جولة الصحافة\العدد الثامن والسبعون - ذو الحجة 1430 هـ
مشروع أمريكا للاستعانة بالصوفية وهم كبير (ندوة)
الخميس 19 نوفمبر 2009

خديجة الزغيمي – إسلام أون لاين 28/10/2009

 

شهدت الفترة الأخيرة اهتماما كبيرا بالتصوف الإسلامي، ويعود ذلك بشكل كبير لسببين رئيسيين هما: رهان أمريكا والدول الغربية على الورقة الصوفية لمواجهة المد الحركي الإسلامي بتجلياته السياسية والمسلحة، والطلب المتزايد على التصوف باعتباره مطلبا رئيسيا لسد حاجة العالم للتدين خاصة لدى مسلمي الغرب الذين يتوجهون إما للسلفية التي تخلق حالة متصورة نموذجية تسهل محاولة العودة إليها بالقفز على الخصوصيات الثقافية والحضارية، أو إلى الصوفية التي تقدم حالة من المرونة الدينية تجعل من السهل الانتقال من خلالها من تجربة دينية لأخرى.

ولمناقشة الأدوار التي تلعبها الصوفية خاصة في المجال السياسي، استضاف موقع "إسلاميون.نت" في صالونه الثقافي د.عمار علي حسن الباحث والكاتب الصحفي والأديب ومؤلف كتاب «التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر».

بداية، أكد د.عمار أن الربط بين التصوف والسياسة دائما ما يثير الدهشة، وبالتالي كان دائما ما يواجه بالتساؤل: وهل للمتصوفة علاقة أو اهتمام بالسياسة؟ ويجيب د.عمار على هذا السؤال بالقول: إن فصل الدين -أي دين- عن السياسة غير ممكن، وإن النخب العلمانية العربية ضيعت وقتا طويلا في الحديث عن خرافة فصل الدين عن السياسة، فيمكن فصل الدين عن السلطة، ولكن لا يمكن فصله عن السياسة.

كما يرى د.عمار أن هناك فرقا بين الدين والتدين؛ فالتدين هو عندما يتحول الدين لسلوكيات وتصرفات قد تؤدي إلى السمو الأخلاقي والامتلاء الروحي، وقد تتحول أيضا إلى شكل سلبي.

وقد يتمثل التدين في شكل أيديولوجيا كما في حركات الإسلام السياسي، أو يتحول لأساطير كما في حكايات الأولياء لدى المتصوفة، والأئمة لدى الشيعة، والقديسين لدى المسيحية، أو يظهر في شكل فولكلوري كما في الموالد، أو يتحول التدين إلى تجارة، ومظاهر التدين هذه تتماهى مع الثقافات السائدة؛ وبالتالي فإن الإسلام الممارس ليس تدينا واحدا وإن كان دينا واحدا.

الصوفية والطرقية

ويفرق البعض كذلك -كما يقول د.عمار- بين الصوفية والطرقية؛ فالتصوف يأخذ معنى أبعد لدرجة أن البعض يرى أن إيمان المرء لا يكتمل إلا ببعض التصوف، ولكن التصوف تحول أيضا إلى ظاهرة اجتماعية فيما يطلق عليه "الطرقية" التي تتمثل في مصر في 58 طريقة من أربعة فروع رئيسية، وهذه الطرق أنتجت خطابات متعددة ومتنوعة بل ومتناقضة في بعض الأحيان.

وتتبع د.عمار أصول الصوفية التي هي ليست مولودًا أصيلاً للإسلام فقط، ولكنها تأثرت بالفلسفات الشرقية، وباللاهوت المسيحي، ويرى د.عمار أن هناك ثلاثة منابع أنتجت التصوف الإسلامي؛ فهناك تصوف أصيل أنتجه الإسلام، ومن رموزه: الجنيد، وإبراهيم بن أدهم، وأبو سفيان الثوري، الذين كانوا سلفيين بقدر ما هم صوفيون، على الرغم من العداء المستحكم بين السلفية والصوفية.

وهناك تيار رد الفعل على التفاوت الطبقي الكبير في أواخر العهد الأموي وفي العهد العباسي، بالإضافة إلى التيار المتأثر بالفلسفة الإشراقية الفارسية والفلسفات الهندية والصينية.

وهم كبير

ووصف د.عمار المشروع الأمريكي بدعم الصوفية كنموذج للإسلام المستأنس الأليف القابل للتطويع بالوهم الكبير؛ فالدين الإسلامي يقدم رؤية للعالم تتعارض بالضرورة مع أي مشروع استعماري، والتصوف يطرح نفسه باعتباره مشروعا إيمانيا؛ ما يعني ضرورة دعمه للمقاومة، وهكذا فإن الصوفية في لحظة ما قد تتصادم مع الاستعمار، ويذكر د.عمار في هذا الإطار بالمتصوفة الذين كانوا يذكرون بالليل ويرابطون على ثغور المسلمين بالنهار، ومنهم إبراهيم بن أدهم الذي توفي مرابطا، وكذلك المتصوفة الذي قاوموا الاستعمار في وسط وغرب إفريقيا، وأنشئوا على أنقاضه ممالك استمر بعضها أكثر من قرن ونصف.

وبالتالي يخلص د.عمار إلى أن الصوفية ليست تجليا واحدا، ولا يمكن وصفها بالخضوع على طول الخط.. صحيح أن الصوفية في مصر مستأنسة وتتبادل المنافع مع السلطة؛ حيث تنتج خطابا دينيا تستخدمه السلطة لمواجهة الراديكالية والإسلام السياسي مقابل الحماية التي تسبغها السلطة على الصوفية، ولكن ما يسري على صوفية مصر لا يمكن تعميمه على الصوفية ككل التي منها من حافظ على الإسلام من المد الشيوعي، ومنها من يعمل على نشر الإسلام في الغرب الآن.

ويرى د.عمار أن السبب الذي جعل صوفية مصر مختلفة هو اختلاف السياق؛ فلم يفرض على الصوفية في مصر أن تكون هي التجلي الوحيد للإسلام كما حدث في المغرب الإسلامي على سبيل المثال؛ حيث كانت توجد دائما في مصر قوى إسلامية أخرى منوط بها مواجهة الاستعمار ونشر العلوم الإسلامية، كما أن الصوفية في مصر لم تكن مستكينة على الدوام؛ فقد انخرطت الطريقة العزمية في جيش عرابي، وشاركت في ثورة 1919، وأرسلت رجالها للقتال مع الإخوان في فلسطين عام 1948.

الصوفية والشيعة

تقوم الصوفية على أربعة أركان هي: المحبة، والولاية، والزهد، والمعرفة اللدنية، وهذه الأركان قد تأخذ مسارا إيجابيا أو سلبيا؛ فالزهد مثلا كما يقول د.عمار يمكن أن يحول المتصوف إلى شخص خانع أو متمرد.

ويثير مفهوم الولاية تخوفا كبيرا لدى كثيرين؛ لاقترابه من نظرية الإمامة لدى الشيعة وهو ما أدى -بالإضافة إلى المكانة الكبيرة لآل البيت لدى المتصوفة- إلى الخوف من أن تصبح الصوفية جسرا للتشيع، إلا أن د.عمار يرى أن هذه التخوفات ليس لها أساس؛ لأن كل طريقة صوفية لها شيخها وهو ما يختلف عن الإمام الواحد لدى الشيعة، كما أن علاقة الصوفية بآل البيت لا تتعدى محبتهم التي لا يختلف عليها جميع المسلمين، ويسوق عمار في هذا الإطار تجربة صلاح الدين الأيوبي الذي استعان بالصوفية لمقاومة المذهب الشيعي الذي كانت الدولة الفاطمية قد عملت على نشره في مصر.

وتحدث د.عمار عن أن التوقعات بتراجع التصوف خاصة نتيجة لانتشار التعليم الذي يتعارض مع المبالغة في الجانب الأسطوري لدى الصوفية ثبت فشلها؛ حيث تضم الصوفية في مصر الآن مثلا أفرادا ينتمون إلى أرقى قطاعات المجتمع من وزراء سابقين، وأصحاب رتب كبيرة في الشرطة والجيش، ويرجع د.عمار ذلك إلى عدة عوامل منها أنها مفتوحة ومتسامحة ويسهل الانضمام إليها، في حين أن الدخول في الإسلام الحركي مثلا صعب والخروج منه أصعب؛ وبالتالي يتوقع د.عمار استمرار الظاهرة الصوفية بل زيادة انتشارها في المستقبل.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: