عبادة الأنثى
أسامة الغزولي
روز اليوسف ـ العدد 4068 ـ (27/5) ـ (2/6)/ 2006 بتصرف
"يطرح هذه المقال وجهة نظر حول قضايا المرأة والحركة النسوية في العالم وتأثر مصر بها.. وقد نختلف مع الكاتب في بعض آرائه ونتفق مع البعض الآخر، إلا أننا ننشر المقال نظرا لأهمية القضية التي يطرحها وما يحتويه من معلومات وأفكار جديرة بالنقاش.. كما أننا نفتح الباب للحوار حول المقال لكافة الأطراف"
هل هناك علاقة بين الحركة النسوية العالمية Feminism وبين ظاهرة آكلي لحوم البشر وغيرها من الظواهر المرضية التي تنتشر في أوروبا وتهدد بالانتقال إلى بقية أنحاء العالم؟ لقد عرفنا حركة تحرير المرأة في مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر عندما قدمها لنا الشيخ محمد عبده وقاسم أمين اللذان وضعا ـ معا ـ دستور النهضة النسوية التي انتصرت بانتصار الحركة الوطنية في 1919 وتعالت معدلات صعودها بتأسيس جمهورية يوليو.
لماذا لم نرتجف رعبا عندما قرأنا ما كتبه دعاة تحرير المرأة من الرجال والنساء؟
هناك من اعترض على تحرير المرأة وعلى مجرد خروج المرأة من بيتها ناهيك عن توليها مناصب وزارية لكن لم يقل أحد أن هذه الأمور ترتبط بظواهر مرضية مخيفة مثل أكل لحوم البشر وتقديم الأضحيات البشرية والشذوذ الجنسي زيادة العنف الأسرى وتشرد الأطفال وسعار الاستهلاك وفقدان الحياة الإنسانية لقيمها العليا؟
فما هو الجديد؟ ما الذي يدفعنا الآن لدق أجراس الخطر وللربط بين ظواهر لا يبدو أن بينها أي نوع من الارتباط؟
عقيدة عبادة الأنثى
لقد عرض قبل أيام، في مهرجان كان، فيلم مأخوذ عن رواية "دان براون" الشهيرة "شيفرة دافنشي" ليشاهده ـ عندما ينتقل إلى دور العرض السينمائي التجاري وإلى الفضائيات المخصصة لعرض الأفلام ـ مئات الملايين من البشر.
وإن كنت أعتبر أن الفيلم والرواية التي أخذ عنها أحدث حلقة سلسلة دعائية في الحرب المطولة ضد المجتمع الذكوري فإن هذا الفيلم لم يكن الأكثر تمثيلا للثقافة النسائية في مهرجان كان.
فبناء على الرسالة التي وصلت إلى جريدة القبس الكويتية من مراسلها في كان الصحفي والأديب والصديق صلاح هاشم فإن فيلم "العودة" للمخرج الإسباني بدرو المودفار (اسم إسباني أصله العربي هو المظفر) كان أروع أفلام الدعاية الأنثوية في هذه الاحتفالية السينمائية العالمية.
أن الرواية الحقيقية للمرأة قد تخرج من إسبانيا التي حكمها العرب ثمانية قرون لأن الحضارة العربية ـ الإسلامية تركت تحت تراب إسبانيا وفي عروق أبنائها وبناتها الموروث الأقدر على تحرير المرأة وهو موروث يختلف عن التصورات الوثنية التي تقوم عليها عقيدة الأنثى المقدسة في رواية "شيفرة دافنشي" والتي هي تهديد لا للمسيحية ولكن للحضارة الإنسانية، باعتبار أن المجتمع الذكوري هو الحضارة الإنسانية.
وقد وزعت الرواية، حتى الآن، عشرات الملايين من النسخ فاعتبرت مجلة تايم أن مؤلفها واحد من مائة مؤلف ومفكر وداعية هم الأكثر تأثيرا في الحضارة البشرية، لأن روايته التي انتشرت هذا الانتشار الواسع هي، في حقيقتها، إنجيل عقيدة دينية هي عبادة الأنثى.
وتروج الرواية لعقيدة عبادة الأنثى ونجمتها الخماسية ورمزها السري المركزي الذي هو الزهرة. ويأتي ظهور هذه الرواية وانتشارها بعد أن بلغت الحركة النسوية Feminism مبلغا كبيراً على أرض التطبيق العملي وبعد أن بدأ انحسارها مع ظهور سلبيات التطبيق والدعوة إلى مراجعة مبادئها وكبح جماحها فجاءت هذه الرواية ـ وروايات أخرى وأفلام سينمائية ـ تحاول أن تعطي دفعة قوية للنسوية بأن تضفي عليها الصبغة الدينية.
تدور الرواية حول لغز الكأس المقدسة الذي يعالجه الفنانون والشعراء في العالم المسيحي منذ قرون: هل الكأس المقدسة هي تلك الكأس التي شرب منها المسيح في العشاء الأخير؟ أم هي امرأة مقدسة حملت سر المسيح ونقلته إلى الأجيال التالية؟
الإجابة عن هذا السؤال موجودة ـ في العالم الخيالي الذي نسجته الرواية ـ في وثائق تخفيها جماعة سرية اسمها "رواد صهيون" نشأت في القرن الحادي عشر بهدف المحافظة على الوثائق التي تحدد ماهية الكأس المقدسة.
تولى قيادة هذه الجمعية رجال عظماء كان منهم ليوناردو دافينشى واسحق نيوتن وفيكتور هوجو وهؤلاء جميعا من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بعقيدة عبادة الأنثى.
وأحب هنا أن أشير إلى أمرين يتعلقان بالتفاحة والزهرة وكلاهما من رموز عقيدة الأنثى المقدسة أولهما أن قصة غريبة ترددها البشرية، جيلا بعد جيل، تقول لنا أن اسحق نيوتن اكتشف قانون الجاذبية عندما سقطت فوق رأسه تفاحة.
التفاحة التي فتحت لنا طريق المعرفة باكتشاف أهم قوانين الحياة، قانون الجاذبية، هي أقدم رمز ارتبط بأمنا الأولى حواء وعندما قدمت حواء التفاحة لآدم فتحت له الطريق إلى المعرفة. وتقول التوراة: وعرف آدم حواء والمعرفة هنا تتحقق بالجنس وهذا طقس من الطقوس التي تحافظ عليها عقيدة عبادة الأنثى، فالمعرفة السامية لا تتحقق إلا بممارسة الجنس وفي بعض الجماعات الوثنية القديمة والمعاصرة فإن المعرفة بالحق والوصول إلى النور لا يتحققان إلا بالخطيئة وليس فقط بالجنس، بل بأسفل أنواع الجنس.
والمسألة الثانية التي أحب أن أشير إليها هي أن فيكتور هوجو عندما قابل جمال الدين الأفغاني سأله: ما أكمل ما في الوجود؟ فرد الأفغاني قائلا: الزهرة.
وقد كان الأفغاني عضوا في المحفل الماسوني الاسكتلندي، معقل عبادة الأنثى، وعندما قال إنه ترك الماسونية فأنا استقبل هذا القول بالشك.
لكني أضيف أن صمويل هنتجتون يرفض نموذج جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لأنهما يأخذان من الحضارة الغربية ما يناسب الشرق ويرفضان ما لا يناسبنا.
نعود إلى الرواية لنجد أنها تروي مأساة آخر رئيس (افتراضي) لجمعية رواد صهيون السرية الذي كان أحد مديري متحف اللوفر وكيف أن عضو جمعية كاثوليكية متشددة اسمها أوبوس دي (عمل الرب) قتله وقتل ثلاثة آخرين كانوا يحرسون سر الكأس المقدسة بعد أن أبلغه الأربعة بمكان الكأس. لماذا قتلهم؟
الكأس المقدسة
لأنه بذلك يصبح المالك الوحيد للسر فإذا وضع يده على الكأس المقدسة أمكنه أن يبيع الوثائق كما تزعم الرواية للفاتيكان الذي لا يريد لأحد أن يطلع على سر الكأس المقدسة.
والسر هو أن الكأس هي امرأة تزوجها المسيح وحملت منه والفاتيكان لا يريد لأحد أن يعلم ذلك، كما تزعم الرواية، لأن الكاثوليكية عقيدة قامت على احتقار المرأة وعلى اضطهادها ولو عرف المسيحيون أن المسيح تزوج وأنجب فإن احتقارهم للمرأة سيضعف الكنيسة التي هي، في هذه الرواية، مؤسسة ذكورية تنطوي على رموز وممارسات وثنية، وتحرير البشرية من هذا كله يتحقق بالتخلص من هذه المؤسسة الذكورية المتجبرة.
وتتعامل الرواية مع سلالة المسيح المزعومة باعتبارها سلالة ملكية فالمسيح، كما جاء في الإنجيل، هو ملك اليهود وهو من سلالة داود الملكية. والأسرة الملكية التي تقول الرواية أنها من سلالته وأنها تعيش لليوم هي سلالة مسيحية يهودية وهذا ينسجم مع تصور مسيحيي أمريكا لأنفسهم.
وهنا حقيقتان مهمتان: أولاهما أن الرواية تنطوي على نزعة ملكية تلمح إلى الحركة الرجعية العالمية التي أصبح مركزها في واشنطن والتي تسعى لهدم الميراث الديمقراطي للثورة الفرنسية بما في ذلك سيادة القانون بدليل الاعتقال بدون قرينة وبدون حقوق قانونية للمعتقل كما يحدث لسجناء جوانتانامو وأبو غريب. كما تسعى للتمييز العنصري بين البشر بدعوى صراع الحضارات وأفضلية الجنس الأبيض. لكن أهم ملامح الانقلاب على تراث الثورة الفرنسية تتجلى في التراجع عن فكرة دولة المواطنين واستبدالها بفكرة دولة دافعي الضرائب التي حولت الوطن إلى سوق كبيرة ونسفت فكرة المواطن وحرمته من أي حق لا يملك أن يدفع ثمنه بالأسعار العالمية.
والحقيقة الثانية أن أجواء الرواية والكلام عن سلالة ملكية للمسيح تنسجم مع الخلط الواضح بين الدين والسياسة في الغرب والشرق وهو ما قد يمهد لعودة فكرة الحكم بالحق الإلهي وأفكار المسيحية ـ اليهودية السائدة في أمريكا وتصوراتهم لمستقبل الأرض المقدسة (فلسطين) ليست بعيدة عن ذلك.
إن حركة الانقلاب على الثورة الفرنسية حركة قوية وقد اعترف الأفاق العبقري سلفادور دالي في مذكراته بأنه ينتمي إليها ويجب أن ننظر إلى أي هجوم على فكرة الدولة الوطنية Nation State وفلسفتها العلمانية باعتباره جزءا من الارتداد عن موروث الثورة الفرنسية.
ولهذا فإن أول مشهد يظهر فيه بطل الرواية دان براون في أحد فنادق باريس (مدينة النور ومعقل الحرية) هو في غرفة نوم أثاثها من طراز لويس السادس عشر الذي أعدمته الثورة، والذي يسميه دعاة الملكية "الملك القديس".
لكن الاهتمام الرئيسي للرواية يبقى تمجيد المرأة ورمزها التاريخي مريم المجدلية التي تزعم الرواية أنها لم تكن مجرد عاهرة دعا المسيح للعفو عنها، بل كانت زوجته المطهرة التي حملت في أحشائها "سر المسيحية" مجسدا في سلالة المسيح، وبالتالي كانت الكأس أو القنينة التي استقر فيها السر المقدس.
فهل سر عقيدة كبرى يتجسد في سلالة؟ أم في أرواح وعقول شجاعة تتوارث الدفاع عن الحكمة والرحمة نقلا عن عيسى المسيح أو عن أخيه ومكمل رسالته محمد صلى الله عليه وسلم.
لا تهتم الرواية بالمسيحية بقدر ما تهتم بالأنثى المقدسة ويكون ذلك بالأسلوب القصصي المشوق الأخاذ الذي لن تجده عند أعظم وأرقى المدافعات عن Feminism من طبقة بيتي فريدان أو سيلفيا آن هيوليت أو حتى جيرمين جرير في مرحلة النضج. والعقيدة الأنثوية كما ازدهرت في أوروبا وأمريكا ليست كما زعمت هؤلاء الكاتبات المناضلات من أجل فكرة عقيمة. ليست هذه العقيدة مجرد رفض لظلم يقال أنه لحق بالمرأة عندما انتزع منها سلطانها مع ظهور المجتمع الأبوي فأصبح من الضروري إنشاء نظام اجتماعي جديد بمؤسسات جديدة وتقسيم جديد للعمل وللامتيازات على أساس المساواة الكاملة بين النوعين.
العقيدة الأنثوية في الغرب الصناعي هي في الأصل، نفور من القسوة الذكرية، كما تجسدت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، هاتان الملحمتان المرعبتان نقلتا عبادة الأنثى من الكهوف السرية للجماعات الوثنية إلى حركة علنية على الساحات الاجتماعية.
وفي فترة الحرب الثانية خرجت النساء إلى العمل واخترن المواقع التي أخلاها الرجال الذين ذهبوا إلى ميادين القتال. في الوقت نفسه فإن الحركتين الشيوعية والنازية جيشتا المجتمعات واعتبرتا أن الإنسانية منخرطة، برجالها ونسائها في معركة إنتاج السلع والخدمات. ولم تشأ الرأسمالية أن تتخلف عنهما بحجب حق العمل عن النساء، نصف قوة العمل في أي بلد.
لكن الشيوعية والفاشية بتوجهاتهما المادية والنفعية مهدا لشيء آخر بالغ الخطورة حيث تجرآ على العقائد الدينية والروحية ومهدا بذلك لإيقاظ النزعات الوثنية عند الأوروبيين وهي قوية في كل أنحاء أوروبا، وإن كانت أقل قوة في المناطق الأرثوذكسية في الشرق، خاصة في روسيا وفي جنوب أوروبا الكاثوليكي والأرثوذكسي، على السواء
وقد لاحظت بعد حياة طويلة في الغرب أن أوروبا الغربية والشمالية والوسطى ليست مسيحية الروح، إنها مسيحية في الظاهر وثنية في الباطن. انتبهت إلى ذلك عندما عشت أكثر من عشر سنوات في لندن وكنت ألاحظ أن الاحتفال بالكريسماس ليس احتفالا بمولد المسيح (له المجد) بل إن أسلوب البريطانيين في الاحتفال به يجعله أقرب إلى الاحتفال بقيامة أوزوريس أو أدونيس. إنه احتفال يمتزج فيه العنف البدني باللذات الحسية الطبيعية والشاذة.
وفي ميدان بيكاديللي حيث ينتصب تمثال إيروس، إله الرغبة الجنسية عند الإغريق، وفي ميدان الطرف الأغر حيث يعلو رمز آخر للجنس يجتمع في الكريسماس وفي ليلة رأس السنة رجال ونساء من كل الجنسيات ليقضوا الليالي التي يفترض أنها مقدسة في ممارسات غير مقدسة.
هذا العنف الوثني الاحتفالي المبتهج باللذات الحيوانية وثيق الصلة بالعنف الوثني الحربي الذي تجلى في الحربين العالميتين وفي معسكرات الاعتقال وحملات الإبادة العرقية الألمانية التي راح ضحيتها البولنديون والسوفييت واليهود والغجر والشواذ والشيوعيون.
الأمير الضفدع
والذكر في الوعي الغربي هو مركز كل هذا الدمار ويعالج كتاب تحويل الرجال Transforming Men الذي ألفه جيف دينش الأصل الأسطوري لرؤية الغرب للذكر المتوحش وكيفية ترويضه وتحويله إلى كائن اجتماعي راق، من خلال الزواج.
الكتاب كله مخصص لتحليل حكاية صغيرة عن الأمير الضفدع الذي يعيش في الغابة وتلتقطه أميرة جميلة رقيقة طيبة وتمنحه حبها وتأخذه إلى قصرها رغم اعتراض الأب، وعندما يقبل الضفدع حبها وأخلاقها يتحول إلى إنسان، إلى أمير جميل.
الضفدع هو الذكر الخشن قبل أن يهذبه الزواج والغابة هي حياة العزوبية واللامسئولية والقصر هو بيت الزوجية، حيث تنشأ الحياة الاجتماعية وتزدهر الأخلاق.
وقد أشار دينش إلى أن ربط البشاعة بالذكر والرقة الحكيمة بالأنثى أمر تكرر في أعمال كثيرة مثل، "أحدب نوتردام" تأليف فيكتور هوجو و "الجميلة والوحش" وكذلك "شبح الأوبرا".
لكن انفجار القسوة الكونية في الحربين العالميتين مثل مناسبة ملائمة لعابدى الأنثى وكهنتها الأقوياء ليربطوا هذا بالذكورة وليس بوحشية الصراع الرأسمالي الإمبريالي على المستعمرات.
وكان الهجوم على الذكورة مركز حركة أوسع اسمها "ما بعد الحداثة". ماذا تفهم من هذا الاسم؟ يقول لنا الفنان الناقد عادل السيوى في مجلده "عين ـ فنون تشكيلية": في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، ومع حساب الخسائر والضحايا وتذكر حجم المجازر التي ارتكبها الإنسان التكنولوجي الحديث تلقت روح التطور وفكرة التقدم ضربات موجعة، ولم يعد الحديث عن صياغة تصور جديد وطليعي للعالم والإنسان أمرا يثير الحماس.
هذا هو تعريف عادل السيوى لما بعد الحداثة أو تصويره للسياق التاريخي الذي حاط بها، باعتبارها ردة عن قيم وأساليب العالم المعاصر وعودة إلى روح عصر النهضة الوثني الذي يمجد الجسد ويكرس عبادة جديدة هي عبادة الفن.
لكن عبد الوهاب المسيري ينظر إلى ما بعد الحداثة لا باعتبارها ارتدادا عن العالم المعاصر إلى قيم النهضة الوثنية في أوروبا، فقط، بل باعتبارها هدما للنظام الحضاري بأكمله لتنكمش الحدود ويغيب المركز بعد أن يضعف، كما جاء في كتابه: "اليد الخفية، دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية".
ويبدو من قراءة هذا الكتاب أن يهود المارانو الذين أجبروا على اعتناق المسيحية بعد سقوط الحضارة العربية المتسامحة في الأندلس لهم دور كبير في نشر هذه الأفكار الهدامة.
فهذه الطائفة كانت لها قيادات روحية نسائية بسبب ظروف التخفي التي فرضها عليهم المجتمع المسيحي، و يهود المارانو كانت حركتهم حرة وغير مقيدة، الأمر الذي جعلهم أقدر على تبني الأفكار والمعتقدات السرية التي فعلت فعلها في تغيير الحياة في العالمين المسيحي والإسلامي.
لكن النظر إلى التوجه العام للحضارة الرأسمالية الاستهلاكية يكشف عن أن عبادة اللذة أصبحت هي المبدأ الحاكم وهو ما ندركه بالنظر إلى المجتمع الاستهلاكي في عمومياته ودون حاجة للبحث في التفاصيل المحركة لهذه القوى السرية والخفية.
وقد أصبح الإنسان سلعة ضمن السلع وبشكل لم نعرفه في زمن الرقيق. عندما كانت لحياة العبد حرمة الحياة البشرية.
تيار ما بعد الحداثة الذي يهدم القيم لا يضرب سلطة المجتمع الذكوري وحده، بل يضرب السلطة المركزية للأخلاق أيضا.
وهكذا فالجسد البشري الذي يبيعه تجار الأزياء وأباطرة الإعلان وعمالقة تجارة الجنس ولصوص الأعضاء البشرية من قرنية العين إلى الكلى التي تباع كقطع غيار، هذا الجسد البشري لم تعد له حرمة.
فهو يعرض في الفاترينات في بعض بلدان أوروبا ويباع سرا أو علنا في كل عواصم العالم لممارسة الجنس الحرام أو يقطع وتباع أجزاؤه كقطع غيار.
وتعد ممارسة الجنس مع جثث الموتى شكلا من أبشع أشكال العبث بالجسم البشري. وتعرف باسم Neoropheleia ولها نواد في أوروبا الشرقية والغربية ولها مطبوعاتها التي تدل الراغبين على أماكن تواجد جثث لا تزال بها بقية من سخونة الحياة لممارسة الرذيلة مع الأموات نظير أجر معلوم. ومادامت الروح فكرة يرفضها من يرفضها فكيف لنا أن ندافع عن حرمة وقداسة الجسد البشري أمام هؤلاء؟
ونحن نفزع من أكلة لحوم البشر ونرتجف عندما نتابع محاكمة أرمن ما يفز الذي ذبح رجلا وأكله بعد أن اتفق الاثنان على ذلك. لكن هذا الفزع لا يمنعنا من إدراك انحطاط المجتمع الذي أفرز القاتل والقتيل.
القاتل والقتيل عاشا في مجتمع يشجع على الشذوذ ويقول بمبدأ اللذة على إطلاقه، ويعتبر الجسم الإنساني موضوعا Object يخلو من أية قداسة كأنه كوب أو إناء أو ورقة شجر.
وهو مجتمع فردي ـ تعاقدي فيما اتفق عليه فردان بالغان هو أمر مقبول أخلاقيا وربما قانونيا مادام يخصهما وحدهما.
أضاف إلى ذلك أن هذا المجتمع تعلم على يد سيجموند فرويد الفصل بين الجنس والتناسل، وهذا المبدأ هو أساس كل شذوذ جنسي، كما أنه مقدمة عزل وظيفة حفظ النوع عن مؤسسة الزواج، فإذا كانت حبوب منع الحمل هي بوابة تحرير النساء، بحيث لا ينفردن بحمل مسئولية ما يترتب على المشاركة الجنسية الممتعة بين الأنثى والذكر فمنع الحمل أو فصل الجنس عن التناسل هو الذي مهد لإنشاء آليات مستقلة عن الأسرة لإنتاج الأطفال.
عندئذ لا يبقى هناك داع للأسرة، ولا يبقى ضروريا أن يتحقق الإشباع الجنسي بطريقة تربط اللذة بالمحافظة على النوع.
وقد قال لنا أساتذة اللغويات "الألسنية" في الجامعة: إن كل عضو من الأعضاء التي يستخدمها الإنسان في الكلام له وظيفة أصلية غير الكلام".
فاللسان للتذوق والفم للطعام والأسنان للمضغ، بل إن أحد الأساتذة قال لنا إن الوظيفة الأساسية للأحبال الصوتية هي لسد مجرى الهواء عندما "نحزق" أو نستجمع قوتنا لرفع حمل ثقيل أو لدفع جسم ثقيل. وأنا أنقل كلام أستاذ اللغة كما هو مذكرا قرائي بأن هذا ليس كلام طبيب أو أستاذ في علم وظائف الأعضاء.
لكن المؤكد أن الإرادة وليس الحتمية البيولوجية هي التي تحدد للإنسان ما يفعله بأعضائه. والنظرة الإستعمالية للجسد الإنساني مظهر من مظاهر الوثنية التي لا تعترف بالروح. وهكذا أمكن استخدام مقولة فرويد التي تفصل بين الجنس والتناسل لتبرير سلوكيات غير حميدة.
هذه هي البوابة التاريخية للشذوذ. ألم يقل فلاسفة اليونان القدماء أن حب الذكر للذكر حب خالص لأنه لا يهدف إلى الإنجاب؟! كل هذه الأفكار تتفاعل الآن في المدينة الأوروبية المعاصرة التي هي أبعد ما تكون عن المدينة الفاضلة التي حلم بها أفلاطون! إنها مدينة الاستهلاك المسعور والوحشة.
وعندما أقرأ أو أشاهد ما يقال عن الظروف التي أحاطت بآكل لحوم البشر الألماني أتذكر ما قاله جيف دينش عن أثر الحركة النسوية على المجتمع وكيف تفككت الأسرة وعاد كثير من الشباب والرجال في الغرب الصناعي إلى الوحشة والوحدة وإلى المخدرات والجريمة والعنف والسجون.
نظرية دينش بسيطة فالمرأة هي التي تحمل وتلد وترضع وتربي وتعد الطعام والشراب. وسط هذا كله هي مركز الحب والحنان والدفء، والرجل غير مؤهل لمنافستها على هذا الدور، فيبقى له دور كئيب وغير جذاب يتمثل في خوض الصراعات وحماية الأسرة واختطاف لقمة العيش من نسور المجتمع وذئابه.
وإذا كانت المرأة تستأثر بالوظيفة الدافئة والمشبعة فهي تكافئ الرجل أو يكافئه النظام الذكوري بإعطائه المكانة المتميزة التي للرجال كحافز وحيد على الاستمرار في مهمة الأبوة وهي مهمة ثقيلة الوطأة.
وعندما فقد الرجل الغربي هذا الحافز شرد وأغرق نفسه في حياة باردة يائسة وعديمة المعنى وسعدت نساء كثيرات بحرية وهمية فاكتفين بعد الإنجاب بما يسمى Parent Family Single حيث تكون الأم رأس الأسرة وحدها، دون أب. وقد تكون معها صديقة طبيعية أو شاذة، وقد يكون للأم صديق يأتي وصديق يروح مع بقاء السلطة الأنثوية مركز حياة الأسرة.
وقد دفعت دولة الضمان الاجتماعي في الغرب ثمنا باهظا لغياب الأب عن طريق المشاركة في الإنفاق على الأطفال للتخفيف عن الأم المستقلة بنظام Child Benefit، ولكن دولة الخصخصة التي تحاول سحب كل نوع من أنواع الدعم تئن خزينتها الآن من هذه التكاليف وتضغط على الحركة النسوية للحد من غلواء الكراهية للرجال، ودفعه للهروب من البيت. لكن داعيات حقوق المرأة في مصر فيما يبدو مازلن عند النصوص والدعاوي التي راجت حتى منتصف التسعينيات وقبل أن تضغط ثورة اليمين التي فجرتها تاتشر وريجان على الحركة النسوية لتغيير أفكارها.
وبعيدا عن ببغاوات الحركة فإن الحركة النسوية في مصر تطالب بحقوقها من خلال الشرع والقانون وبما لا يخل أو يضر المجتمع.
الزاد الفكري الذي يقدم لببغاوات الحركة النسوية المصرية انتهت صلاحيته منذ عشر سنوات على الأقل.
الجائزة الكبرى
كما أن بعض داعيات حقوق المرأة في مصر في الغالب غير مدركات لعلاقة الحركة الأنثوية بهذه التيارات العدمية، لكن مأساة الثقافات التي تعيش على الترجمة هي أنها تنزلق دون وعي نحو الهاوية خاصة إذا كان الببغاوات يرددون ما يسمعون لقاء مساعدات أو حوافز مادية فلنحذر ولنحذر ببغاوات الترجمة من تدمير ثقافة مصر.
ما نشهده ليس سوى تكرار ببغائي بمقولات Gender Equlity التي خربت المجتمعات الغربية، وتوشك الآن أن تنتقل بالتخريب والتخريف إلى المجتمعات العربية.