما ترجوه المحرومون و المستضعفون والمصلحون والأحرار..
كانت حكاية جمهوريتك الولائية مثل ما قاله الشاعر:"شيطان مزخرف يرقص في ديباجة الحسن الزائف". و لله الحمد والمنة فقد مزقت ستائر العصمة الكاذبة عن هذا الشيطان المريد. انكشفت أسراره وظهرت خباياه وسقط تحت الشمس عاريا. ورآه العالم أجمع بعيون غاضبة وأفواه فاغرة على حقيقته عاريا كما أنجبتموه.
السيد خامنئي
أدرك جيدا أنكم تتجرعون مرارة المصائب والأخطاء. فقد أخطأت، وما أعظم خطأك! فقد أرشدتكم إلى حل هذه المعضلة قبل إثنا عشر عاما. قلت لكم: اتخذوا الحرية لكم منهجا. تجاوزوا البحث عن فضائلها و أنها حق أم غير ذلك، اتخذوها سبيلا للوصول إلى حكومة موفقة. أولا تريدون ذلك؟!
لماذا تنفخون في الناقوس من الأمام؟ لماذا تبعثون عسسكم وعيونكم وجواسيسكم وعملائكم بين الناس ليحصوا أنفاسهم و يقرأوا ما في صدورهم. ويتفننوا بآلاف الحيل والمكر أن يخرجوا ما في خبايا نفوسهم أو ما قد ترقد تحت ألسنتهم. ويرفعوا إليكم التقارير الصحيحة والكاذبة والناقصة والمعوجة. دعوا الحرية تدب في المجتمع، و افتحوا القيود عن الجرائد والأحزاب والمؤسسات والنقاد والمفسرين والمعلمين و الكتاب و... دعوا الناس يحكون حكاياتهم بما عندهم من الألسن، و يفتحون أمامكم نوافذ الخبر وأبواب النظر فيعينونكم في تدبير الملك وتنظيم النظام وإقامة الحكم. لا تشنقوا الإعلام، فإنه كبد المجتمع.
لكنكم أبيتم إلا وأن تقطعوا الطريق. والآن فقد وقعتم في السحر الذي كدتموه وأصبحتم ضحايا نظام مغلق وبئر عميق حفرتموه بأنفسكم، ووقعتم في فخ لا مجال فيه للنقد ولا للرأي، ولا ينبت فيه العلم ولا الخبر.
تظنون أنكم تصلون إلى الأخبار الصادقة ولب الموضوعات من خلال التقارير السرية والاستماع إلى المستشارين الذين لا يطربهم إلا رضاكم، لكن آن لكم أن تدركوا من وقوف الشعب بجوار "الخاتمي" و اختياره للون "الموسوي" الأخضر أن سكر الإستغناء وسحر الاستبداد سلبا عنكم الذكاء والعقل.
وها أنتم اليوم تحاولون أن تغسلوا العار بالشنار، فمكان أن تغسلوا الذنوب التي ارتكبتموها بجهلكم و صنعتموها بفرعنتكم أخذتم ترتكبون ذنوبا أشد وأنكى. وأنى لكم أن تطهروا وأنتم تغسلون الدم بالدم..
ألم تشبع نهمتكم جريرة الخيانة والتزوير فأخذتم في الجناية والقتل. وألم تشبع حرصكم الخيانة والقتل فأخذتم تهتكون أعراض المسجونين. وألم تروي حقدكم القتل والجناية وهتك الأعراض والتزوير فزدتم عليها التهم الجازفة بالتجسس وانتهاك الأعراض؟!...
لم يسلم من شركم أحد حتى الزهاد والدراويش والعلماء والكتاب وطلبة العلم، فأخذتم تحصدون رقابهم دون رقيب. وفي نهاية المطاف رأفعتم شأن المجرمين والجلادين وسخرتم على عقول الناس وضحكتم على أذقانهم، ثم أخذتم تعاقبون جنديا مسكينا لأنه سرق موسا وحلق لحيته!...
كنت حائرا، مستغربا من صبر الله! لكنني كنت أعلم مهما أمهلك الله فلن يهملك، و إذا تجاوزت حدك فسيفضح أمرك.
فقد أوحى ربي: " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ " (إبراهيم42)
وكنت أدرك تماما أن أفئدة الثكلى ودموع العجائز وأنين الجرحى وصرخات الأيتام تدك أبواب السماء في الليل وأنتم نيام، ويناجي لسان حالهم قبل لسان مقالهم ربهم:"... رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَ اجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَ اجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا" (النساء75).
كنت أرى تلك الأكف الضارعة التي تشكوا ما لاقت منك إلى ربها. فقد أصبحت الزنازين والسجون معابد ترى فيها المظلومين ليلا ونهارا ركعا وسجدا، يتضرعون بين يدي ربهم لا يسألونه إلا أن يكشف عنهم غمة السلطان الجائر ويسقط هيبة الولاية الكاذبة:
| أتهزأ بالدعاء و تزدريه | | وما تدري ما صنع الدعاء |
| سهام الليل لا تخطئ ولكن | | لها أمد و للأمد انقضاء |
لما اخترقت رصاصة الظلم حنجرة الطالبة "نداء سلطان" وسقطت جثة هامدة على الرصيف ناديت سلطان الكون وبكيت بين يديه قائلا: ألا تسمع نداء الخلق يا من لا يخفى عليه خافية؟! و أخذت أشكو كما شكى عيسى على الصليب "يا رب لماذا تركتنا؟!"، أو لا ترى جنود السواد كيف يصبغون الأخضر بالأحمر؟! أو لا ترى الغاضبين والحاقدين كيف يجعلون الحلوى سما ناقعا. أو لا ترى كيف يحرقون الأمن و يدوسون على كرامة الإنسان. أو لا ترى ذل الإعتراف على وجوه المساجين والكبر والغرور على الأشرار والظالمين. ما أحلمك يا رب! هل بقي مجال للصبر بعد؟!..
وظللت باكيا أشكوا حزني وقلة حيلتي وهواني حتى سمعت ذلك الإعتراف الذي أجبرت له، ولم يطاوعك لسانك فكشف عن بعض خلجات نفسك، فسعدت بتلك الكلمات الثلاثة "هتكت قداسة النظام". فقد نفخت كلماتك هذه في روح الأمل والحياة، و كانت لي كعطر الورد وحديث رياح الشمال.
يا ربي؛ كأن تلك الكلمات لم تكن كلام ذلك الخطيب، وإنما كانت من وحي كلامك أجريت على لسان ذلك الشرير من غير حول منه ولا قوة! وعندها فقط أدركت أنك بدأت تجيب دعوة المضطر بعد أن دعاك، وقد أمرت الريح أن يحمل شرارة النار إلى مزارع أصحاب الذل والهوان. فخررت لك ساجدا، شاكرا أقول:
"حمدا و ثناء عليك أنت يا رب العباد.... فقد أزلت الهموم و الغموم من عبيدك، فقد أحرق الظالم مزارع الناس..... و ها أنت أمرت الريح ليحمل النار إلى مزرعته"
السيد خامنئي
أريد أن أقول لك بأن أوراق دفتر الأيام قد تقلبت، ولم يعد الحظ يرافق نظامك. وقد انكشف سوءته وبان للناس حقيقته. و قد سقطت هيبته وقداسته من سقف التاريخ فسمع دويه الدهر كله. وها هو الله عز وجل قد أعرض عنكم وأزال صفته "الستارية" منكم. فقد انكشفت للعالم كله تلك الجرأة التي ملأت صدوركم في السر وأمرتكم بالتزوير.
فقد فعلت؛ صرخة المكلومين وأه المظلومين وبكاء المستضعفين وأناة اليتامى وأنين الثكلى ودموع من انتهكتم عرضه فعلتها. وأخذت تشعل أحضانكم وتأخذ برقابكم. لا أتجرأ أن أقول بأنه؛ حتى أبواب التوبة قد سدت في وجوهكم! لكنني أدري بأن الشريعة لن تشفع لكم لأن الشرعية قد هربت عنكم.
و اعلم بأن إيران الأخضر لن يكون بعد اليوم ذلك البلد الأسود ولا تلك الأطلال الخربة. فبفضل الله اليوم انتصر بياض هذه الحركة واخضرارها على سواد ظلمكم. وقد استنفر التراب والماء والنار والسحب و الرياح والشمس والقمر والنجوم والكون قواها ليثوروا عليكم متى ما أمرهم الله جل و علا.
فقد طال الزمان! ومرت سنون وأزمان وجندك وأعوانك وأنصارك تحت رعايتك وحماية ولايتك أخذوا ينهشون الأمن كالذئاب الجائعة ويفترسون العدل ويهجمون على الخلق، يطمسون أفواههم و يهتكون أعراضهم، ويخنقونهم ويملأون صدورهم دماء وعيونهم دموعا، يذيقونهم أشد العذاب وأنكى السموم، و يعاملونهم وكأنهم عبيد في أيدي جناة ظلمة وقساة لا قلب لهم ولا يعرفون للرحمة اسما ولا رسما، أضاعوا حقوقهم واتخذوهم رهائن وأسرى حرب، صادروا جميع معاني الحرية فيهم، أضاعوا قداستهم، و سخروا من أفكارهم، حرفوا دينهم رأسا على عقب، وأقاموا مصانع تخرج لهم كل يوم شيئا مقدسا، و أخذوا يتاجرون بالخرافات ويسمونها دينا، جعلوا نهار الناس سوادا وحياتهم ضنكا مريرا، أوغلوا أيادي الخيانية في صناديق الرأي، وداسوا بأقدام الإهانة على كرامتهم، سلموا الجامعات إلى الجهال، وملأوا بيت الأحزان بشتى ألوان الكذب والدجل وسموه وزراة الإعلام والتلفاز والإذاعة. وربوا الناس على العبودية و الحزن. حرموا الرؤية وأحلوا دماء البرية، أقاموا المؤتمرات الزائفة واخدعوا الناس بالأماني الكاذبة و زعموا بأن الجميع يعشقون نظام الولاية و يموتون من أجلها(!). وبيضوا وجه وحشية المغول بما ارتكبوه من ألوان القتل و التعدي والضرب و التعذيب، وهتك الأعراض في السجون و المجازر. لم يحترموا قانونا ولم يراعوا شريعة، ورفعوا ألوية الجهل و التعصب الأعمى، وسيدوا الجهال و أذلوا العلماء.
لم يحترموا صغيرا ولم يوقروا كبيرا. صنعوا "آيات مزخرفة لله" و أخرجوا منها فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وأشنقوا بحبل الرعب النقاد والكتاب، وأخذوا يقطعونهم إربا إربا بسيف الوحشية. وفي كل يوم أثاروا معركة وأشعلوا نارا تحت عنوان محاربة العدو فرموا جماعة في غياهب سجونهم. وكأنهم آلوا على أنفسهم ألا يكونوا أقل من صدام والحجاج...
كل هذا المكر البارد، وهذه السياسات الحمقى، والزهد المزيف، والظلم الصارخ والخفي، والقوة و الجبروت والتزوير الثقيل، وإضاعة الحقوق وقتل البشر، وهذه الأمراض المعفنة تراكمت على بعضها فأشعلت نيران الثورة في ضمائر الشعب و أحرقت قداسة "الولاية"، فلم تكن تلك المظاهرات بعد الانتخابات عرضا "لعضلات الثوار"، ولا "فتنة" ولا "مسجد ضرار" ـ كما كنتم تصفونها يوميا وتختمونها بأختامكم الجاهزة ـ وإنما كانت صورة من صور إنفجار الغيرة في وجه الغارة!
فقد ثارت غيرة الضمائر الحية، والقلوب المستيقظة لآرائها ولانتخابها ولحقوقها المدنية، ولحرية الرأي على قطاع الطريق والقراصنة الذين سلبوهم حقهم ونهبوا آرائهم وداسوا على حريتهم. ثاروا في صمت و احترام وهيبة وجلال. فقد اللصوص عقولهم فثاروا وهاجوا وماجوا لكننا سمعنا صوت الضحكة وقد ملأ السماء، سمع دعائنا، فكشف سوءة الجناة والطغاة. موت الطالبة ترانة موسوي ( ترانة = نشيد) كان نشيدا على موت الديكتاتور.
السيد خامنئي
طالما نصح الحفاظ حكام الجور والظلم بلسان الرمز:
"يا أيها المغرور لا تناطح دعاء المتهجدين... فملك سليمان قد يزيله اسم من أسماء الرب عز وجل"!
فقد ركزت ثورة الخضراء دعائمها في أرض الوطن لتبني إيرانا أخضرا. " كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا... ". وقد أكملت هذه النهضة مفرداتها؛ فلها شهيدها الأخضر، شعرها وشاعرها الأخضر، أدبها و فنها والمتحدث باسمها وشعارها وأهدافها الخضراء. ولم تأت من فراغ، فهي ثمرة جهاد ثقافي، وعرق جبين لمفكريها ومجاهديها في ساحة السياسة والثقافة بلغت من العمر عشرين عاما. كل هذه الجهود الجوفاء التي تبذلونها بسيف الأحكام العرفية وخنجر السلطان على منهج السلطان سنجر والسلطان محمود ستذهب جفاء ولن تكسر شوكة نهضة الشعب بل تقويها. و لن تعود عليكم إلا بالوبار والدمار.
"هذا أسد لا تستطيع أن تقتله... ولا تستطيع أن تأمن غضبه".
كفى ثورة الغيرة على الغارة فخرا أن أزالت الخوف عن الشعب وذهبت بشرعية الولاية، وأيقظت أسد الشجاعة و المقاومة.
لا وحشية العسكر، ولا انتهاك الأعراض من قبل بقايا قوم لوط، ولا حث التراب في عيون الحياء، ولا النفخ في أوداج القوة الزائفة، ولا الاتكال على السبعية الحيوانية، ولا إنسانية الإنسان، ولا مدح المتزلفين و العملاء، ولا قصائد شعراء السلطان كل هذه وتلك لا تستطيع أن تقصم ظهر المقاومة، بل تقويه رغم أنوف أصحابها. فقد أصبحت ديكتاتورية المذهب ملعونا من قبل الكفر والدين. وقد آن للنهضة الخضراء أن تحصدها. هذا ما نسأل الله إياه و الله معنا.
وخير شاهد و أحلى صورة على ذهاب ريحكم و انقلاب حظكم أن؛ أعيادكم صارت أيام عزاء وعويل لكم. ما كان يضحككم بالأمس القريب أصبح يبكيكم اليوم ويهز كيانكم ويدخل فيكم الرعب والوحشة. الجامعة التي طالما ربيتموها على أن تركع أمام أقدامكم أصبحت كابوسا تطير النوم عن أجفانكم. و أصبحت المظاهرات الرسمية والسلمية، والإجتماعات القانونية، ورمضان والمحرم، والحج والبكائيات و العزاء كلها رموزا تلعنكم و تجري على ما لا تشتهيه سفنكم.
نحن جيل السعادة، نحن سنحتفل يوم أن تنهار الديكتاتورية المذهبية. يهفو شعبنا الأخضر إلى مجتمع يسوده الأخلاق على أسس أرفع وأعلى من المذهب.
نحن سنقدر الحرية ونعتز بها. أجل، تلك الحرية التي ضيعتم قدرها وظلمتوها وها أنتم اليوم تحترقون بلذاها. فقد أوحى إليكم آلهة "الفاشيست" والديكتاتورية بأن الحرية تعني عبودية الشهوة والإباحية واللادينية وضياع المسئولية. فلم تدركوا بأنه لا شفاء للأمراض المهلكة التي تخور في جسد نظامكم المتهتر إلا في الحرية المباركة.
تضيعون وقتكم هباء في البحث عن أصحاب الفساد المالي ـ ويا ليتكم كنتم جادين في الأمر ـ فلو تركتم الإعلام حرا لكشف عن الفساد، ولما تجرأ المفسد على تجاوز حدوده. ولو تركتموه ينقدكم لما وقعتم اليوم في ورطة الإستبداد ولما ابتليتم بلعن فرعنة الرأي ولما امتلأتم بالغرور ولما غرتكم شوكة السلطان وقوة العسكر. ولو تركتموه ينقل لكم الصدق من أفواه الناس لما باضت سكر الجهل في رؤوسكم. فالإعلام مدرسة الوطن وليس "معسكر العدو" ـ كما تزعمونـ. وماذا يضيركم أن تظل أبواب المدرسة مفتوحة وتكونوا أنتم تلامذة فيها.
نحن سوف نجل الدين. أما أنتم فقد اتخذتموه سلما للوصول إلى القوة والسلطان، وباسمه ربيتم الناس على العبودية والحزن، ولم تكونوا تدركون بأن الفرح والحرية يلزمان الإيمان الصادق، وأن الفقه يجل الحرية المؤمنة وأن قوة الشريعة المزخرفة تفسد السلطان كما تسيء إلى الشريعة. فالحكومة لابد وأن تعتز بشعب فرح حر، مستيقظ ونشيط، لا بعبيد قتلهم الحزن والبكاء والعويل.
أقول في نفسي: لمن أكتب هذه السطور؟!
ألحكومة ولى دورها وانقلب حظها وانغرق في ظلها، وأصبحت ظامئا في وادي السراب، وقد ضربت خيمتها في أرض الخراب، و قد عميت عيون نجابتها وانكسرت أعمدة صلابتها وسقطت من عيون العامة و الخاصة، وقد شاعت أخبار فضائحها بين الأنام؟
ثم سرعان ما أتذكر قول الخالق سبحانه في الذكر الحكيم:" وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " (الأعراف164).
يا ربي، فإنك تعلم أنني قضيت عمري أحمل هم الدين، وأدرسه للناس. أشهدك على أنني أبرئ إليك من هذا النظام الديكتاتوري المستبد، واستغفرك وأتوب إليك إن كنت قد أعنت ظالما يوما ما.
يا رب العلم والعقل والفضيلة!
إني أسألك بصدق قلوب الصادقين، وبدموع عيون الشيوخ الزاهدين أن تجعل دعاءنا مع دعوات المتهجدين والصائمين والعابدين والصالحين، وأن تسمع لشكاوي المكلومين منا وأن ترحم الصدور التي لذعتها نيران الظلم وعيون المستضعفين الباكية، ولا تصبر أكثر من هذا على حزن هذا الشعب و ضياعه. يا ربنا لا تسلم أحبابك إلى أعدائك وفك أسر العقل والفضيلة من أيدي أصحاب الرذيلة من الجبابرة الطغاة.
يا إلهي سلط جنودك على هؤلاء المجرمين؛ مر ريحك ليقلع خيام الفرعون، ومر نارك لتحرق جذور الطغيان عن بكرة أبيها. مر ماءك ليغرق الفراعنة، ومر أرضك ليخسف بكل قارون على وجه البسيطة...
مر السحب لتمطر رحمة وعدلا وسعادة وشفقة وعطفا على هذا الشعب المظلوم والمحروم. ولتبدل أشواك ذل الظالمين وهوانهم أزهارا للعدل والفضيلة.
" يا ربي فإن المياه والبحار لك، وإن النيران طوع أمرك، فإن أردت؛ أصبحت النار ماء عذبا وزلالا. و إن لم ترد فالماء يصبح نارا".
يا رب قل: ماء طهور، لتصبح نيران العالم كلها نور...