تاريخنا المفترى عليه.. حوار موصول مع القرضاوي 2/2
أ.د. عبد الحليم عويس
مجلة المنار الجديد عدد 35
أحتسب عند الله ما نالني من أخي الأكبر الدكتور يوسف القرضاوي بسبب هذا الخليفة (المظلوم في رأيي ورأي الكثيرين) [الوليد بن يزيد] الذي أجمع (!!) كل المؤرخين على انحرافه وفساده].. في رأي الدكتور القرضاوي.. ابتداءً أسال أخي الكبير: من أين لك هذا الإجماع؟ لكن أخي الشيخ القرضاوي ـ فيما يبدو لي ـ قد درج على استعمال كلمة (الإجماع) هذه دون رجوع لأهل الذكر في التاريخ.
ففي الفقرة نفسها ذكر أنني (تحاملت تحاملاً غير مبّرر على الخليفة الذي أجمع (!!) كل الناس على أنه أعدل بني مروان بعد عمر بن عبد العزيز وهو يزيد بن الوليد!!
وأيضاً في الفقرة التالية يذكر أنني خالفت (إجماع الأمة) (!!) عندما ذكرت أن معاوية أقدر في السياسة والإدارة من الإمام عليّ (وقد سبق الوقوف عند هذه النقطة).. وهنا أتمنى على أخي الأكبر القرضاوي ـ ومنزلته معروفة ـ أن يتخفف بعض الشيء من إطلاق كلمة (الإجماع) هذه، لأنها تصادر البحث العلمي وتعطي ظلالاً نفسية وفكرية لا تساعد على الحوار العلمي الإيجابي!!
ونبدأ في تجلية الصورة الحقيقية للخليفة المفترى عليه (من وجهة نظرنا) مشيرين إلى القضية ـ من أولها ـ تلك التي انتهت بتقديم صورة غير موضوعية عن هذا الخليفة الأموي (المقتول) ظلماً..
كان الوليد بن يزيد في الحادية عشرة من عمره حين جعل أبوه يزيد بن عبد الملك ولاية العهد لعمه هشام بن عبد الملك (105 ـ 125هـ) وجعله بعده، ولم يمت يزيد إلا وابنه الوليد في الخامسة عشرة، فكان يندم على أنه استخلف أخاه هشاماً وترك ابنه الوليد.. وكان يزيد ابن عبد الملك يقول إذا نظر إلى ابنه الوليد: الله بيني وبين من جعل هشاماً بيني وبينك..
وفي هذا المناخ ـ ومن خلال الأقوال المتناثرة هنا وهناك ـ لم تسر العلاقة بين هشام وابن أخيه وولي عهده الوليد، كما ينبغي أن تكون العلاقة بين خليفة وولي عهده، أو بين عم وابن أخيه. وفي مرحلة من المراحل بدأ للخليفة هشام زحزحة ابن أخيه الوليد عن ولاية العهد، لصالح ابنه (مسلمة بن هشام) الذي كان مشهوراً بالعبث شهرة كبيرة، وكان (الوليد بن يزيد) عندما يرميه عمه الخليفة هشام بتهمة الفساد، يردّ عليه بأنه على (دين ابنه مسلمة) (أبي شاكر) وهذا وَرَدَ صريحاً حين عمد هشام للتشكيك في دين الوليد.. فأرسل إليه رداً فيه بيت من الشعر:
يا أيها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر
فكأنه يقول لعمه الخليفة هشام: قبل أن تتهمني في ديني انظر إلى ابنك مسلمة (أبي شاكر) الذي تريد وضعه مكاني ولياً للعهد، فهو أسوأ مني!!، وهذا يعكس ـ بطبيعة الحال ـ الروح العدائية التي سادت العلاقة بين الخليفة هشام وولي عهده وابن أخيه الوليد بن يزيد!!. ويرى بعض المؤرخين أن هشاماً نفسه ـ في المراحل الأولى من خلافته ـ كان يحاول تسهيل العبث للوليد وتقريب المفسدين منه، حتى يجد فرصة للطعن فيه، ومن ثم تنحيته عن ولاية العهد!!
وأيا كان الأمر، فخلال العشرين عاماً التي حكم فيها هشام كانت الحرب الباردة قائمة بين جبهتين غير متكافئتين: جبهة الخليفة هشام ـ بكل سلطانه ـ وجبهة ولي عهده وابن أخيه (الوليد الثاني) أو الوليد بن يزيد.. الذي لا حول له ولا قوة.. اللهم إلا قوة شخصيته، ومقاومته لكل تشويهات عمه وإغراءاته من أجل قبوله التنحي عن (ولاية العهد).
وفي إحدى المرات كتب الوليد إلى عمه أبياتاً من الشعر يتألم فيها من الحرب المعلنة عليه ويقول له في بعضها:
رأيتك تبني جاهداً في قطيعتي فلو كنت ذا إرب لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة فويل لهم إن مت من شر ما تجني!!
(الطبري: التاريخ أحداث سنة 125هـ)
أما القلة التي كانت تقف مع (الوليد) وترى أنه صاحب حق، وأنه أجدر من مسلمة (أبي شاكر)، وأن هذا الخلل من شأنه أن ينشئ صراعاً دامياً داخل البيت الأموي في ظروف بالغة الخطورة، فرائحة الانقلاب العباسيّ بدأت تزكم الأنوف.. وأوضاع البيت الأموي شبه متردية.. والشمال الإفريقي ثائر على الأمويين بتأثير استهتار (هشام) بهم... والخارجية أنشئوا ممالك مستقلة فيه، وخراسان كذلك بدأت تعرب عن سخطها.. ومع ذلك كله فهشام يشغل نفسه بحرب مع ابن أخيه وليّ العهد لنقل الولاية لابنه العابث مسلمة..
شهود عدول وأدلة قوية:
ونحن هنا لن نستطرد في ذكر تاريخ الوليد فهذا ليس موضوعنا، وإنما هدفنا تقديم أدلة براءته.. على الأقل من دعوى (الإجماع) على سفهه.. و(الإجماع) على أنه يستحق الثورة عليه والقتل، و(الإجماع) على أن يزيد بن الوليد (الناقص) "أعدل بني مروان"، فضلاً عن أن يقارن بعمر بن عبد العزيز!!
ومن هنا سندخل ـ مباشرة ـ في الحديث عن(الوليد) (المظلوم المقتول) وعن يزيد (المظلوم القاتل) ـ من وجهة نظرنا ـ آملين أن يقتنع شيخنا الدكتور القرضاوي.. بأن الأمر ـ على الأقل ـ ليس فيه (إجماع)، وبأننا إذا كنا سنعمل على تمحيص صفحات (تاريخنا المفترى عليه)، فيجب أن نعالج الأمور بقدر كبير من الانفتاح على الرؤى المختلفة، لا سيما رؤى المخلصين لتاريخ المسلمين وحضارتهم.
أولاً: من الطريف أن (مسلمة بن هشام) نفسه، وهو الذي يسعى والده هشام لجعله ولياً للعهد كان ضدَّ أبيه، وكان يكثر من مخاطبة أبيه في الرفق بالوليد والكف عنه، وإيقاف حرب التشهير عليه.. ولهذا فإن (الوليد) عندما جاءته الخلافة، وراح ينتقم من رجال هشام وأبنائه الذين كانوا يحاربونه معه، استثنى (مسلمة بن هشام ـ أبا شاكر) وأمر ألا يعرض له أحد، ولا يدخل الجنود منزله، تقديراً لما يعلمه من مواقفه معه أمام والده (وأنه ـ كما يقول الطبري ـ يكثر أن يكلم أباه في الرفق به ويكفّه عنه، مع أن مسلمة كان ـ كما هو معروف ـ صاحب المصلحة الأولى في حرب والده هشام على الوليد !! ولعل هذه شهادة عدل من أقرب الأطراف مصلحة في ظلم الوليد وتنحيته بعد التشهير به وتجريده من الصلاحية للخلافة.
ثانياً: أما الشاهد الثاني (العدل) ـ أيضاً ـ فهو مسلمة بن عبد الملك شقيق الخليفة الذي حاول جاهداً أن يردع أخاه الخليفة هشاماً عن المضي في مسيرة ذم الوليد بن يزيد و ترويج الشائعات عنه، وقد ذكرت بعض المصادر أن هشاماً كان يعمد إلى تشويه الوليد بطريقة فجة مقززة، ومن ذلك ما يذكره بعضهم عن (مداومته على ذكر تهتك الوليد وإدمانه على الشراب ويذكر ذلك في مجلسه ويقوم ويقعد به!!) بطريقة لا تليق بخليفة!!
وقد كان شقيق الخليفة مسلمة بن عبد الملك يجد في صرف هشام عن هذا التشهير بالوليد، ويجتهد للحدّ من هذه الحروب الباردة القائمة بين الخليفة ووليّ عهده.. لكنه لم ينجح في ذلك.. وإن كانت وقفاته ضد أخيه الخليفة قامت سداً يحول دون انفجار الأوضاع بينهما ولهذا فعندما مات مسلمة (عم الوليد وشقيق الخليفة) وجد الوليد نفسه وحيداً أمام عمه هشام.. وأصابه غم كبير، فلم يجد أمامه إلا أن يترك قصر الخلافة والعاصمة دمشق، وأن ينزل البادية في ضاحية تسمى الأزرق بالأردن هو وبعض خاصته.. فانتهزها هشام فرصة، وحرمه عطاءه هو وسائر مواليه وخاصته.. واستدار ينكل بكل المقربين من الوليد، محتجاً بأن الوليد صحب معه مؤدبه عبد الصمد بن عبد الأعلى (وهو يشك في دينه) وكتب إلى الوليد بذلك، فأبعد الوليد (عبد الصمد)، لكن هشاماً لم يعد إليه إعطاءه وبقي على حربه للوليد.
ثالثاً: أما الدليل الثالث أو (الشاهد الثالث) فهو رجل ثقة عند المؤرخين، ومن أكثر بني مروان عقلاً وشجاعة وصراحة، وهو (مروان بن محمد) الذي كان عاملاً لهشام على أرمينية وما يليها، ومع ذلك فلم يكن راضياً عن أسلوب هشام في معاملة الوليد... ولهذا أرسل إلى الوليد ـ فور علمه بتوليه الخلافة ـ رسالة تؤكد إدراكه للظلم والافتراء الذي وقع عليه من هشام.. ويقول له فيها: "بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده، وكان من تفشي غمرة سكرة الولاية ما حمل هشاماً على ما حاول من تصغير ما عظم الله من حق أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعب عليه، الذي أجابه إليه المدخولون في آرائهم وأديانهم، فوجدوا ما طمع فيه مستصعباً، وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلاً (الطبري، 7، ص216). فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عرى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم، فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمور أوبق نفسه، وأسخط ربه، ومن عدلت به التوبة نازعاً عن الباطل إلى حق وجد الله تواباً رحيماً" (الطبري، 7/217).
وقد يقال: إن هذا محض نفاق، لكن شخصية مروان بن محمد أكبر من ذلك، ويؤكد هذا أنه وقف وقفة صدق مع (الوليد) عندما تآمر عليه يزيد بن الوليد، وبعد مقتله أعلن الثورة انتقاماً له وأخذاً بالثأر من قاتليه، فرجلٌ هذا سلوكه رجل صدق وولاء للبيت الأموي كله ـ أولاً ـ وللوليد ثانياً ـ كما أنه ثالثاً ـ هو الذي نصح الوليد بزيادة الأعطيات للناس بعد أن شح عليهم هشام، فلما جاء يزيد أنقص الأعطيات فسماه مروان (بالناقص)!!
رابعاً: ومع التجني الذي احتشد به (البداية والنهاية لابن كثير) وهو من المتأخرين، وقد اعتمد على مراجع ثانوية، فإنه يعترف بحقيقة وردت عند (الطبري وغيره) وهي من الحقائق المعروفة.. فبعد أن يورد رسالة مروان بالبيعة للوليد ونصيحته له بزيادة الأعطيات إنقاذا للناس مما أصابهم من بخل هشام..
واستجابة الوليد له.. يقول ابن كثير: "لقد سار الوليد في الناس سيرة حسنة بادئ الرأي وأمر بإعطاء الزمنى والمجذومين والعميان لكل إنسان خادماً، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف (التي كان يختزنها هشام) لعيالات المسلمين وزاد في أعطيات الناس، ولا سيما أهل الشام والوفود، وكان كريماً ممدحاً شاعراً مجيداً، لا يسأل شيئاً قط فيقول لا... (البداية والنهاية لابن كثير 9ـ 4، مكتبة المعارف بيروت 1966). ويزيد ابن جرير الطبري وهو يتحدث في سيرة الوليد فيقول: وكان وهو ولي عهد ـ مع ظروفه المعروفة ـ يطعم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلاً: ويطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له زيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابهم ولم يقل في شيء يسأله: لا، فقيل له في ذلك فقال: [لا أعوَّد لساني شيئاً لم أعتده]!! (فهل هذا أسلوب عابث ماجن؟!!).
خامساً: من المساجلات المتبادلة بين هشام والوليد نستطيع أن نقول مطمئنين: إن رسائل الوليد ـ في هذا الوقت الذي كان يتهم فيه بأبشع التهم ـ دالة على إيمان وخلق يصعب معهما تصديق ما روج عنه... فعندما قطع هشام عطاء الوليد كتب إليه الوليد يقول: "لقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عني، ومحو ما محا من أصحابي وحرمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه (..) فإن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين (علي)، فقد سبب الله لي من العهد كتب لي من العمر، وقسم لي من الزرق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء فقدر الله يجري بمقاديره فيما أحب الناس أو كرهوا، ولا تأخير لعاجله ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، وما يستوجبون العقوبة عليه، وأمير المؤمنين أحق أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفق لأمير المؤمنين بحسب القضاء له في الأمور". [الطبري، ص: 212، 213، ج7، ط4 دار المعارف بمصر] (فهل هذا أسلوب عابث ماجن؟!!).
سادساً: ولم يكن أمر زيادة الأعطيات أو رعاية الزمنى والعميان مجرد استجابة لرسالة مروان ابن محمد (القائد المحنك المجرب) ـ بل كان هذا الأمر جزءا من سياسة عامة تدل على حنكة الوليد وفهمه للأوضاع العامة التي ورثها عن هشام، والتي أوجبت أمرين ـ كما يقول رياض عيسى في كتابه عن (النزاع بين أفراد البيت الأموي ودوره في سقوط الخلافة الأموية، ص 138، 139، ط1 دار حسان للنشر 1985):
أولهما ـ أن الوليد أراد أن يأتلف الناس جميعاً وأهل الشام بخاصة، فزاد في أعطياتهم في محاولة واضحة منه لاستمالة أهل الشام بخاصة لأنهم عضد الدولة وعمادها، كما أنه قد يكون هناك تذمر بين أهل الشام أراد الوليد أن يحول دون استفحاله، وأن يؤكد للشوام أنهم ما يزالون السند الأمامي للبيت الأموي.
وثانيهما ـ أنه أراد أن يأتلف أفراد البيت الأموي، وأن يحاول محو الصورة البشعة التي رسمها له عنه هشام في أذهان الناس عموما، وفي أذهان أهل بيته خاصة، وهذه المحافظة في ائتلاف أهل بيته هي الأولى من نوعها، إذ لم نسمع من قبل عن أي خليفة أموي فعل ما فعله الوليد بالنسبة لأهل بيته، شعوراً منه بأن المرحلة التي تمرّ بها الدولة الأموية عموماً تقتضي تكاتف أفراد هذا البيت في فترة كانت فيها أخبار الدعوة الناشطة التي يقوم بها آل البيت (والعباسيون) تملأ الأسماع بينما البيت الأموي في صراعات تهدد وجوده!!
ويتساءل رياض عيسى ـ ونحن معه: في ضوء هذه السياسة ـ ودلالتها ـ ألا يمكننا أن ننطلق إلى الدعوة على الأقل لإعادة النظر في المكتوب والمتعارف من سيرة الوليد بن يزيد الذي تصوره لنا المصادر بأنه لم يتقن سوى شرب الخمر واللهو والمجون؛ إذ أننا نرى في أفعاله هذه مؤشرات واضحة على تفهمه لأوضاع الدولة، ومحاولته لتدارك ما يمكن تداركه من انهيار محتمل؟!!
سابعاً: يفيدنا ابن الأثير في الكامل (وهو أوثق من ابن كثير وأقدم منه) ما يؤكد أن كثيرين كانوا يتعاطفون مع الوليد، ويعرفون بأنه مظلوم حتى من خصوم الأمويين الألداء (العباسيين)، فقد روى شبيب بن شيبه رأي المهدي ومن معه في الوليد فقال: كنا جلوسا عند المهدي ـ الخليفة العباسي ـ فذكروا الوليد فقال المهدي: كان زنديقاً، فقام أبو علاثة الفقيه: فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل أعدل من أن يولى خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقاً، لقد أخبرني من كان يشهده.. بمروءة في طهارته وصلاته... فقال المهدي: بارك الله عليك يا أبا علاثة)..
ويروي ابن الأثير: أن الوليد كان ينهي الناس عن الغناء، لأنه يزيد في الشهوة ويهدم المروءة، ويقول بعد ذلك: (وقد نزهَّ قوم الوليد مما قيل فيه وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا: إنه قيل عنه وألصق به وليس بصحيح، قال المدائني: دخل ابنٌ للغمر بن يزيد أخ الوليد على الرشيد، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من قريش، قال: من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن ولو أنك مروان، فقال: أنا ابن الغمر ين يزيد (شقيق الوليد)، فقال الرشيد: رحم الله عمَّكَ الوليد ولَعَنَ يزيد الناقص، فإنه قَتَل خليفةً مجمعًا عليه! أرفع حوائجك فرفعها فقضاها.
ثامناً: يلفت نظرنا عدد من المؤرخين المعاصرين الكبار إلى الطابع الأسطوري (اللاعقلاني) الذي يفضح ـ في حد ذاته ـ التهم الموجهة إلى الوليد. فأستاذنا الدكتور حسين مؤنس يعلق على هذه التهم في كتابه (تنقية أصول التاريخ الإسلامي) (ص92، 93 مطبوعات مكتبة الأسرة 2005 مصر) بقوله: (إننا بالنسبة لهذه الأخبار أو التهم الأسطورية، يجب أن نفتح عيوننا عندما نقرؤها؛ لأن المسألة هنا ليست مسألة الخطأ أو الكذب في الخبر، بل إن هذه الأخبار تضرَ بعقولنا، لأنها تعودنا قراءة الأخبار والحكايات الكاذبة الفارغة وقبولها، مما يؤدي بقولنا في النهاية إلى الهيافة والهشاشة، ويعطي القارئ فكرة سيئة عن الإسلام والمسلمين.
ومن المستحيل علينا أن نقبل (أمثال هذه الأخبار الجزافية الواردة عن الوليد)، لأن الأمر ليس إساءة إلى الوليد بن يزيد فحسب بل إهانة لعقولنا أيضا، ومهما كانت كراهية الواحد منا لبنى أمية، فإن الأمر ينبغي ألا يصل بنا إلى احتقار عقولنا وإهانة أنفسنا).
ويشير الدكتور (نبيه عاقل) إلى أن ما يقال عن الوليد مثال على الظلم الصارخ الذي أوقعه المؤرخون الذين كتبوا في ظل العباسيين بالأسرة الأموية وبرجالاتها، ويجدر بنا أن ننبه إلى أن ما نجده في المصادر عن خلاعة ومجون وفسق الوليد الثاني أمر مبالغ فيه إلى أبعد الحدود.
ونحن نستطيع القول: إن المؤرخين الذين كتبوا في ظل العباسيين وجدوا في شخص الوليد نواحي ضعف، ومواضع للنقد، فما كان منهم إلا أن ضخموها وزادوا فيها تقرباً من الأسرة العباسية الحاكمة، أو بغضاً في الأسرة الأموية قاتلة الحسين وعدوة الشيعة اللدودة " (الدكتور نبيه عاقل ـ دراسات في تاريخ العصر الأموي، مطبعة جامعة دمشق، ص: 285)
كما يلفت نظرنا الدكتور (عاقل) إلى أن في الأخبار والروايات الواردة عن الوليد مبالغات لا يمكن أن تصدق، كما أن في بعض الإشارات الأخرى في نفس هذه المصادر ما يدحضها ويجعلنا نستشم مقدار المبالغة فيها، وأغلب الظن أن هذه الروايات المبالغ فيها إلى الحدّ الذي وصفنا، ما هي إلا حصيلة حقد عباسي على شخصية أموية وجد فيها مجال للطعن فضخِّم وهوِّل واستغلِّ إلى حد يتجاوز كل ما هو معقول.
أما أستاذنا الدكتور (أحمد شلبي) فيرد على هذه التهم التي يرى المبالغة ظاهرة فيها بدليل ملموس.. فيقول: (في اعتقادي أنه لو صحّ عن الوليد ما أشيع عنه من انحراف ومعاص لكانت هذه فرصة تحقق لهشام مآربه، ولذلك أرى أن الوليد لم يكن من الفسق بالدرجة التي تروى عنه، ولو كان كذلك لما شهدناه خليفة مع أن هشاماً كان يتربصَّ به.
واعتقادي أن قتل الوليد كان فرصة لواضعي الروايات من أعداء بني أمية فخلفوا من ذلك الشيء الكثير، وابتدعوا صوراً جديدة تنسب للوليد ألوانا من الفسق، كما وضعوا باسمه الأشعار التي تصوره زنديقاً محتقراً للقرآن الكريم مهاجماً تعاليم الإسلام، والذي يجعلني أرى فيها بعض المبالغات أن مقاومة الوليد كانت كبيرة وأن أتباعه عند اصطدامهم بجيوش يزيد ابن الوليد كانوا كثيرين، وأن مروان بن محمد زحف لمساعدته بجند لو أسرع قليلاً لحقق له النصر، وأن الثورات التي طالبت بالثأر له لم تهدأ حتى انتصر أتباعه بقيادة مروان بن محمد، وأخرجت جثة قاتله يزيد بن الوليد وصلب، ورجل فيه ذلك الفسق الذي يصورونه لا يعقل أن ينال كل هذا التأييد" (الدكتور احمد شلبي ـ موسوعة التاريخ الإسلامي ـ عصر الدولة الأموية، ص89).
تاسعاً: ومن الأدلة أيضاً وقوف عقلاء بني مروان مع الوليد ضد يزيد، وتروي المصادر التاريخية أن اليمانية الذين وقف الوليد ضدّهم هم الذين بدءوا الفتنة، وجاءوا إلى يزيد وأغروه بإعلان نفسه خليفة عوضاً عن الوليد، ووعدوه بالثورة على الوليد معه. ويروي الطبري أن يزيد لما أغرته اليمانية بذلك، شاور أخاه الأكبر سيد بني مروان (العباس بن الوليد) في ذلك.. فأتى يزيد إلى أخيه العباس وحدّثه في الأمر فزجره أخوه ونصحه بعدم الإقدام على مثل هذا العمل. ولكن يزيد لم يقنع بنصيحة أخيه وأخذ يتصل بالناس سراً، ويأخذ البيعة لنفسه، فلما بلغ الخبر أخاه العباس زجر أخاه بشدة وقال له: (إن عدت لمثل هذا لأشدنك وثاقاً ولأحملنك إلى أمير المؤمنين)، وطلب العباس إلى أحد المقرّبين من أخيه يزيد، (وهو مولاه فطن) أن يرده عن فعلته، وأن يبصره بعواقبها، وكذلك اتخذ (مروان بن محمد) موقفاً مماثلاً لموقف العباس بين الوليد حين بلغه أن يزيد بن الوليد يؤلب الناس على الوليد بن يزيد ويدعو إلى خلعه. وكتب من موقعه في أرمينية إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهي الناس عن هذا الأمر، ويبصره بالأخطار التي قد تنجم عن استمرار يزيد بن الوليد في الدعوة لنفسه (الطبري ج7، ص 143).
وقد حمل سيعد بن عبد الملك رسالة مروان بن محمد إلى العباس ابن الوليد وأطلعه عليها، فما كان من العباس إلا أن دعا أخاه يزيداً وتوعده وهدده إن هو استمر في فعلته، فأنكر يزيد أنه يقوم بأي مسعى لأن يؤول الأمر إليه. وعندما علم (العباس بن الوليد) بغدر أخيه يزيد وبهجومه مع اليمنيين والساخطين على الوليد من أبناء هشام والوليد بن عبد الملك أسرع العباس لنصرة الوليد، ولكن جنود يزيد عندما رأوه خدعوا الناس وقالوا هذه راية العباس بن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد، فكان جواب العباس على ذلك قولته المشهورة: (إنا لله .. خدعة من خدع الشيطان ـ هَلَكَ بنو مروان).
وهكذا كذب يزيد على أخيه العباس وعلى سعيد بن عبد الملك، وخدعهما، واستمر في طريقه المشئوم، وكل هذا يدل على أن الوليد لم يكن أهلاً للثورة عليه، وأنه لم يكن عابثاً ماجنا كما يدلّ على فساد أخلاق يزيد!!
عاشراً: يروي جمهرة المؤرخين وعلى رأسهم الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، أنه لما أحاط أتباع يزيد بن الوليد بالوليد بن يزيد في قصره وحصروه قبل أن يقتلوه، قال لهم الوليد: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، فقال: حسبك يا أخا السكاسكك فلعمري.. لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل لي لسعة فيما ذكرت.
ورجع الوليد إلى الدار فجلس وأخذ مصحفاً وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، ثم قتلوه، وكان أخر كلامه قبل أن يقتل: (أما والله لئن قتلتموني لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجمع كلمتكم).
ويعلق صديقنا الدكتور عبد الشافي عبد اللطيف في كتابه الموسوعي (العالم الإسلامي في العصر الأموي، ص: 199، طبع مصر) على هذا الموقف الإيماني الرائع الذي ليس من حقنا أن نكذب صاحبه وهو يستقبل الآخرة بقوله: إن الذي يرى فيما أحل الله له سعة عن اقتراف المحرمات، وينزع إلى المصحف عندما أحيط به، وأيقن أنهم قاتلوه، لا يمكن أن يكون ماجناً، ويقترف ما رموه به، ويهين المصحف ويمزقه، كما تذهب بعض الروايات (الأسطورية التي ذهبت إلى أكثر من ذلك) إن هذا لو حدث من حاكم مسلم في عصرنا هذا لرماه الناس بالحجارة، فكيف بالوليد وهو خليفة المسلمين في عصر قريب إلى حد ما من عصر النبوة والخلافة الراشدة، وملئ بالعلماء والصالحين من التابعين؟!!
يزيد بن الوليد
من الظلم ـ كل الظلم ـ أن نضع يزيد بن الوليد في كفة واحدة مع عمر بن عبد العزيز.. فالخليفة الراشدي الخامس جاء إلى الحكم على غير هوى منه، وكان أزهد الناس فيه، ويزيد جاء الحكم بمؤامرة كبيرة استثمرت ظروف الوليد النكداء مع عمه هشام.. ولم يصل يزيد إلى الحكم إلا بعد قتال مرير وقتل للخليفة الأموي القائم.. (والذي يعترف الشيخ القرضاوي نفسه بكثير مما ورد في مدحه).. [ومن ذلك قوله لمن يتنبئون له بمدة بقائه في الخلافة: (لا من قال بنقص عمري يكسرني، ولا من قال بزيادة عمري يغرّني، والله لأجبينَّ المال من حلّه جباية من يعيش إلى الأبد ولأصرفنَّه في محله صرف من يموت الغد) [القرضاوي: تاريخنا، ص101]، وهو كلام ـ لو حلله شيخنا القرضاوي ووقف عنده ـ لاستنتج منه أن قائل هذا ـ وكثيراً غيره ـ لا يمكن أن يكون (كما نقل القرضاوي عن الذهبي) (مشهوراً بالخمر والتلوط) (عمل قوم لوط). وقد دافع الوليد عن ذلك عندما قال لابن السكاسك وهو يسعى لقتله (أليس فيما أحل الله سعة)؟!!
وسوف نذكر من أساليب (يزيد) (الميكافيلية) القائمة على الكذب والخداع وتصنع النسك والعبادة، ما يبين الفرق الشاسع بينه وبين عمر بن عبد العزيز (علماً بأننا لا نقصد المقارنة بينهما فهي لا يسمح بها أصلاً؛ لأن المسافة بينهما شاسعة)، وإنما لنبين عدم مصداقيته في تلك الخطبة العصماء التي أوردها الشيخ القرضاوي [ص 102] ليزيد بن الوليد عن خليفة بن خياط ـ بعيد قتله الوليد ـ لندلّ على أنها خطبة (سياسية) لتبرير جريمته، واستحلال دم خليفة بالشبهات والظنون، ومتاجرته ـ بل اختلاقه ـ الشبهات، وترويجه لها عن الوليد.. فهي خطبة عصماء ككل الخطب العصماء التي نسمعها من بعض حكام العرب والمسلمين في المولد النبوي وفي ليلة القدر، والتي تكاد تقنعنا بأنهم (أمراء في الإيمان) بينما هم (مندوبو الشيطان) في الأرض {يخادعون اللهَ وَالذِينَ آمَنوا وَمَا يَخدَعونَ إلاَّ أَنفَسهمْ وَمَا يَشْعرون} [البقرة: 9].
فليس (بالخطب العصماء) يقّوم الناس، ولا تدرس مسيرة التاريخ، وإنما بالوقائع العملية والأساليب الإسلامية المعتمدة.. ولو أننا حوَّلنا كل مؤامرة خسيسة (مثل مؤامرة يزيد التي كانت من أكبر الأسباب في القضاء على دولة بني أمية وانهيارها من الداخل) إلى (ثورة شعبية يقوم بها الجمهور المسلم الذي يغضب لدينه ويحاصر الخليفة ويرميه بالحجارة ويجبره على التنازل) [تاريخنا، ص102]، لو فعلنا ذلك لوجب أن نعيد تقويمنا لكل حركات الهدم الخارجية الثورية والباطنية والانفصالية التي هدمت أكثر مما بنت، وبددت طاقة الأمة؛ بل وجعلتها تضعف عن التصدي لأعدائها، وعن بنائها لحضارتها الإسلامية.. هذا بالإضافة إلى أن هذه المؤامرة (الثورة الشعبية لا صحة لأكثرها ـ كما ذكرنا ـ وكذلك فإننا سنجد (ثورات شعبية قوية عاتية مضادة) قامت ـ وعلى رأسها ثورة مروان بن محمد (القائد المحنك والخليفة الأموي الأخير) ـ وغيره ـ لتأخذ بثار (الوليد) من قبره لتفضحه على رءوس الأشهاد (كما فعل هو بجثة الوليد من قبل)!! فأي ثورة شعبية هذه؟ وأية خطبة عصماء تلك؟!!
ومع كل هذا، نقدم بعض الأدلة والقرائن حول (يزيد)، إضافة إلى ما قدمناه ـ ونحن نتحدث عن (الوليد) ـ لتكتمل أطياف هذه الصفحة المضطربة من تاريخنا.
أولاً: يذكر الطبري ـ وغيره ـ أن يزيد بن الوليد كان (قَدَرياً).. ويروي ابن كثير أن يزيد الناقص دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب أصحاب غيلان الذي كان هشام قد قتله، وكان أخوه (إبراهيم) قدرياً كذلك، وضدّ هؤلاء القدرية وقف الخليفة هشام، ولما جاء الوليد كلمه بعضهم بشأنهم فأبى تركهم، وقال لهم (إنها من حسنات هشام) وأبى التفاهم مع هؤلاء القدرية الذين منهم (يزيد). وبتأثيرهم استخلف يزيد أخاه إبراهيم (القدري) وكانوا في ذلك ذوي نفوذ سياسي وفكري كبير!! (انظر الطبري 7/166 حوادث سنة 126هـ).
ثانياً: وكان يزيد يفتخر بنسبه الفارسي ـ من جهة أمه، وهي أم ولد اسمها شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو القائل:
أنا ابن كسرى وأبي مروان وقيصر جدّي وجدّي خاقان
فهل يقارن هذا القَدَريّ، المتباهي بكسرى وقيصر بعمر بن عبد العزيز؟
(الطبري 7/298، حوادث سنة 126هـ)
ثالثاً: لم تظهر عنصرية يزيد في تباهيه بنسبه من جهة أمة فحسب، بل زادها وضوحاً حرصه على الوقوف موقف العداء الثابت من القيسية.. ويتألق هذا الموقف من ذلك الحوار الذي جرى بينه وبين يزيد بن حجرة الغساني. وكان رجل دين وفضل وذا مكانة وقدر عند الشاميين. فقد عَاتب يزيد بن حجرة الخليفة يزيد بن الوليد قائلاً: مالي لا أرى أحداً من قيس يغشاك ولا يقف ببابك؟، فأجابه يزيد: لولا أنه ليس من شأني سفك الدماء لعاجلت قيساً.. فو الله ما عزت إلا بذلّ الإسلام (الطبري 7/271، وانظر: رياض عيسى: المرجع السابق، ص 155)؟!!
رابعاَ: وعلى العكس من ذلك كان تدليله لليمنيين ومحاباته لهم وإغداقه عليهم لمساعدته في الوصول إلى الخلافة سبباً من أسباب نضوب بيت المال، مما اضطره إلى إنقاص أعطيات الجند، كما أن القبائل المضرية نفرت منه، وبدأت تتخذ مواقف ثورية إيجابية ضدهّ نتيجة موالاته الظالمة لليمنيين وتجاهله للمضريين، وهكذا ولدت الخطيئة خطيئة، واضطربت عليه منذ ولايته الأمور!!
خامساً: بدأت أساليبه في التظاهر بالورع والزهد تتكشف لمجموع الناس واحدة تلو الأخرى، فها هو يستعمل وسائل انتهازية وتجارية في جذب الناس إليه، وفي الوصول إلى أهدافه. ومن الطريف أنه تنكر ذات ليلة في البادية وركب حماراً ـ مستعملاً الأساليب السرية الانقلابية ـ وهو يسعى في بيعة الناس له، فبايعه أكثر أهل دمشق سراً (!!) وبايعه أهل المزّة غير معاوية بن مصاد الكلبي (وهو سيد أهل المزّة)، فمضى يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مصاد ماشياً في قليل من أصحابه، فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية بن مصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا، فقال ليزيد الفراش أصلحك الله، قال يزيد: إنّ في رجلي طيناً وأكره أن أفسد بساطك، فقال: الذي تريدنا عليه أفسد.. فكلمه يزيد فبايعه، ورجع يزيد إلى دمشق وهو على حمار أسود فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخشَنِِِِِِِِِِِِِي (الطبري 7/240)، ثم استمر يزيد في تآمره مع رجاله بهذه الطريقة ليلته ونهاره.
سادساً: كان الناس يخرجون معه لقتال الوليد على جعل يجعله لهم، بل كان أحياناً يضطر إلى الزيادة في هذا الجعل عندما لا يستجيب الناس له، فليس في الأمر (ثورة شعبية لم تأخذ حقها)، وإنما هي مؤامرة تركت أسوأ الآثار بكل المقاييس، وقد ذكر رياض عيسى ـ بأسلوب صريح ـ اعتماد يزيد على (الرشوة) في جلب الناس، فبعد ما سيطر يزيد على دمشق دعا الناس إلى التطوع فلم يتقدم منهم الكثير فاضطر لأن يرشوهم بالمال، وأعلن أن من سار فله ألفان، فاجتمع ألف رجل أعطى كلاً منهم ألفين (رياض عيسى، السابق، 149).
وقد حدَّث عمر بن مروان الكلبي أن ابن الشماخ الكلبي حدثه أن يزيد بن الوليد كان له مناد ينادي في الناس بأمره: من ينتدب إلى الفاسق (يعني لقتال الوليد) وله ألف درهم؟ فاجتمع إليه أقلّ من ألف رجل، فأمر رجلاً فنادى: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمائة (الطبري 7/243، حوادث سنة 126هـ)!!
سابعاً: وقد أضاف يزيد إلى أسلوبه الانتهازي جريمة أخرى، فقد عمد إلى رصد مكافأة خاصة مقدارها مائة ألف لمن يأتيه برأس الوليد، وهذا ـ ضمناً ـ يعني فتح الباب للتمثيل بالوليد وقطع أعضائه. وقد تبارى المرتزقة عبيد المال لإثبات أنهم الذين قتلوا الوليد، لقد احتزَّ أبو علاقة القضاعي رأس الوليد فأخذ عقباً (وهو العصب الذي تعمل منه الأوتار) وخاط الضربة التي في وجه الوليد وقدم بالرأس على يزيد (الطبري 7/246) ومن جانب آخر أقبل أحد أبناء خالد بن عبد الله القسري فسلخ من جلد الوليد قذر الكف، وقطعت كفّ الوليد اليسرى (!!) فبعث بها إلى يزيد، فسبقت الرأس ليلة الجمعة، ثم أتى بها وحملها إليه عشرة فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف، ثم أمر فنصب الرأس للناس بعد صلاة الجمعة.. وأمر يزيد بن الوليد بعد ذلك بنصب الرأس (!!)، فقال له يزيد بن فورة مولى بني مروان: إنما تنصب رءوس الخوارج، وهذا ابن عمك، وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته.. فقال يزيد: والله لأنَصبَّه، فنصبه على رمح، ثم قال له: انطلق به، فطف به في مدينة دمشق، وأدخله دار أبيه، ففعل، فصاح الناس وأهل الدار (الطبري 7/250، 251)، فهل هذه هي أخلاق الإسلام.. ومع من؟ مع الرحم.. ومع خليفة.. وبهذا الأسلوب من التشفّي والتمثيل والحقد.. وأين هذا من عمر بن عبد العزيز عليه رضوان الله؟!!
ثامناً: لم تكن الخطبة العصماء التي ألقاها يزيد إلاّ تهدئةً لخواطر الناس ـ وكانت أقرب ما تكون للشعارات الثورية ـ لامتصاص الغضب وتهدئة النفوس، وخداعهم بوعود معسولة.. وقد أحسن صديقنا الدكتور عبد الشافي عبد اللطيف في كتابه (العالم الإسلامي في العصر الأموي 204، ما بعده)، عندما علق على هذه الخطبة بقوله: بهذه الخطبة الطويلة التي خصص يزيد جزءاً منها للنيل من ابن عمه وتجريحه والطعن عليه واتهامه بالكفر ـ ليبرر قتله ـ والباقي لشرح سياسته وكأنه أبو بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب؛ حيث أراد أن يظهر بمظهر الزاهد في الحكم، وأنه ما خرج إلاّ غضباً لله ولرسوله ولدينه، بهذه الخطبة استهل يزيد ابن الوليد عهده القصير، ونسى أو غفل أن الناس والوقت والوضع العام في الدولة قد تغيّر عما كان الحال في عهد أبي بكر وعمر، أو حتى في عهد جدّه عبد الملك ابن مروان.
والحقيقة أنه بفعلته تلك جرَّ على دولة بني أمية كوارث كانوا في غنى عنها، وشغلهم بصراع مرير فيما بينهم أضعف كيانهم وأنهك قواهم، في وقت نشط فيه الدعاة العباسيون وضاعفوا جهودهم للقضاء على الدولة كلها.
تاسعاً: وكما هو المتوقع في مسيرة كل الانقلابات الهائجة القائمة على القتل والتآمر، لا يلد الدم فيها إلا دماً، ولا الفتنة إلا فتنة.. فبدأ البيت الأموي ـ أولاً ـ ينفجر من داخله شأن كل الانقلابات، فاضطرب حبل بني مروان وهاجت الفتنة ـ كما يقول الطبري ـ فبعضهم سرَّ لمقتل الوليد مثل أولاد هشام، وآخرون ساءهم قتله. وقام أهل حمص بالثورة ثأراً لدم الوليد، وأغلقوا أبواب مدينتهم، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، ولما علموا أن العباس بن الوليد (شقيق يزيد) لم يكن مخلصاً في نصرة الوليد الثاني وثبوا على داره فهدموها، وانتهبوا وسلبوا حرمه وأخذوا بنيه فحبسوهم وطلبوه، فما كان من العباس بن الوليد إلا أن هرب والتحق بيزيد الثالث، وقام أهل حمص بمكاتبة غيرهم ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد، كما كتبوا بينهم كتاباً ألا يدخلوا في طاعة يزيد، وأن يبايعوا لواحد من أبناء الوليد إن كان له ولد حي، وأبلغوا ما اتفقوا عليه إلى واليهم الأموي مروان بن عبد الله بن عبد الملك، فوافقهم على ما اتفقوا عليه، وطردوا رسول يزيد إليهم شر طردة، وخرجوا يريدون دمشق، فلما حاول واليهم مروان ابن عبد الله أن يثنيهم عن عزمهم قتلوه وقتلوا ابنه معه، وولوا عليهم أبا محمد السفياني، وتابعوا طريقهم باتجاه دمشق، وجرت بين أهل حمص الثأئرين المطالبين بدم الوليد الثاني وبين جند يزيد الثالث معارك ضارية. (رياض عيسى، السابق، ص 156، 157).
أما في فلسطين، فقد دعا يزيد بن سليمان بن عبد الملك أهل فلسطين لقتال يزيد الثالث، وأنضم إليهم في ثورتهم على الخليفة الجديد أهل الأردن الذين كان يلي أمرهم محمد ابن عبد الملك. وهكذا فقد زاد مقتل الوليد الثاني في اشتعال الفتنة بين أفراد البيت الأموي، ولم يكن يزيد الثالث الشخصية الأموية التي ينعقد حولها إجماع أهل البيت الأموي (رياض عيسى، السابق، ص 158).
وعندما توفي يزيد بالطاعون بعد ستة شهور من ولايته (جمادى الآخرة ـ ذو الحجة سنة 126هـ) كانت بلاد الشام ـ وهي حصن الأمويين ـ تشتعل ناراً، كما كان أبناء الأسرة الأموية منقسمين على أنفسهم، منشغلين بصراعاتهم عن الأخطار القاتلة المحدقة بهم.. فكانت حركة يزيد الانقلابية من أبرز العوامل التي أدت إلى سقوط خلافة بني أمية!!
وليس عجيباً أن تكون آخر الكلمات التي نطق بها يزيد الناقص وهو على فراش الموت: واحزناه.. واشقاءاه؟!!
لقد نجح يزيد مثل كل الانقلابيين في هدم كل شيء، لكنه لم ينجح في بناء أيّ شيء.. لأن ما قام على حقد وباطل لابد أن ينتهي إلى حقد أعمق وباطل أكثر!!. ويشاء عدل الله أن يحكم مروان بن محمد، وأن يخرج جثة يزيد من قبره ليفعل بها مثل الذي فعله يزيد بجثة ابن عمه الوليد!!!
كلمة ختامية
أما بعد: فقد سعينا لتجلية صفحة مضطربة قلقة من تاريخنا، وركزنا ـ في بداية الأمر ـ على ما يوجب تمحيص الأمور، والتوغل في بحثها، وبذل الجهد الفردي أو الجماعي في بحثها بحثاً عميقاً ـ لإنقاذ تاريخنا المفتري عليه ـ قبل إطلاق الأحكام العامة أو الشاردة.. وقد كشفنا زيف ذلك المثل الذي روج له بعضهم، وهو أن أعدل بني مروان (عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد) وهو مثل أطلقه أحد العاطفيين الذين لا علاقة لهم بالدرس التاريخي الموضوعي الذي يتحفظ عند المقارنة والموازنة.. وأين الثرى من الثريا؟!!
وليس معنى ذلك أننا نجهل أو نتجاهل أخطاء (الوليد)، فهي كثيرة، لكن معظمها ـ وهي التي أدت إلى الثورة عليه ـ أخطاء جاءت بعد الخلافة، وقد وقع في كثير منها خلفاء كثيرون.. لكن الأرضية المليئة بالأشواك والإشاعات الباطلة التي كان قد زرعها هشام وأعوانه ـ ساعدت على أن يستثمرها مغامر لا يتبصر العواقب مثل يزيد.. فهدم المعبد على كل من فيه..!!
لقد أخطأ (الوليد) في سياسته بعد الخلافة مع أبناء عمومته، فعمد إلى الانتقام منهم بدلاً من العفو والتأليف، كما أخطأ مع ولاة كبار من الذين عرفوا ـ وعرفت قبائلهم ـ بالولاء للدولة الأموية مثل خالد بن عبد الله القسري الذي تعرض للتعذيب والقتل فتحرك اليمنيون ضدَّ الوليد، وأصبحوا عضداً لخصمه يزيد.. كما أخطأ في حق أولاد هشام بخاصة.. وفي حق يحيى ابن زيد بن علي (الزعيم الشيعي الثائر) الذي أعلن الثورة على الوليد من خراسان؛ لكن الوليد عندما انتصر عليه لم يكتف بقتله، بل أمر بإحراق جثته وإلقائها في الفرات!!
وهؤلاء وأتباعهم كانوا أكبر من افترى عليه ورموه ـ كما يقول الطبري ـ بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه ورموه بالزندقة. كما أنه بايع لوليديه الحكم وعثمان لولاية العهد ـ وكانا دون البلوغ ـ فأحفظ الناس عليه، ورفض الاستجابة لنصح الناصحين..!!
ولعل طوائف من (الدعاة المستترين الموالين لآل البيت والعباسيين) كانوا يساعدونهم في هذه التلفيقات.. وصولاً لضرب الأمويين من داخلهم، والأمويون غافلون يخربون بيوتهم بأيديهم. وكان (يزيد بن الوليد) يستثمر كل ذلك لحسابه الشخصيّ على حساب البيت الأموي والمصلحة العليا للمسلمين، فكان كما يقول الطبري (أشدّهم فيه قولاً، وكان الناس إلى قوله أمْيَل؛ لأنه كان يظهر النسك ويتواضع.. حتى حمل الناس على الفتك بالوليد!!).
ويعلق على هذا (التواطؤ التآمري) الذي يبرزه نصّ الطبري: (الأستاذ رياض عيسى في كتابه: النزاع بين أفراد البيت الأموي ودوره في سقوط الخلافة الأموية، ص140)، فيقول: إننا نفهم من هذا النصّ أن بني هشام وبني الوليد بن عبد الملك بخاصة كانوا يدبرون لحملة عداء منظمة ضدّ الوليد بن يزيد، وأنهم لم يكونوا يتسقطون هفواته فيجسمونها فحسب؛ بل يتقولون عليه أيضاً، إذ أن في النص كلمات مثل (رماه) و (رموه) إلى أن ينتهي صاحب الخبر للقول (حتى حمل الناس على الفتك به). وفي هذه الكلمات ما يمكن أن يستدل منه على عدم مصداقية ما نسب إليه من جهة، وأن عنصر التدبير والتخطيط للوقيعة بالوليد، من الوضوح بحيث أن صاحب النصّ يشعرنا بأن الناس حملوا على الفتك بالوليد، نتيجة لهذه الحملة المدبرة التي أحكم التخطيط لها، والتي كان أبطالها أولاد الوليد بن عبد الملك لاسيما يزيد بن الوليد، الذي سيئول الأمر إليه بعد الوليد بن يزيد.
لكن هذه الأخطاء التي أخذت على الوليد، لا علاقة لها بهذه الصفحة السوداء الظالمة التي روجت عنه (قبل خلافته)، وللأسف فإنه ـ من واقع ما تعرض له من مظالم على يد أقرب الناس إليه ـ لمدة عقدين من الزمان ـ لم يستطع الوصول إلى مستوى (العفو والتسامح) ليرأب الصدع الأموي الذي كان عمه هشام قد أحدث فيه (ثلمة) حيث اضطهد الوليد وأعلن حملة تشهير طويلة عليه.. وكان انتقام الوليد الشديد (ثلمة) أخرى في البناء الأموي.. فبدأت حملة التخريب الجماعية للبيت الأموي من داخله، ومن الأعداء المتربّصين به من خارجه.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هؤلاء الثلاثة (هشاماً، الوليد، ويزيد) يتحملون وزر سقوط الدولة الأموية التي كان عمر بن عبد العزيز؟ قد شقَّ أمامها طريقاً جديداً رائعاً للاستمرار والازدهار، وفاقاً لرؤية إسلامية رشيدة تليق بخامس الخلفاء الراشدين!!
وأخيراً.. فقد كانت ـ وسأظل بإذن الله ـ أكنّ لأخي الأكبر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي كل ودّ وتقدير.. قائلاً له: عفا الله عني وعنك، وَجَمَعَنَا على الحق والودّ.. وعلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين.
هامش:
عن دار الشروق (بالقاهرة) صدر كتاب (تاريخنا المفترى عليه) للدكتور يوسف القرضاوي (ط1/1425هـ. 2005م) يتضمن نقدا لبعض آراء الدكتور عبد الحليم عويس حول ما كتبه عن (الدولة الأموية).. وهذه الدراسة حوار علمي يتضمن ردا من الدكتور عبد الحليم عويس على الدكتور القرضاوي؛ تعاونا على تجلية تاريخنا، ووصولا إلى القسمات الكاملة لصفحة من كتاب (تاريخنا المفترى عليه)].