أسامة شحادة – الغد الأردنية 13/11/2009
"السابقون الأولون ومكانتهم لدى المسلمين، الآل والأصحاب أصهار وأحباب" كان عنوان وشعار مؤتمر وزارة الأوقاف الكويتية في الأسبوع الماضي، بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي ومبرة الآل والأصحاب في دولة الكويت.
عقد هذا المؤتمر برعاية أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح وبمشاركة 60 شخصية علمية من مختلف الدول الإسلامية، وقد تنوعت فيه مذاهب المشاركين الإسلامية السنية الفقهية والعقدية، كما شاركت فيه شخصيات شيعية من الكويت والسعودية وإيران.
مما تميز به هذا المؤتمر بحسب تعبير الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي، العالم السوري المعروف، "أنه المؤتمر الأول الذي يملك رؤية حقيقية وعملية تجاه العلاقة بين السنة والشيعة، بخلاف عشرات مؤتمرات التقريب الفاشلة".
ذلك إن المؤتمر ركز على بيان حقيقة دور الجيل الأول ومكانتهم في الإسلام، وأبعاد العلاقة بين الجيل الأول في الإسلام، وقد توزعت أوراق العمل المقدمة للمؤتمر حول هذه المحاور، د. أحمد حسين محمد، أحد رموز شيعة الكويت وعضو المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، والذي اعتذر بالمرض عن حضور جلسات المؤتمر، قدم ورقة بعنوان "ومضات في حب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المنتجبين" قال فيها: "لا ريب أن الأئمة من آل البيت وأتباعهم يوالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أبلوا البلاء الحسن فى نصرة الدين وجاهدوا بأنفسهم وبأموالهم ويحترمونهم،.... وَرَدَ من دعاء الإمام زين العابدين على بن الحسين «وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن فى نصره وكانفوه وأسرعوا إلى قيادته وسابقوا إلى دعوته واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته وفارقوا الأرواح والأولاد فى إظهار كلمته وقاتلوا الآباء فى تثبيت نبوته والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقـوا بعروته وانتفت عنـهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته اللهم تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك".
ولا شك أن الكلام السابق يظهر بطلان وضلال من يروج أن هناك عدواة بين آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
أما د. الزحيلي فقد تناولت ورقته تحديد مفهوم الصحابة وآل البيت، وجاء فيها أن تعريف الصحابي عند جمهور الأصوليين: هو من لقي الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ولازمه زمناً طويلاً. وعند جمهور المحدثين: من لقيه مسلماً ومات على إسلامه، سواء طالت صحبته أم لا. أما تعريف آل البيت عند أئمة المذاهب الأربعة: فهم بنو هاشم وسلالته وهم آل العباس وعلي، وجعفر، وعقيل، والحارث بن عبد المطلب، وبنو المطلب، ويدخل معهم أزواجه وذريته صلى الله عليه وسلم.
وبهذا يتضح أن رؤساء آل البيت هم جزء من الصحابة الكرام، وأن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم هن صميم آل البيت بعكس ما يحاوله بعض المغرضين من نفي كون أمهات المؤمنين رضي الله عنهن من آل البيت، وهذا يخالف صريح القرآن الكريم كما في قوله تعالي:" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا " [ الأحزاب:33].
ومن الأوراق المهمة التي قدمت في المؤتمر ورقة "ضوابط التعامل مع النصوص المتعلقة بالصحابة وآل البيت" قدمها أ.د. أحمد بن سعد الغامدي، أستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، خلص فيها إلى أنه ينبغي مراعاة ضوابط علمية لكل من يريد الوصول إلى الحقيقة في النصوص المنسوبة إلى الصحابة وآل البيت، وهذه الضوابط هي:
1- عدم قبول إلا ما كان له سند واضح من الأقوال والأعمال المنسوبة إلى الصحابة وآل البيت، حتى نستطيع أن نفحصها على ضوء قواعد الجرح والتعديل فإن أجازت الروايةَ قبلناها سنداً وحكمنا بصحة سندها وإن لم تُجِزْها تلك القواعد رددناها ولم نقبلها.
2- لا يقبل من المصادر المسندة إلا تلك المصادر التي كتبت في القرون المفضلة إلى نهاية القرن الثالث الهجري وقد يقبل منها ما كتب في القرن الرابع والخامس الهجري بحذر وأما ما ورد بعد ذلك فهذا فيه خطورة وذلك أن الرواية التي تتجاوز القرون الثلاثة دون تدوين فهي غير محفوظة. ولكن إذا وردت رواية لا تنقض ما وجد قبلها وإنما تقويها وتشهد لها فلا حرج من قبولها، لاستكمال دراستها على ضوء بقية الضوابط وليس اعتمادها.
3- استحضار المعاناة التي عاناها الصحابة في بداية الإسلام، حيث واجهوا الأذى من قومهم بالضرب والاستهزاء والإبعاد ومع ذلك فقد كانوا صابرين محتسبين وما كان لهم أن يثبتوا لولا قوة إيمانهم وحبهم لدينهم، بسبب نشأتهم في مدرسة النبوة وهي أعظم مدرسة في التاريخ البشري، مما استحقوا معه مدح الله عز وجل لهم وثنائه عليهم، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم لهم. ولكن ليست هذه التزكية والرفعة بمخرجتهم عن بشريتهم فهم بشر يصيبون ويخطئون وقد يقع منهم الذنب إلا أنهم لايصرون عليه.
وهذه الضوابط التي ذكرها الدكتور الغامدي لو سار عليها الباحثون في دراسة ما جرى في القرون الأولى من تاريخ الإسلام لسلموا من الوقوع في مزلقي الطعن في الصحابة كحال بعض المستشرقين والفرق الضالة، أو مزلق التعظيم والتقديس لبعض الشخصيات، وخاصة من آل البيت كما تفعل كثير من روايات الشيعة.
وكان موضوع العلاقة الحميمية والراقية بين الصحابة وآل البيت موضوع أكثر من ورقة قدمت للمؤتمر وتناولت هذه الحقيقة البدهية التي يتم التعتيم عليها لدى قطاعات كثيرة من المسلمين بهدف إبقاء العداوات والحزازيات وبث الفرقة والفتنة بين صفوف المسلمين.
وقدم الشيخ أحمد المبلغي من إيران، ومسئول مركز الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ورقة بعنوان "العلاقات الحميمة بين أهل البيت والأصحاب (نهج البلاغة نموذجاً)" ومما جاء فيها قوله: "وجود روابط فعالة وأواصر متينة بينهما كانت مليئة بالتعاون والاحترام المتبادل. ولا شكّ أنّ هذه العلاقة الحميمة تضع أمام المجتمع الإسلاميّ رؤية شفّافة تجاه التاريخ، وتحبط المساعي التي يحاول البعض من خلالها غرس بذور العداوة والبغضاء بين مكوّنات المجتمع الإسلامي المختلفة.... أنّ قيام الإمام بطرح صورة عمّا جرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في أعقاب وفاته في حدّ ذاته، يكشف النقاب عن طبيعة العلاقة الحميمة التي كانت تربطه مع الأصحاب، فلا ينبغي تجاهلها أو التغافل عنها".
وللاسف فإن الشيخ مبلغي بدلاً من قراءته لهذه الورقة الجميلة في المؤتمر، أخذ يطرح قضايا الخلاف والفرقة والتشكيك بالوحدة الإسلامية واللمز بالسابقين الأولين، مما جعل البعض من الحضور يلوم المبلغي على عدم الإلتزام بالورقة، وجرّ المؤتمر لمنحى غير مطلوب.
كما قدمت 3 ورقات في المؤتمر تناولت تجارب الكويت والبحرين ومصر بإنشاء جمعيات مختصة بنشر تراث الآل والصحابة، وبيان عمق الروابط المتينة بينهم وأنهم مجتمعون على عقيدة ومنهج واحد، وهذه الثقافة هي التي يجب أن تسود في مناطق التوتر بين الشيعة والسنة، وركزت التعقيبات على أن الجانب السني قام بواجبه في هذا المجال حتى في العراق كما بين الشيخ أحمد السامرائي، رئيس ديوان الوقف السني، بينما لم يُقدِم الجانب الشيعي عملياً على تبني ونشر هذه الثقافة في الأوساط الشيعية عامة ومناطق التوتر خاصة!!
وكان من أبرز التوصيات التي خرج بها المؤتمر "نشر ثقافة الأمة الواحدة بإبراز علاقة الآل والأصحاب في الوسائل الإعلامية، وبث فضائلهم وأثرهم الكريم في حفظ الإسلام ونشره، والابتعاد عن كل ما يسيء لهم لما فيه من تجاوز لكريم حقهم وما يؤدي إليه من تباغض المسلمين وتفرقهم وضعفهم أمام دول العالم، وتحري الدقة والموضوعية في تناول الأحداث التاريخية، والابتعاد عن ما يثير الفتنة الطائفية التي تورث المسلمين الفرقة والتناحر".