الوطن العربي 30/9/2009
شهدت الفترة الأخيرة إقبالاً صينياً مكثفاً على الاستثمار داخل دول القارة السمراء لدرجة وصفها الخبراء والمحللون بأنها رغبة صينية مؤكدة في السيطرة الاقتصادية على القارة تماماً، كما كانت الإمبراطورية البريطانية تهيمن عليها إبان الحقبة الاستعمارية، وهي نفس الفكرة المسيطرة على فكر حكام وقادة الصين الذين يرغبون في جعل إفريقيا ككل بمثابة دولة تابعة لبكين.
ويطرح هذا التمدد الصيني الكثيف في إفريقيا عدة تساؤلات نحاول في هذا التقرير الإجابة عنها، وهي: ما أسباب وأهداف الاهتمام الصيني بإفريقيا؟، وأي استراتيجيات تتبعها الصين لتحقيق أهدافها بالقارة؟، وما أهم مناطق الانتشار الصيني في إفريقيا؟
انتشار واسع
وتشير التقارير إلى أن الحكومة الصينية عملت خلال الآونة الأخيرة على تكثيف حجم تبادلها التجاري مع إفريقيا ليرتفع من 11 مليار دولار العام 2000 إلى 73 بليون دولار العام 2007، ومع ارتفاع أسعار المواد الأولية قبل الأزمة المالية العالمية الأخيرة في نوفمبر "تشرين الثاني" 2008، أصبحت الصين أكبر مستثمر في إفريقيا وثالث شريك تجاري لها بعد الولايات المتحدة وفرنسا، ففي مطلع العام 2008، كانت هناك 800 شركة حكومية صينية تستثمر في القارة، وأنفقت هذه الشركات 6 بلايين دولار في 900 مشروع خاصة في قطاع المواد الأولية.
ويشير المحللون إلى أن هذا التمدد الصيني المتسارع في إفريقيا يبدو واضحاً لمن يتجول في دول القارة الـ 53، حيث يمكنه مشاهدة العلم الصيني الأحمر في أنحاء كثيرة من القارة، فضلاً عن السفارات المنتشرة هنا وهناك "49 دولة"، كما صارت هناك نخبة صينية جديدة موجودة في عدة دول بالقارة تعتز بعاداتها وتقاليدها سواء من حيث المأكل أو الملبس، بل يكاد يكون هناك بعض المدن قاطنوها من الصينيين فحسب.
ويضيف المحللون: ففي أنجولا على سبيل المثال، والتي تعد أكبر شريك تجاري للصين في القارة، هناك مدينة صينية كبيرة تعرف باسم المدينة الصينية، China town ، وأمثال هذه المدينة منتشرة في العديد من دول القارة، بل وتكاد تكون بعضها مقصورة على الصينيين حيث توجد بوابات خاصة، فضلا عن تقديم الأطعمة الصينية في المطاعم الموجودة بها، وغير مسموح لغير الصينيين الدخول إليها، كما يلاحظ أن الطرق الإفريقية تعج بالسيارات والحافلات الصينية رخيصة السعر، والتي تنقل المواطنين إلى المتاجر الصينية ذات الأسعار الزهيدة، كما أن خطوط السكك الحديدية التي تم إنشاؤها من قبل حكومة بكين تقطع مسافات كبيرة في مختلف أنحاء القارة، فضلاً عن اتصالها بالموانئ على البحار لكي تحمل المواد الأولية إلى بكين، مقابل السلع المحملة من الصين إلى إفريقيا مثل لعب الأطفال.
أسباب عديدة
ويوضح الخبراء أن الاهتمام الصيني بإفريقيا لا يعد وليد السنوات الأخيرة، وإنما يرجع لحقبة الخمسينيات من القرن الماضي، وتحديداً مع بداية تدشين كتلة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونج العام 1956، وكان الاهتمام الصيني بإفريقيا في ذلك الوقت يرجع لاعتبار أساسي "سياسي" يتعلق بتأمين حصول بكين على تأييد الدول الإفريقية للاعتراف بها في مواجهة حكومة فرموزا "تايوان" واعتبار حكومة الصين الممثل الشرعي الوحيد للشعب.
ومنذ هذا الوقت تبلورت عدة اعتبارات حاكمة للتوجه الصيني صوب إفريقيا بعضها اقتصادي، والآخر سياسي، فضلا عن الاعتبارات السكانية والثقافية. وفيما يخص الاعتبارات الاقتصادية، فهي عديدة ويلخصها الخبراء فيما يلي:
أولاً: الرغبة الصينية في الحصول على البترول والموارد الطبيعية الأخرى من إفريقيا خاصة الخشب والأقطان التي تستخدم في صناعة المنسوجات، لاسيما وأن الثورة الصناعية الكبيرة التي شهدتها الصين جعلتها ـ رغم إنتاجها للبترول ـ دولة مستوردة له منذ العام 1993، وبحلول العام 2004 أصبحت الصين ثاني أكبر مستهلك للبترول بعد الولايات المتحدة، ويتوقع أن يزداد هذا الاستهلاك سنوياً بمقدار 10%. ومعنى هذا أن بكين إذا كانت تستورد ثلث احتياجاتها من البترول والغاز الآن، فإن هذه النسبة ستصل إلى 60% بحلول العام 2010.
ونظراً لأن البترول الآسيوي لا يفي باحتياجاتها، كما أن بترول الشرق الأوسط تستحوذ عليه الولايات المتحدة والدول الأوربية؛ فإن الصين تبحث عن مصادر أخرى، ووجدت ضالتها المنشودة في البترول الإفريقي، فهي تحصل الآن على 25% من احتياجاتها النفطية من القارة، وهناك سبع دول إفريقية تمد بكين بهذه النسبة، وهي الجزائر، والسودان، وتشاد، والجابون، وغينيا الاستوائية، وأنجولا، ونيجيريا، كما أنها تستورد 70% من احتياجاتها الخشبية من الغابات الإفريقية، فضلا عن استيرادها كميات كبيرة من الحديد والبلوتينيوم من زيمبابوي وجنوب أفريقيا.
ثانياً: كبر حجم السوق الإفريقية لتسويق المنتجات الصينية، إذ يبلغ حجم هذه السوق 900 مليون نسمة، ومن ثم صارت الصين الشريك التجاري الثالث لإفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا بالرغم من أن حجم التجارة الصينية مع إفريقيا لا يزال محدوداً، إذ لا يشكل سوى 1% من إجمالي حجم التجارة الخارجية للصين. لكن يرى الخبراء أن هذا التبادل يشهد تحسناً من عام لآخر، فوفقا لبيانات وزارة التجارة الصينية، ارتفع حجم التجارة من 40 مليار دولار في العام 2005 إلى 106.8 مليار دولار في العام 2008، بزيادة بلغت أكثر من 250%، في حين كان المعدل مليار دولار فقط في العام 1999. وبعبارة أخرى، فقد زاد حجم التبادل التجاري الصيني مع إفريقيا بأكثر من 50 ضعفاً خلال تسع سنوات فقط "1999 ـ 2008".
استراتيجية هادفة
ويوضح المحللون أنه لكي تعمل الصين على تحقيق أهدافها الاقتصادية في إفريقيا، عملت من خلال استراتيجية شاملة تتضمن مجموعة من الآليات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، أبرزها ما يلي:
أولاً: توطيد العلاقات مع كل من النظم الحاكمة بغض النظر عن موقفها من الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك الشعوب الإفريقية في آن واحد، وهي بهذا تتباين عن الولايات المتحدة التي تهتم بالأساس بتقديم المعونة للنظم الديمقراطية فحسب، بل إن بكين تلعب على ورقة الخلافات الإفريقية مع الغرب من أجل الفوز بمزيد من الصفقات التجارية خاصة في مجال النفط والموارد الطبيعية.
والأمثلة على ذلك عديدة؛ فمع انسحاب الشركات الأميركية من السودان بسبب العقوبات الأميركية على نظام الإنقاذ الإسلامي العام 1997، استغلت الصين هذا الفراغ، وقامت بالدخول بقوة إلى السوق السوداني الذي يمدها الآن بـ 7% من احتياجاتها النفطية. وتم ذلك عبر مجموعة من الآليات منها: تحسين البنية التحتية السودانية وإنشاء خط أنابيب بترول في البلاد العام 1999 بتكلفة قدرت بـ 3 مليارات دولار، وكانت النتيجة امتلاك شركة البترول الصينية الوطنية "تابعة للحكومة" 40% من أسهم شركة النيل الكبرى السودانية التي تسيطر على حقول البلاد النفطية.
ومقابل شراء الصين نصف النفط السوداني، قامت ببيع السلاح للخرطوم بسبب الحظر الدولي المفروض عليها، وزودت بكين الحكومة السودانية بالعربات المدرعة والطائرات وملايين الرصاصات والقنابل اليدوية. وقد بلغ حجم هذه المبيعات مليار دولار، كما قامت الشركات الصينية بمساعدة نظيرتها السودانية في بناء ثلاثة مصانع للأسلحة بالقرب من الخرطوم.
وفي أنجولا، التي تعد أكبر شريك للصين، استغلت بكين رفض صندوق النقد الدولي تقديم قرض لحكومة لواندا بسبب اتهامها بالفساد؛ فقامت بكين في العام 2004 بتقديم قرض مقداره بليوني دولار مقابل الحصول على 10 آلاف برميل بترول يومياً.
ووفقا للاتفاقية الموقعة بين البلدين، فإن القرض سيتم استخدامه في أعمال البنية التحتية، و70 % من قيمته سيذهب للشركات الصينية العاملة في هذا المجال مقابل 30% للشركات الوطنية. وفي نيجيريا، التي تعد أحد أكبر منتجي البترول في القارة، قامت شركة بترول الصين بتوقيع اتفاق بقيمة 800 مليون دولار مع شركة البترول النيجيرية الوطنية مقابل الحصول على 300 ألف برميل يومياً لمدة عام.
وفي العام 2006، وعندما فشلت شركة الصين الوطنية للتنقيب عن البترول في المناطق البرية في الحصول على حصة شركة أميركية، قامت بشراء حصة مقدارها 45% من شركة نيجيريا للاستثمارات البترولية البرية بمقدار 2.7 مليار دولار، كما وعدت بزيادة الاستثمارات الإضافية بمقدار 2.25 بليون دولار.
وبالنسبة للجابون، فإن تراجع صناعة النفط في البلاد قوبل باستثمارات ضخمة من قبل شركة البتروكيماويات الصينية التي تخطط لاستثمارات ضخمة برية وبحرية في البلاد.
ثانياً، تنويع المشاريع الاقتصادية في كافة المجالات وعدم اقتصارها على النفط فقط، وخاصة تلك المجالات التي تعني المواطن الإفريقي بشكل مباشر مثل البنية التحتية، طرق وكباري وأنابيب مياه وجسور ومصانع، في حين أن الولايات المتحدة على سبيل المثال تحصر اهتمامها في المجال النفطي.
ولذا فإن هناك بعض المحللين الذين يطالبون واشنطن بضرورة الاهتمام بمجال الزراعة جنبا إلى جنب مع المجال النفطي، لأن هذا المجال سيكون أكثر فائدة للأفارقة، فضلا عن الاستثمار طويل الأجل في مجال البنية التحتية.
ثالثاً: الجودة العالية والتكلفة الأقل بالنسبة للمشروعات التي تنفذها الشركات الصينية وخاصة الشركات العاملة في مجال البنية التحتية في إفريقيا، حيث تقوم بتنفيذ المشروعات المنوطة بها بجودة عالية وبتكلفة تقل كثيراً عن مثيلتها الأوروبية.
رابعاً: تقديم تسهيلات تجارية للدول الإفريقية في عملية التبادل التجاري، خاصة فيما يتعلق بصادرات هذه الدول إلى بكين، حيث رفعت عدد السلع المعفاة من الجمارك خلال الفترة من 2006 ـ 2009 من 190 سلعة إلى 440 سلعة دون شروط، في حين أن الولايات المتحدة تضع شروطاً للتبادل التجاري مع إفريقيا غالباً ما ترتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك بعض الشروط الاقتصادية الأخرى مثل تنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي والقيام بعملية الخصخصة الاقتصادية.
خامساً: الاهتمام بالمشروعات ذات التأثير المباشر في الشعوب الإفريقية بحيث لا يكون التواصل على مستوى القيادات السياسية فحسب، وحتى لا ينظر إلى الصين أو الشركات الصينية في هذه الدول على أنها شركات استعمارية، ولذا لا غرابة في أن تقوم الصين ببناء بعض المستشفيات وتقديم الأمصال لبعض الأوبئة المنتشرة في القارة مثل الملاريا، وإرسال الأطباء الأكفاء إلى هذه الدول، وبناء بعض ملاعب كرة القدم بالمجان.
سادساً: المنتدى الصيني، الإفريقي في العام 2000، والذي يعد منبراً للساسة ورجال الأعمال من الجانبين لبحث العديد من القضايا السياسية والاقتصادية محل الاهتمام المشترك، وتعقد اجتماعات المنتدى على المستوى الوزاري كل عامين، وعلى مستوى القمة كل ثلاث سنوات بالتناوب بين الصين وإحدى الدول الإفريقية. وقد استضافت بكين الاجتماع الأول العام 2000 والثالث العام 2006، في حين استضافت إثيوبيا الاجتماع الثاني، ويتوقع أن تستضيف مصر الاجتماع الرابع في نوفمبر "تشرين الثاني" 2009.
مناطق الانتشار
ويؤكد الخبراء أن الصين تمكنت من التمدد والتواجد في مربع مهم ممتد في القارة الإفريقية؛ مشيرين إلى أنها تحكم سيطرتها الآن على منطقة مربعة واسعة تمتد من نيجيريا شمالا، إلى غينيا الاستوائية والجابون وأنجولا غرباً ثم السودان وتشاد شرقاً، فزامبيا ثم زيمبابوي وموزمبيق جنوباً؛ وهو ما دفع القيادة الرسمية في الصين إلى التخطيط لكي تكون بكين أقوى قوة في هذه المنطقة لمدة طويلة.
ويلاحظ أن هذه المنطقة المربعة تضم الدول الغنية بالموارد الطبيعية من ناحية "نيجيريا، غينيا، وأنجولا، والسودان وزيمبابوي"، كما تضم الدول الغنية بالموارد الطبيعية الأخرى التي تحتاج إليها الصين مثل البلوتونيوم "جنوب إفريقيا"، علاوة على أنها تضم بعض الدول التي تعاني من اضطهاد غربي أميركي مثل زيمبابوي والسودان.
ولذلك فلا غرابة في أن نجد الدول التي تقع في نطاق هذا المربع تحتل الصدارة الأولى في حجم التبادل التجاري مع بكين، حيث تأتي أنجولا في المرتبة الأولى كأكبر شريك تجاري بمقدار 1.334.682 مليار دولار، تليها جنوب إفريقيا 863.664 مليون دولار، فالسودان 438.543 مليون دولار، فنيجيريا 316 مليون دولار.