مليارديرات الحرس الثوري: نخدم الفقراء والمحرومين!
الوطن العربي 21/10/2009
"الحرس الثوري" كلمتان متلازمتان صارتا تمثلان نقطة تماسك النظام الإيراني ونواته الصلبة التي أزاحت المرشد بقوة من الموقع الأول واستولت ـ دون قناع ـ على منصب رئيس الجمهورية بوصول أحد رجالها "محمود أحمدي نجاد" للمنصب وأحكمت سيطرتها على الخارجية الإيرانية بعاصفة اكتسحت كل "من ليس معنا"، فيما يستيقظ الإيرانيون على دوي استئثارها بأكبر صفقة تجارية في تاريخ إيران، وتحولها إلى كيان اقتصادي ديناصوري يوشك أن يبتلع الاقتصاد الإيراني ليصبح واحدً من أكبر السلطات الشمولية في التاريخ الحديث!
الخبراء بالشأن الإيراني يجمعون على أن مؤسسة الحرس الثوري الإيراني أهم المؤسسات السياسية والعسكرية في إيران على الإطلاق، بعد أن كانت الحوزة تحتل هذا الموقع خلال ولاية الخميني والسنوات الأولى من ولاية خامنئي. وهي تتحكم بالملفات العسكرية الأكثر أهمية في إيران وعلى رأسها الملفان النووي والصاروخي ويمتد دورها ليشمل الاقتصاد والإعلام والثقافة. وفعليا، يسيطر قادة الحرس وضباطه السابقون على مؤسسات اقتصادية وإعلامية وثقافية مهمة لتصبح هذه الخيوط معاً البنية الرئيسة لشبكة نفوذ تبلغ الغاية في الأهمية في إيران.
وقبل أيام أصبح الحرس موضوع نقاشات حامية في إيران بعد أن اشترت مجموعة شركات مرتبطة به 50% + سهم واحد في شركة الاتصالات الحكومية مقابل 7.8 مليار دولار، في عملية الخصخصة الأكبر في تاريخ إيران. ما سبب الجدل أن مجموعتين إيرانيتين تنافستا على شراء الحصة في شركة الاتصالات الإيرانية "تي سي آي" وأن كونسورتيوم "اعتماد مبين" فاز بالصفقة ولأن حجم العملية كان ضخماً، وبما أن شركة "مهر إيران" المالية كانت ملتزمة بعمليات شراء أخرى لم تتمكن من متابعة الصفقة. الواقعة كادت تمر لولا الكشف عن أن الشركة الفائزة مملوكة للحرس الثوري "جزئياً"، ما يعني أنه خرج من الباب وعاد من الشباك!
وحسب مصادر إيرانية فإن عملية الاستيلاء الملتوية أصبحت موضوع تحقيق في إيران وستبلغ "هيئة التفتيش العام الحكومية" نتائج التحقيق إلى البورصة والجهات المعنية بالخصخصة. بينما مصادر من تحالف الشركات التي اشترت أغلبية شركة الاتصالات الحكومية الإيرانية نفت صلة الحرس الثوري بالصفقة ما زاد الأمر غموضا. والتحقيق هنا لا يمكن اختصاره في الأبعاد السياسة المباشرة فعمليات الخصخصة لها ضوابط ومعايير عالمية في مقدمتها الإفصاح والشفافية، ما يعني أن الثقة في الاقتصاد الإيراني على المحك لا النفوذ السياسي للحرس! وبخاصة أن حملة الخصخصة التي تشهدها إيران خلال السنوات الأخيرة أسفرت عن فوز شركات مرتبطة به بعشرات المليارات من الدولارات من خلال عقود حكومية لم تجر عليها مناقصات. وتسيطر الدولة على نحو ثلاثة أرباع الاقتصاد الإيراني وتحتفظ بنسبة 20% في أي عملية خصخصة، غير أنها باشرت في 2006 ـ بمبادرة من المرشد الأعلى علي خامنئي ـ برنامجا لخصخصة 80% من شركات القطاع العام في مجالات النقل والإعلام والمصارف والمناجم.
وقد أصبح الحرس الثوري موضوع اهتمام دولي ـ وبخاصة كقوة اقتصادية ـ في سياق الاتجاه الغربي لفرض عقوبات على إيران، إذ عززت الجهود التي قامت بها المؤسسات البحثية ـ والاستخباراتية ـ الغربية القناعة بأن الحرس الثوري ليس "قوة دفاع" بالمعنى المألوف بل دولة داخل الدولة الإيرانية بكل معنى الكلمة. وهو على الصعيد الاقتصادي يتحكم في كثير من مجرات الأمور الاقتصادية حتى أنه يحكم قبضته على السوق السوداءّ.
والحرس يمتد دوره من المصارف إلى الصناعة التحويلية إلى قطاع النفط، وأدت هذه القناعة إلى الكشف عن المفارقة التالية: "يرتبط الحرس الثوري بكثير من الشركات التي تستثمر في الاقتصاد المحلي فإذا قمت بتخويف المستثمرين الأجانب، فإنك تعمل بذلك على تقوية شوكة الحرس الثوري". وبالتلي فإن الذراع الاقتصادية للحرس الثوري ستتأثر بالعقوبات لكنها في الوقت نفسه ستزيد نفوذه الاقتصادي!
ولم يخل التغول الاقتصادي للحرس من مخاطر جدية، فمن البديهي أن تنامي قوة الحرس الثوري من الناحية الاقتصادية ستكون له حتما مردودات متمثلة في تنامي نفوذه السياسي، وهناك من الخبراء من يجزم أن الانقسامات الحادثة الآن في إيران هي في وجه من وجوهها نتيجة خوف رجال الدين من الحرس.
ولم يكن تأسيس الحرس الثوري الإيراني "الباسدران" في 1979 إلا محاولة لحماية منجزات الثورة. كان حجم الحرس ـ مثل دوره ـ رمزيا ولم يزد على مجموعات صغيرة تمارس حرب العصابات لم يتجاوز حجمها 10، وفي 1981 بدأت عملية تكوين قوات المشاة ليبلغ حجمها 150 فرقة عسكرية العام 1985. وفي العام نفسه أسس قواته الجوية والبحرية الخصة به. وهو يؤسس نفوذه أيضاً على مؤسسة أخرى هي "جهاد البناء" التي كانت الأداة لتطبيق السياسة الاقتصادية للحكومة. وتوسعت مسؤوليات الحرس الثوري في التسعينيات لتشمل الإشراف على البرنامج النووي والصناعات العسكرية المتطورة إلى جانب مشاريع إنتاجية واقتصادية عديدة.
والمسار الذي اتخذته الأحداث هو من فرض هذه التحولات، فبسبب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية ـ في ظل حالة مزرية للجيش الإيراني ـ تضخم بالتدريج دور الحرس العسكري ليجني بعد سكوت المدافع القسم الأكبر من الغنائم السياسة، فازداد حجمه بشكل يفوق التصور "الحد الأقصى المفترض 350 ألفاً والأدنى 120 ألفاً"، فيما تحول ـ بالتزامن مع ذلك ـ إلى هيكلية كاملة للنظام الإيراني تمتد أذرعها إلى جميع مفاصل الدولة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والثقافية.
وشأن مؤسسات إعداد الكوادر في الأنظمة الشمولية تخرج من صفوفه قادة في مختلف المجالات من خارج الحوزة بشكل منظم عن مفاصل الدولة وهو ما بلغ قمته بوصول نجاد لمنصب الرئيس. وخلال ربع قرن تقريبا تغلغل الحرس الثوري في المؤسسات السياسية للدولة ليصبح من نصيبه في وزارة نجاد الأولى 5 زراء وعشرات من أعضاء البرلمان.
ويكفي لبيان درجة تضخم النفوذ الاقتصادي للحرس أن من بين إنجازاته شق عدد كبير من الطرق السريعة والسدود مثل كرخه وكتوند وبناء ميناء بارس للبتروكيمياويات والاستئثار ببعض الوكالات لشركات دولية مثل "مرسيدس بنز"، وفوزه بعقد بقيمة 1.3 مليار دولار لمد أنبوب غاز بطول 900 كيلومتر. وقد حصلت مؤسسة واحدة من مؤسساته على 3 عقود ضخمة مع الحكومة يبلغ قدرها 7 مليارات دولار في مجالي النفط والغاز خلال عام واحد. وكشف الحساب الختامي يبين أن الشركات التابعة للحرس تسيطر على 57% من واردات البلاد و 30% من صادراتها غير النفطية، فيما تجارته غير المشروعة بحوالي 8 مليارات دولار سنوياً، وللحرس مصرف خاص به ويمتلك سيولة أكثر مما يمتلكها المصرف المركزي. وتقدر أرباحه السنوية على الأقل بـ 5 مليارات دولار.
وتمتد شبكة شركات الحرس الثوري خارج إيران حيث تعمل أكثر من 500 شركة من الخليج إلى الشرق الأوسط من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا إضافة إلى إفريقيا وأميركا اللاتينية. وبعضها شركات وهمية تستخدم فقط لخدمة المشاريع العسكرية للحرس، لكن الأخطر امتلاك الحرس الثوري 60 مرسى غير مرخص وخاصا في جنوبي البلاد تعمل دون أي رقابة إلا رقابة الحرس نفسه!.
وإمعاناً في السرية تتم نشاطات الحرس الاقتصادية تحت إشراف شخصي للمرشد على خامنئي ولا يرفع عنها تقارير للحكومة ولا البرلمان والمؤسسات الرقابية، وبالتالي لا يتم إصدار أي تقرير مالي عن نشاطاته الاقتصادية لتبقى ميزانيته سرية. ورغم محاولة النظام الإيراني تأكيد صورته كنظام اقتصاد حر فإن السيطرة الكاسحة للحرس تشكل نفيا قاطعا لهذا التأكيد، فهو فعليا يشكل اتحادات احتكارية في العديد من القطاعات.
ومن الوجوه الخطيرة لتغول الحرس الثوري اقتصادياً أن تمدده يوشك أن يغير التركيبة التاريخية للمجتمع الإيراني ما سيجعله غالباً في تقاطع مع قوة تاريخية هي "البازار". فكما أن ظهور أجيال من رجال الحرس أزاحوا الرموز التاريخية لرجال الحوزة، فإن البازار يوشك هو الأخر أن يفقد موقعه التاريخي كقاطرة للاقتصاد الإيراني، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات اقتصادية/ سياسية محتملة. فصناعة القرار ليست مقصورة فقط على الحكومات، وفي إيران يمثل البازار صانع قرار صامتا لكنه مهم، ولعل الموقف الذي يتخذه هاشمي رفسنجاني، وهو من الرموز الكبيرة للبازار، تكون محاولة أخيرة لإنقاذه وإن بدت انحيازا للإصلاحيين. والبازار كان تاريخياً من أكثر الجماعات تأثيراً في صنع القرار السياسي، وكان دائما ينظر إليه بوصفه القوة الأكبر اجتماعياً بعد المؤسسة الدينية.
وتاريخياً تحالفت المؤسسة الدينية مع البازار ضد التجار الأوروبيين ونتج عن ذلك ما عرف بثورة "التنباك" تلتها الثورة الدستورية العام 1905. وتالياً ظلت العلاقة تزداد قوة فأصبح هذا التحالف ثابتاً والتقت مصالح الطرفين في عهد الشاه. وهو عارض "الثورة البيضاء" للشاه وكانت تهدف لتقليص دوره السياسي وإضعاف تحالفه مع المؤسسة الدينية، وذلك من خلال إنشاء الشركات الكبرى لتحل تدريجيا محل البازار. وكانت المحصلة تحالف البازار والمؤسسة الدينية للإطاحة بالشاه.
ورد الفعل الوحيد للبازار حتى الآن هو تهريب أموالهم ـ جزئياً ـ خارج البلاد وشهد العام 2008 هروب أكثر من 3 مليارات دولار، ومن ناحية الرؤية برز جيل جديد من تجار البازار يرون أن مستقبل البلاد هو في اقتصاد حر مفتوح قائم على علاقات طبيعية مع دول السوق في العالم وبيعداً عن احتكار الدولة والحرس الثوري لتلك العلاقة. وبعضهم يرى ما يحدث الآن إعادة إنتاج لـ "الثورة البيضاء" عبر عسكرة البازار. والبازار لن يكون الضحية الوحية لهذا النهد الشمولي بل فرصة إيران في الاندماج في اقتصاد السوق.
من الخسائر المهمة أيضاً للتحول الكبير في دور الحرس فقدانه الصورة النقية في المجتمع الإيراني فعندما تأسس كان هدفه "مقاومة الاستكبار" لكن رجاله تحولوا من أبناء أسر فقيرة ومحرومة إلى أثرياء يملك عدد من قادتهم ثروات شخصية تتجاوز للفرد الواحد المليار دولار، حسب مصادر إيرانية، فيما رابت الواحد منهم لا يتعدى 200 دولار شهرياً. وفي مواجهة التململ والاتهامات والتساؤلات يعلن قادة الحرس أن سيطرته على الوضع الاقتصادي هو لخدمة الإسلام والمسلمين والفقراء والمحرومين!.